يبذل تنظيم داعش كل جهوده من أجل البقاء اطول فترة ممكنه في مدينة الموصل، التي اصبحت وبحسب بعض الخبراء خارج نطاق سيطرة هذا التنظيم الارهابي بعد ان تمكنت القوات العراقية المشتركة، من تحرير مساحات كبيرة من هذه المدينة التي سيطر عليها التنظيم في 2014. فبعد أكثر من ثلاثة أشهر على انطلاق العمليات العسكرية لتحرير الساحل الأيمن من مدينة الموصل، تحاصر القوات العراقية بحسب بعض المصادر، ما تبقى من مسلحي تنظيم داعش في مساحة لا تتعدى أربعة كيلومترات مربعة.

ويكمن "التحدي الكبير" الذي تواجهه القوات العراقية في الموصل، وفق بعض القادة العسكريين، في وجود عدد كبير من المدنيين في مناطق ضيقة تعج بالبيوت الصغيرة والمفتوحة على بعضها، وهو ما اثار قلق ومخاوف العديد من الجهات والمنظمات، خصوصا وان التنظيم الارهابي قد عمد الى استخدام المدنيين كدروع بشرية. يضاف الى ذلك ان المعلومات الواردة قد اكدت ان الأوضاع في الموصل القديمة صعبه جدا، بسبب انقطاع المياه وقلة المواد الغذائية.

وقدرت الشرطة الاتحادية العراقية عدد مسلحي تنظيم داعش في آخر معاقلهم في الموصل بنحو 500 شخص يتمركزون في المدينة القديمة وسط آلاف السكان والأزقة الضيقة. وقال المقدم في الشرطة الاتحادية عبد الله طه إن التنظيم يتبع أسلوب التنقل السريع بين البيوت لإيهام القوات بأن عدد مسلحيه أكبر من حقيقته. وتتوغل القوات العراقية ببطء في المدينة القديمة بالموصل حفاظا على حياة عشرات الآلاف من المدنيين الذين يتخذهم مسلحو داعش دروعا بشرية. وأطلقت القوات العراقية في 19 شباط/ فبراير، عملية عسكرية لاستعادة السيطرة على الجانب الغربي من الموصل. وكانت قد أعلنت في أواخر كانون الثاني/ يناير الماضي استعادتها كامل السيطرة على الجانب الشرقي من المدينة.

المدنيين في الموصل

وفي هذا الشأن قال مسؤول عسكري عراقي ان تقدم القوات العراقية مستمر في الموصل حيث بات المسلحون الجهاديون محاصرين في المدينة القديمة لكنه اضاف بان وجود آلاف المدنيين يعرقل تقدمهم. وتشن القوات العراقية عملية عسكرية كبرى منذ سبعة أشهر لاستعادة السيطرة على مدينة الموصل ثاني أكبر مدن العراق، تمكنت خلالها استعادة مناطق واسعة لكن لا يزال الجهاديون يسيطرون على رقعة صغيرة تضم نحو مئتين ألف مدني عالقون في احياء المدينة القديمة.

وقال المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة العميد يحيى رسول "ما يعطل تقدمنا هو وجود المدنيين العالقين وسط المعارك". وأضاف "استقبلنا مئات العائلات من خلال الممرات الامنة التي امناها للمدنيين وقمنا بنقلهم الى خارج مناطق القتال". وتمثل المدينة القديمة واغلب الاحياء المحيطة التي تضم منازل متلاصقة وشوارع ضيقة، تحديا كبيرا للقوات العراقية التي تواصل محاصرتها تزامنا مع استمرار تواجد الاف المدنيين بداخلها. وبدأت القوات العراقية بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، في 17 تشرين الاول/اكتوبر الفائت عملية عسكرية كبيرة لاستعادة الموصل من تنظيم داعش الارهابي. بحسب فرانس برس.

