تعد المكسيك من اخطر المناطق واكثرها عنفا في العالم، بسبب ارتفاع معدلات جرائم القتل وعدم الاستقرار السياسي واستفحال مشكلة الفساد في المؤسسات الامنية، التي اصبحت تدار وكما نقلت بعض المصادر من قبل عصابات منظمة متخصصة بتهريب المخدرات، يضاف الى ذلك عمليات الخطف والاغتصاب. وأظهرت بيانات حكومية أن أكثر من 25 ألف جريمة قتل وقعت في المكسيك التي تعج بعصابات المخدرات في 2017، وهو أعلى معدل سنوي لجرائم القتل منذ بدء تسجيل البيانات قبل ما يزيد على 20 عاما.

وفتح المحققون 25 ألفا و339 تحقيقا في جرائم قتل العام الماضي، بما يزيد نحو 25 بالمئة عن معدل 2016 وفقا لما أظهرته بيانات وزارة الداخلية. وهذا هو أعلى معدل سنوي منذ أن بدأت الحكومة إحصاء جرائم القتل في 1997. وعانت المكسيك سنوات من العنف في ظل محاربة الحكومة لعصابات المخدرات التي تشهد انقسامات إلى عصابات أصغر حجما وأكثر تعطشا للدماء. ويمثل العنف قضية محورية في انتخابات الرئاسة. ويواجه الرئيس المكسيكي إنريكي بينيا نييتو معركة صعبة لبقاء حزبه الثوري التأسيسي في السلطة.

وزادت التحقيقات في جرائم القتل العام الماضي بنسبة 40 بالمئة مقارنة مع 2013، وهو أول عام كامل يقضيه بينيا نييتو في السلطة. ورفضت المكسيك تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنها أخطر بلد في العالم. وذكر بيان لمفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان الأمير زيد بن رعد الحسين أن مكتب المنظمة الدولية لحقوق الإنسان لديه ”دلائل قوية“ على أن قوات أمن اتحادية في المكسيك وراء موجة اختفاءات في مدينة نويفو لاريدو وما حولها. وقال الأمير زيد إن الأمم المتحدة وثقت اختفاء 21 رجلا وامرأتين في نويفو لاريدو بولاية تاماوليباس من فبراير شباط حتى 16 مايو أيار هذا العام.

ونقل البيان عن الأمير زيد قوله ”وردت تقارير تفيد بأن كثيرا من هؤلاء احتجزوا تعسفيا واختفوا أثناء ممارستهم شؤون حياتهم اليومية“. وقدرت منظمة محلية لحقوق الإنسان عدد المختفين في نويفو لاريدو بأكثر من 40 شخصا. وذكر البيان أن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تلقى شهادات بأن الاختفاءات كانت بسبب قوة أمنية اتحادية، وغالبا ما كانت تحدث في ساعة متأخرة من الليل أو فجرا. واختفى أكثر من 35 ألف شخص منذ أرسل الرئيس السابق فيليبي كالديرون قوات عسكرية لقتال عصابات المخدرات في أواخر 2006.

انتخابية دامية

وفي هذا الشأن مشهد قد يكون الاكثر تعبيرا عن الحملة الانتخابية في المكسيك: مرشح للنيابة يلتقط صورة سلفي مع مناصرة له حين يقترب رجل يعتمر قبعة من الخلف ويطلق رصاصة في رأسه. فرناندو بورون مرشح الحزب الثوري الدستوري هو واحد من 136 سياسيا اغتيلوا منذ بدء الحملة الانتخابية بحسب مركز "ايتيليكت" للدراسات، ما يجعل هذه الحملة للانتخابات العامة الاكثر دموية التي يشهدها المكسيك.

