الهجوم الكيماوي والمجزرة التي استهدفت بلدة خان شيخون في ريف ادلب السورية، المعقل الرئيسي للفصائل المسلحة المدعومة من جهات خارجية، ما يزال محط اهتمام كبير خصوصا في ظل غياب الأدلة واستمرار الاتهامات المتبادلة بين أطراف الصراع، حيث تتهم فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وكما نقلت بعض المصادر، الحكومة السورية بشن الهجوم الكيميائي، الذي ادى الى مقتل اكثر من 87 شخصًا بينهم 31 طفلاً. وهو ما تنفيه سوريا وحلفائها وتقول ان الهجوم هو مسرحية جديدة من قبل بعض الإطراف الدولية التي تساعد في دعم الارهاب، لاجل ايجاد مبرر يتيح لها التدخل بشكل أوسع في هذه الحرب وتحت غطاء دولي، خصوصا وان الولايات المتحدة قد نفذت بعد هذا الهجوم، ضربة بصواريخ توماهوك على قاعدة جوية للقوات السورية تقول الإدارة الأميركية إن الهجوم الكيميائي انطلق منها.

من جانب اخر قالت مصادر إعلامية إن جبهة النصرة والفصائل المتحالفة معها في الغوطة الشرقية وبدعم خارجي، تعمل على التجهيز لاستهداف بلدتي عربين وعين ترما بصواريخ تحمل غازات سامة حصل عليها التنظيم خلال الأشهر الماضية وذلك بغية خلق زوبعة إعلامية جديدة كالتي حدثت في خان شيخون هدفها الضغط على الحكومة السورية واتهامها على أنها المسؤول عن الحدث.

وفي ذات السياق أفادت المصادر بقيام التنظيم بتوزيع الأقنعة الواقية للغازات السامة على هذا المحور واستنفار المقاتلين التابعين له وتجهيز آلة إعلامية كاملة لاستثمار الحدث فور حدوث الضربة ضد المدنيين. وأتت هذه التسريبات بعد معلومات مؤكدة تحدّث عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتن الذي صرّح قائلاً ” سيجري استخدام مواد كيميائية جنوب العاصمة السورية دمشق وتحميل النظام مسؤولية ذلك” وأضاف الرئيس الروسي بأن المعلومات الاستخباراتية الخاصة ببلاده قالت بأن “التنظيمات الإرهابية حصلت على هكذا أسلحة وتخطط لاستخدامها في دمشق والشمال السوري”.

هجوم مفبرك

وفي هذا الشأن نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن الرئيس السوري بشار الأسد قوله إن الهجوم المزعوم بالغاز السام في محافظة إدلب والذي ألقيت مسؤوليته على حكومته "مفبرك مئة بالمئة" وإنه استغل لتبرير الضربة الجوية الأمريكية. ونقلت الوكالة عن الأسد قوله في مقابلة إن الجيش السوري سلم كل أسلحته الكيماوية في عام 2013 بعد اتفاق أبرم في ذلك الوقت ولم يستخدم أسلحة كيماوية بأي حال.

وتقول الولايات المتحدة وحلفاؤها إن الجيش السوري هو الذي نفذ الهجوم وهو ما نفته سوريا. وتسبب الهجوم الذي وقع يوم الرابع من أبريل نيسان في قتل العشرات من المدنيين ودفع الولايات المتحدة لشن هجوم بصواريخ كروز على قاعدة جوية سورية في أول هجوم أمريكي مباشر على حكومة دمشق في الحرب المستعرة منذ ستة أعوام.

وقال الأسد إن سوريا لن تسمح إلا بتحقيق نزيه في هجوم الغاز السام. واستخدمت روسيا حليف الأسد حق النقض (الفيتو) لمنع صدور قرار بمجلس الأمن الدولي يدين الهجوم ويجبر الحكومة السورية على التعاون مع المحققين. وقالت روسيا إن الغاز كان جزءا من مخزون كيماوي لدى مسلحي المعارضة. ونفت المعارضة الزعم الروسي.

وكان هذا الهجوم هو الأشد فتكا من نوعه منذ هجوم مماثل بغاز السارين أودى بحياة المئات من الأشخاص في حي خاضع لسيطرة المعارضة قرب دمشق عام 2013 ودفع حينها الولايات المتحدة للتهديد بشن عمل عسكري. وقال الوفد البريطاني في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن عينات أخذت من موقع الهجوم الكيماوي في سوريا أثبتت وجود غاز السارين.

من جهة اخرى رفض وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرو تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد التي قال فيها إن هجوما بالغاز في محافظة إدلب "مفبرك مئة في المئة" ووصف تصريحاته بأنها "أكاذيب ودعاية". وقال إيرو خلال إفادة صحفية مشتركة مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين إنه شعر "بحزن عميق" حين علم بتصريحات الأسد.