ولا تشكل استعادة الموصل التي باتت قريبة، نهاية الحرب ضد تنظيم داعش في العراق لان عناصر هذا التنظيم ما زالوا متواجدين وينفذون هجمات متكررة في مناطق متفرقة في البلاد. في الوقت نفسه، تحقق قوات الحشد الشعبي التي تقاتل الى جانب القوات العسكرية انتصارات متلاحقة عبر استعادة السيطرة على الشريط الحدودي بين العراق وسوريا غرب الموصل. وسيطر الجهاديون اثر هجوم واسع على مناطق واسعة شمال وغرب بغداد في 2014. لكن القوات العراقية استعادت منذ ذلك الحين الكثير من الأراضي التي فقدتها.

قذائف داعش

الى جانب ذلك قالت الشرطة العراقية إن سبعة مدنيين على الأقل قتلوا وأصيب 23 بقذائف مورتر أطلقها مقاتلو تنظيم داعش أثناء محاولتهم الفرار من حي الزنجيلي في الموصل الذي يسيطر عليه التنظيم المتشدد. والزنجيلي هو جزء من جيب ما زالت تسيطر عليه داعش في الموصل إلى جانب وسط الحي القديم ومجمع مستشفيات (مدينة طب الموصل).

وقال مسؤول في الشرطة إن المصابين من الزنجيلي نقلوا إلى مستشفى ميداني مضيفا أن مزيدا من الأشخاص ربما قتلوا أثناء محاولتهم الفرار. وهم جزء من أول دفعة تمكنت من الهروب من المدنيين. وأضاف مسؤول الشرطة إن عشرات المدنيين الآخرين تمكنوا من الوصول سالمين إلى الخطوط التي تسيطر عليها القوات العراقية عبر ممر الخروج عينه.

وقالت الأمم المتحدة إن السكان في الجيب الذي يسيطر عليه المتشددون يعيشون ظروفا بالغة الصعوبة في ظل تناقص المواد الغذائية والمياه والدواء فضلا عن عدم تمكنهم من الوصول إلى المستشفيات بسهولة. وقال اثنان من سكان المنطقة شريطة عدم الكشف عن هويتهما إن المتشددين بدأوا نقل سجنائهم إلى خارج مجمع مدينة الطب مع تقدم القوات العراقية باتجاههم.

واستخدم التنظيم الأقبية في مدينة الطب كزنازين لعناصر وضباط الشرطة والجيش السابقين فضلا عن الأشخاص الذين انتهكوا قواعد السلوك التي تحظر أمورا مثل بيع السجائر والتدخين. وقال أحد السكان إن المتشددين أمروا عشرات العائلات التي تعيش في الزنجيلي بالانتقال إلى المدينة القديمة للحيلولة دون فرارهم باتجاه القوات العراقية. بحسب رويترز.

واستغرقت العملية العسكرية على الموصل، التي دخلت شهرها الثامن، وقتا أطول بكثير مما كان يعتقد مع تقدم القوات العراقية ببطء سعيا لتجنب إيقاع قتلى ومصابين بين المدنيين. وفر بالفعل زهاء 700 ألف شخص يمثل نحو ثلث سكان المدينة قبل الحرب طلبا للمأوى إما مع أصدقاء أو أقارب أو في مخيمات.

غلق الشوارع

من جانب اخر قال سكان إن مقاتلي داعش أغلقوا الشوارع المحيطة بجامع النوري الكبير في الموصل استعدادا على ما يبدو للمواجهة النهائية في المعركة من أجل معقلهم الكبير الأخير بالعراق. وشاهد سكان عشرات المقاتلين يتخذون مواقعهم حول المسجد الأثري الذي أعلن منه أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم المتشدد قيام دولة "خلافة" في يوليو تموز 2014.

وترفرف راية داعش السوداء فوق المسجد منذ سيطر المتشددون على الموصل واستولوا على مساحات من الأراضي في العراق وسوريا في صيف 2014. واستعادت القوات الحكومية العراقية بدعم من الولايات المتحدة شرق الموصل في يناير كانون الثاني وبدأت حملة جديدة لاستعادة الجيب المتبقي في قبضة المتشددين بغرب الموصل ويتكون من منطقة المدينة القديمة حيث يقع المسجد وثلاث مناطق متاخمة له بالإضافة إلى الضفة الغربية لنهر دجلة.