وقتل بورون (43 عاما) في الثامن من حزيران/يونيو فيما كان يغادر مناظرة تعهد فيها علنا التصدي لكارتيلات المخدرات، مذكرا بالجهود التي بذلت ضدها في ولاية كواهولا (شمال) حيث كان رئيسا للبلدية. ويسعى القتلة الى السيطرة على السلطات السياسية المحلية للحفاظ على مناطق نفوذهم او توسيعها اضافة الى الاستيلاء على الموارد العامة، وفق خبراء. ويعتبر المحلل كارلوس اوغالدي المسؤول السابق في السلطة الانتخابية الفدرالية ان على المسؤولين المحليين ان "يمتثلوا لاوامر القتلة او زعماء العصابات" الذين يسيطرون على السوق. ويضيف "اذا اعتقدوا ان سياسيا ما يرفض العمل معهم او التفاوض او الخضوع فانهم يقتلونه".

يندرج العنف السياسي الانتخابي ضمن موجة عنف شاملة تطاول مختلف انحاء المكسيك. وفي هذا السياق، قتل اكثر من مئتي الف شخص منذ 2006، العام الذي اضطرت فيه حكومة فيليبي كالديرون (2006-2012) الى نشر الجيش في الشوارع للقضاء على الكارتيلات. وادت هذه الاستراتيجيا الى تفكيك المجموعات الاجرامية التي تحولت خلايا اصغر حجما ولكن اشد عنفا.

ويقول مدير "ايتيليكت" روبن سالازار الذي يوجه انتقادا شديدا الى الاستراتيجية التي تنتهجها السلطات "برز عدد لا متناه من الخلايا الاجرامية التي تسعى في شكل متزايد الى السيطرة على مناطق المخدرات وطرقها". تعول هذه الخلايا على تجارة المخدرات، لكنها تلجأ ايضا الى عمليات الابتزاز والخطف وسرقة الوقود. وكما ارتفعت نسبة الجرائم في مقاصد سياحية معروفة على غرار لوس كابوس في شمال غرب البلاد، لم توفر ايضا المناطق الاكثر تهميشا مثل ولاية غيريرو في الجنوب.

وتراوح مشاهد الرعب التي باتت جزءا من يوميات المكسيكيين بين جثث ممزقة ومحروقة ملقاة على الطرق ومجرمين مدججين بالسلاح يهاجمون عناصر الشرطة والعسكريين وجثث قطعت رؤوس اصحابها تطفو على الانهر. وشكل العنف العنوان الرئيسي للحملة الانتخابية في بلاد تعد 120 مليون نسمة، يفتك الفقر باكثر من خمسين مليونا منهم، لكنه بات جزءا لا يتجزأ من العملية الانتخابية في شكل غير مسبوق. بحسب فرانس برس.

ويصعب غالبا تحديد الاسباب التي تدفع الى تصفية رجل سياسي. فاذا كان بعض السياسيين مثل بورون اعلنوا عزمهم على التصدي للعصابات فان اخرين يتم استهدافهم احيانا كونهم مرتبطين بمجموعات اجرامية منافسة. ويعلق اوغالدي "علينا ان نتساءل عن عدد المرشحين الذين قتلوا لضلوعهم في الجريمة المنظمة. انها المشكلة الرئيسية". ويرى سيرجيو اغوايو الخبير في الامن في جامعة مكسيكو ان البلاد تواجه مشكلة خطيرة تتمثل في "التواطؤ بين الموظفين والمجرمين". وبمعزل عن التوجه الذي ستتخذه انتخابات، فان هذا التواطؤ مؤشر مقلق بالنسبة الى مستقبل الديموقراطية في المكسيك. ويقول اغوايو "لا اعرف بلدا اخر تزداد فيه سطوة الجريمة المنظمة كما يحصل في المكسيك".

رفض شعبي

الى جانب ذلك في وقت تستعد فيه المكسيك لتنظيم الانتخابات العامة، يرفض السكان الأصليون غربي البلاد إجراء الانتخابات في مناطقهم، حيث شرع سكان قرية ناهواتزين في الجبال الغربية بإشعال النيران لإغلاق الشوارع ومنع السلطات من دخول قريتهم. وتكرر المشهد في عدة ولايات أخرى للتعبير عن رفض النظام المكسيكي الحالي وانتشار الفساد وعنف عصابات المخدرات وسلب الأراضي.