وتابع "ما سمعته أكاذيب ودعاية مئة في المئة. إنه وحشية وسخرية مؤلمة مئة في المئة، وعلينا أن نضع نهاية لذلك. نحتاج وقف إطلاق نار حقيقيا." وأضاف إيرو أن الدمار الواسع الذي حل بسوريا خلال الحرب الأهلية الدائرة منذ نحو ست سنوات "ليس خيالا" ووجه الشكر للصين، وهي عضو دائم في مجلس الأمن الدولي مثل فرنسا، "لموقفها المستقل والحكيم". بحسب رويترز.

وحثت الصين مرارا على التوصل لحل سلمي في سوريا. كما انضمت مرات عديدة إلى جانب روسيا الحليف الرئيسي للأسد منذ 2015 لعرقلة إصدار قرارات في مجلس الأمن بشأن سوريا. وأشاد مبعوث بكين الخاص إلى سوريا بالدور العسكري الروسي في سوريا ووصفه بأنه فعال في محاربة الإرهاب الدولي. وانتقد إيرو موقف روسيا في سوريا ووصفه بأنه "رياء".

هجمات جديدة

على صعيد متصل قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن روسيا لديها معلومات بأن الولايات المتحدة تخطط لشن ضربات صاروخية جديدة على سوريا وإنها تدبر لاختلاق هجمات بالغاز وإلصاق التهمة بالنظام السوري. وجاء تصريح بوتين خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الإيطالي سيرجيو ماتاريلا قبل ساعات من وصول وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون إلى موسكو لإجراء محادثات مع وزير الخارجية الروسي وبعد أيام من تنديده بالضربة الصاروخية التي شنتها الولايات المتحدة على قاعدة عسكرية سورية ووصفها بأنها غير قانونية.

وردا على سؤال عما إذا كان يتوقع أن تشن الولايات المتحدة المزيد من الضربات الصاروخية في سوريا قال بوتين "لدينا معلومات بأنه يجري التجهيز لاستفزاز مشابه... في أجزاء أخرى من سوريا بما في ذلك ضواحي دمشق الجنوبية حيث يخططون مرة أخرى لزرع بعض المواد واتهام السلطات السورية باستخدام (أسلحة كيماوية)." ولم يقدم بوتين ما يثبت هذا. بحسب رويترز.

وأكّد بوتين أن روسيا ستطلب بشكل عاجل من منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيميائية التحقيق في هجوم إدلب. وأضاف بوتين أن روسيا ستتقبل الانتقادات الغربية لدورها في سوريا لكنه يأمل في تخفيف المواقف في نهاية المطاف. وقال المتحدث باسم بوتين إنه لا يوجد خطط معدة سلفا لبوتين للقاء تيلرسون لكن وسائل الإعلام الروسية نقلت عن مصادر غير معلومة القول إن مثل هذا الاجتماع قد يعقد.

من جانبها نفى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش تقريرا للجيش السوري ذكر أنه نفذ ضربة جوية أصابت مستودعا للمواد السامة يخص التنظيم مما أسقط مئات القتلى. وكان بيان للجيش السوري أوردته وسائل الإعلام الرسمية ذكر أن الحادث المزعوم يؤكد "امتلاك التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيما داعش وجبهة النصرة للأسلحة الكيميائية وقدرتها في الحصول عليها ونقلها وتخزينها واستخدامها بمساعدة دول معروفة في المنطقة."

وردا على بيان الجيش السوري قال المتحدث باسم التحالف الكولونيل جون دوريان إن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لم يشن أي ضربات جوية بالمنطقة المذكورة في ذلك الوقت. وقال "الزعم السوري غير صحيح وهو على الأرجح تضليل متعمد." ونسبت وكالة الإعلام الروسية إلى إيجور كوناشينكوف المتحدث باسم وزارة الدفاع القول إن الوزارة ليس لديها معلومات عن سقوط قتلى في هجوم نفذته قوات التحالف الدولي في محافظة دير الزور بسوريا.

خبراء للتحقيق

الى جانب ذلك أرسلت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية فريقا من خبرائها إلى تركيا لجمع عينات في إطار تحقيق في مزاعم بشن هجوم بغاز السارين في سوريا وقالت مصادر إن المنظمة ومقرها لاهاي أرسلت بعثة لتقصي الحقائق لجمع عينات حيوية (بيومترية) وإجراء مقابلات مع الناجين. وقال الوفد البريطاني في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية إن عينات أخذت من مسرح الهجوم بالغاز في محافظة إدلب تحتوي على غاز السارين.