وسيمثل سقوط المدينة فعليا نهاية النصف الواقع في العراق مما تسمى دولة الخلافة بينما تحاصر قوات كردية في سوريا مدعومة بضربات جوية أمريكية مقاتلي داعش في مدينة الرقة معقل التنظيم هناك. وأصبح جامع النوري الكبير محورا رمزيا للحملة إذ يقول قادة عراقيون في أحاديث خاصة إنهم يأملون استعادته خلال شهر رمضان. وقال هشام الهاشمي وهو مستشار لعدة حكومات بالشرق الأوسط بينها الحكومة العراقية ويقدم استشارات في شؤون تنظيم داعش إن مقاتلي التنظيم يعلمون أن المسجد هو الهدف الأهم ويعدون لمعركة كبرى هناك. بحسب رويترز.

لكن خبراء قالوا إن معركة في المسجد أو قربه ستعرض المبنى ومئذنته المائلة الشهيرة للخطر. والمئذنة ليست عمودية على المبنى المقام فوق تربة رطبة وهي معرضة لخطر شديد لأنها لم تجدد منذ عام 1970. وتوصف المئذنة بالحدباء. وتصدى المتشددون لتقدم القوات بالهجمات الانتحارية بسيارات ودراجات نارية ملغومة إلى جانب القناصة والألغام وقذائف المورتر.

معاناة تتفاقم

الى جانب ذلك قالت الأمم المتحدة إن عشرات الآلاف من المدنيين في أجزاء من الموصل واقعة تحت سيطرة تنظيم داعش يكافحون للحصول على غذاء وماء ودواء بعد أيام من بدء عملية جديدة للقوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة للسيطرة على المدينة الشمالية. وقالت ليز جراندي منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في العراق إن ما يصل إلى 200 ألف شخص ما زالوا يعيشون في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في مدينة الموصل القديمة وثلاث مناطق أخرى.

وقالت جراندي إن الناس الذين تمكنوا من الخروج من المناطق الواقعة تحت سيطرة المتشددين "يتحدثون عن وضع مأساوي بما في ذلك نقص في الغذاء والماء ونقص حاد في الأدوية". وأضافت "نعلم أن هناك منشآت صحية في هذه المناطق ولكن لا نعلم إذا كانت لا تزال تعمل". وتسقط القوات الحكومية منشورات على المناطق تطلب من السكان الفرار ولكن كثيرين بقوا خشية أن يسقطوا ضحية لتبادل إطلاق النار. بحسب رويترز.

وقالت جراندي "السلطات أبلغتهم أن الإجلاء ليس إلزاميا... إذا قرر المدنيون البقاء... ستحميهم قوات أمنية عراقية". وأضافت "الناس الذين اختاروا الخروج سيتم توجيههم إلى طرق آمنة. ستتغير هذه الطرق اعتمادا على أي المناطق التي تتعرض للهجوم والتطورات في ساحة المعركة". وفر بالفعل نحو 700 ألف شخص، نحو ثلث سكان المدينة قبل الحرب، ولجأوا إلى أصدقاء أو أقارب أو إلى مخيمات.

كما أعرب مساعد الامين العام للامم المتحدة لشؤون المساعدات الانسانية ستيفن اوبراين عن "القلق الشديد" لسلامة المدنيين الذين لا يزالون في مناطق يسيطر عليها الجهاديون مشيرا الى تقارير حول قيام هؤلاء بتفخيخ منازل بينما السكان في داخلها واستهداف اطفال من قبل قناصة. واقامت الوكالات التابعة للامم المتحدة مخيمات بالقرب من الموصل لاستقبال النازحين وقدرت في الصيف الماضي ان يقارب عدد الذين سيرغمون على الرحيل المليون نسمة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0