ويحتسي سكان ناهواتزين من عرقية "بوريبيتشا" القهوة وهم يجلسون أمام النيران التي أشعلوها لصد أي محاولة من المعهد الوطني للانتخابات لإقامة مراكز اقتراع في القرية. وقال رجل يحرس القرية ليلا "نحن مستعدون لهم في حال أتوا"، وذلك بعدما أعلنت حكومة ولاية ميتشواكان أنها ستطلق عملية للجيش والشرطة لضمان إجراء الانتخابات في كافة أنحاء البلاد ملوحة باستخدام القوة في حال لزم الأمر. وتكررت مشاهد متشابهة في ولايات عدة للتعبير عن رفض نظام يشير السكان الأصليون في المكسيك إلى أنه لن يثمر عن شيء سوى اختيار وجوه جديدة من السياسيين الفاسدين الذين سينهبون مجتمعاتهم.

وأغلق آلاف من السكان الأصليين الطرق السريعة وتظاهروا ضد الانتخابات خلال الأسابيع الأخيرة معبرين عن غضبهم جراء الفساد وعنف عصابات المخدرات وسلب أراضي أجدادهم. واستلهموا حراكهم من قرية شيران التي تسكنها عرقية بوريبيتشا في ولاية ميتشواكان والتي دخلت التاريخ عبر رفع دعوى قضائية بشأن حقها في إلغاء الانتخابات وتأسيس نظام حكم خاص بها وحتى قوة شرطة خاصة بها. ورفعوا قضيتهم إلى المحكمة العليا وكسبوا القضية في العام 2011 ليقيموا بذلك دولة صغيرة للغاية داخل الدولة. بحسب فرانس برس.

وبدلا من حاكم ومجلس بلدية، بات لدى شيران جمعية عامة تضم المجتمع برمته و12 ممثلا يشكلون ما أطلق عليه "المجلس المحلي الأعظم" حيث يتم اختيارهم دون حملات أو أحزاب أو صناديق اقتراع. وبالإضافة إلى انتخاب الرئيس للسنوات الست المقبلة، سيتعين على نحو 88 مليون ناخب مكسيكي اختيار أعضاء مجلس النواب الـ500 ، بالإضافة إلى 128 سناتورا رؤساء ولايات وبلديات.

عنف مستمر

في السياق ذاته قالت السلطات إن مسلحين قتلوا ستة من رجال شرطة المرور بالرصاص في مدينة سلامنكا بوسط المكسيك في أحد أعنف الهجمات التي تستهدف قوات الأمن في الشهور الماضية. وقال مسؤول كبير في المدينة في بث فيديو بالتلفزيون المكسيكي إن رجال الأمن الستة كانوا يقومون بعمليات تفقد دورية عندما قتلوا. ولم يتضح الدافع وراء الهجوم.

وقالت محطة (تليفيزا) إن ثلاثة مسلحين على الأقل كانوا يستقلون سيارة بيضاء فتحوا النار على الضحايا الذين كانوا غير مسلحين ثم لاذوا بالفرار. وتظهر بيانات رسمية أن معدلات القتل بلغت مستويات قياسية في العام الماضي في المكسيك وزادت أكثر في العام الحالي. وتضم مدينة سلامنكا واحدة من مصافي النفط التابعة لشركة النفط الحكومية بيميكس وتشهد زيادة في سرقات الوقود والعنف بين عصابات متنافسة. وفي سياق منفصل ذكرت صحيفة ريفورما ومحطة ميلينيو نقلا عن روبرتو ألفاريز المتحدث باسم أمن ولاية جيريرو أن خمسة أشخاص قتلوا بالرصاص في بلدية ليوناردو برافو في الولاية الواقعة جنوب غرب البلاد ويجتاحها العنف.