وقال الوفد خلال جلسة خاصة عقدتها المنظمة بشأن سوريا "حلل علماء بريطانيون العينات التي أخذت من خان شيخون. ثبت وجود غاز السارين للأعصاب أو مادة تشبه السارين." وأكدت النتيجة البريطانية اختبارات سابقة أجرتها السلطات التركية وخلصت إلى أن غاز السارين استخدم لأول مرة على نطاق كبير في الحرب السورية منذ 2013.

وستحدد البعثة ما إذا كان تم استخدام أسلحة كيماوية لكنها ليست مفوضة بتحديد المسؤول. وستحيل البعثة نتائجها المتوقعة في غضون ثلاثة إلى أربعة أسابيع إلى لجنة تحقيق مشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية مهمتها تحديد الأفراد أو المؤسسات المسؤولة عن الهجوم. بحسب رويترز.

وتوصل محققون إلى أن غازات السارين والكلور وخردل الكبريت تم استخدامها خلال الحرب الأهلية الدائرة في سوريا منذ نحو ست سنوات. واستخدمت قوات الحكومة الكلور بينما استخدم تنظيم داعش خردل الكبريت. ويعد قصف مدينة خان شيخون، الواقعة في محافظة إدلب التي تسيطر عليها المعارضة قرب الحدود مع تركيا، هو أكبر الهجمات من حيث عدد القتلى منذ هجوم بغاز السارين في 21 أغسطس آب عام 2013 أوقع مئات القتلى بإحدى ضواحي دمشق.

لا خيار سوى النصر

في السياق ذاته قال الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلة صحفية إن بلاده ليس أمامها من خيار سوى الانتصار في الحرب الأهلية وإن الحكومة لم تستطع التوصل إلى "نتائج" مع جماعات المعارضة التي شاركت في محادثات السلام الأخيرة. ويبدو أن المقابلة التي أجريت مع صحيفة (فيسيرني ليست) الكرواتية تمت قبل أن يتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس السوري بتجاوز "خطوط كثيرة كثيرة" بعد هجوم في محافظة إدلب.

ولم يوجه للأسد أي سؤال عن الهجوم الكيماوي الذي وقع في مدينة خان شيخون بشمال غرب سوريا وفقا لنص المقابلة الذي نشرته الوكالة العربية السورية للانباء (سانا). وقد نفت الحكومة بشدة أي دور لها في استخدام الأسلحة الكيماوية. وبعد أكثر من ست سنوات على بدء الحرب السورية يبدو أن الأسد في وضع قوي عسكريا في مناطق غرب سوريا.

وأكدت المقابلة ثقة الأسد في موقفه حيث أكد مجددا أن هدفه هو إلحاق الهزيمة التامة بالجماعات التي تقاتل حكومته. كما أكد رفضه للنظام الفيدرالي الذي تسعى جماعات كردية في شمال سوريا لتطبيقه. وقال الأسد "الأمل لدينا كبير وهو يزداد. وهذا الأمل مرتبط بالثقة ولولا الثقة لما كان هناك أمل. بكل الأحوال ليس لدينا خيار سوى أن ننتصر بالحرب. إن لم ننتصر فهذا يعني أن تُمحى سوريا من الخارطة. لا يوجد خيار آخر لذلك. نحن واثقون ومستمرون ومصممون."

وفي إشارة إلى هجمات المعارضة الأخيرة قال الأسد "المعارضة المعتدلة غير موجودة. الموجودة معارضة جهادية بالمعنى المنحرف للجهاد طبعا. العقائدية أيضا بالمعنى المنحرف التي لا تقبل حوارا ولا حلا إلا بطريقة الإرهاب." وأضاف "لذلك عمليا مع هذا الجزء من المعارضة لا يمكن أن نصل إلى أي نتيجة فعلية.. والدليل أنه خلال مفاوضات أستانة بدأوا بالهجوم على مدينة دمشق وعلى حماة ومناطق أخرى من سوريا وأعادوا دولاب الإرهاب وقتل الأبرياء." بحسب رويترز.

وكانت محادثات أستانة التي عقدت بدعم روسي قد بدأت بالتعاون مع تركيا التي تعد من الداعمين الرئيسيين لمعارضي الأسد. وأسفرت المحادثات عن وقف لإطلاق النار بين الحكومة والمعارضة شهد انتهاكات كثيرة منذ إعلانه في ديسمبر كانون الأول. واختتمت في أواخر مارس آذار جولة جديدة من مباحثات السلام غير المباشرة في جنيف دون تحقيق أي تقدم صوب إنهاء الصراع الذي سقط ضحيته مئات الآلاف من القتلى وتسبب في نزوح الملايين عن ديارهم وتحول الملايين إلى لاجئين في دول أخرى. وتعتبر الحكومة السورية كل الجماعات التي تقاتلها جماعات إرهابية لها أهداف تحددها حكومات أجنبية من بينها تركيا والسعودية وقطر والولايات المتحدة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0