من جانب اخر اعتُقل كل أفراد الشرطة المحلية، في بلدة أوكامبو المكسيكية، للاشتباه في تورطهم في جريمة اغتيال مرشح لمنصب عمدة البلدة، وقد لقي فرناندو أنجيليس خواريز، البالغ من العمر 64 عاما، مصرعه برصاص مسلحين مجهولين، خارج. واعتقلت قوات الشرطة الفيدرالية جميع أفراد الشرطة المحلية بالبلدة، البالغ عددهم 27 فردا، وسكرتير الأمن العام المحلي (قائد الشرطة). وكان أنجيليس رجل أعمال ناجحا، لديه خبرة سياسية محدودة، كما كان مرشحا مستقلا، لكنه في النهاية انضم لأحد الأحزاب المكسيكية الرئيسية، وهو حزب الثورة الديمقراطية، الذي ينتمي لتيار يسار الوسط. بحسب رويترز.

وقال ميغيل مالاغون، وهو صديق مقرب من أنجيليس، في تصريحات لصحيفة إل يونيفرسال: "لم يستطع تحمل رؤية الكثير من الفقر، وعدم المساواة، والفساد، لذلك قرر أن يترشح". وعقب اغتياله، اتهم محققون سكرتير الأمن العام لبلدة أوكامبو، أوسكار غونزاليس غارسيا، بالتورط في الجريمة. وحينما وصل عملاء الشرطة الفيدرالية المكسيكية، إلى البلدة لاعتقاله، أوقفهم أفراد الشرطة المحلية. لكنهم عادوا بصحبة تعزيزات، واعتقلوا كل أفراد الشرطة المحلية وقائدهم. وكُبلت أيدي المعتقلين، واصطحبوا للخضوع للتحقيق، في مدينة موريليا عاصمة الولاية. ويتهم المحققون أفراد الشرطة المحلية، وقائدهم غونزاليس، بالارتباط بعصابات الجريمة المنظمة في الولاية.

تحذير أمريكي

من جانب اخر دفعت أنشطة العصابات وشيوع الجريمة في المكسيك وزارة الخارجية الأمريكية إلى إصدار تحذير صارم إلى مواطنيها بتجنب التوجه إلى خمس ولايات مكسيكية تماما وهو مستوى من التحذير لا يصدر إلا للدول التي تشهد حربا. ويضع أعلى تحذير ”بعدم السفر“ من وزارة الخارجية الأمريكية ولايات كوليما وميتشواكان وسينالوا وتاماوليباس وجيريرو المكسيكية على ذات مستوى التحذير مثل سوريا وأفغانستان والعراق. وذكّر إصدار التحذير بأفول عهد مدينة أكابولكو الساحلية التي كانت يوما منتجعا فاخرا.

وبعد أن كانت المدينة الواقعة في ولاية جيريرو مقصدا لنجوم هوليوود أصبحت تشهد الآن واحدا من أعلى معدلات الجريمة في العالم بعد أن سادت فيها حروب العصابات في السنوات الماضية. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية ”تعمل مجموعات مسلحة بعيدا عن الحكومة في الكثير من مناطق جيريرو. أفراد تلك المجموعات يقيمون بشكل متكرر حواجز طرق وقد يستخدمون العنف مع المسافرين“. وبشكل عام وضعت الخارجية الأمريكية المكسيك في المستوى الثاني من مستويات التحذير الأربعة لديها.

وألقى التحذير الضوء على القيود التي تواجهها الحكومة الأمريكية في تقديم خدمات طوارئ لمواطنيها في العديد من مناطق المكسيك لأن موظفي الحكومة أنفسهم ممنوعون من السفر إلى تلك المناطق. وتظهر بيانات رسمية أن الاشتباكات بين عصابات المخدرات المتنافسة ساهمت في تسجيل عدد قياسي من جرائم القتل العام الماضي في المكسيك بما يشكل ضربة جديدة لتعهد الرئيس إنريكي بينيا نييتو بالسيطرة على عنف العصابات فيما تقترب الانتخابات الرئاسية إذ تجرى في يوليو تموز 2018.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1