الاعتداء الأخير الذي نفذه زياد بن بلقاسم في مطار أورلى بالعاصمة الفرنسية باريس. جدد المخاوف واعاد الجدل في فرنسا وباقي الدول الأوروبية، حول خطر الإرهاب وتهديدات التنظيمات الإرهابية، التي سعت الى تنفيذ عمليات إرهابية متكررة في العديد من دول العالم، ومنها فرنسا حيث اجتاحت وكما نقلت بعض المصادر، موجات الإرهاب المتتالية على امتداد الشهور الأخيرة العاصمة الفرنسية بضربات متتالية توحي بالاستهداف المتعمد والرغبة في ترويع الشعب الفرنسي حيث يسعى الإرهاب إلى أن يبعث برسالة عالمية عبر ما يقوم به في باريس، كما ان الاعتداء الأخير أثارت ردود فعل متفاوتة لدى الطبقة السياسية الفرنسية، ففي حين عبر الرئيس الفرنسى فرانسوا هولاند على تصميم الدولة على مكافحة الإرهاب، قال مرشح اليمين إلى الانتخابات الرئاسية إن فرنسا "في حالة حرب أهلية"، أما زعيمة الجبهة الوطنية فاعتبرت أن الحكومة "تثير الاشمئزاز".

وفى وقت تستعد فرنسا للدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية الشهر المقبل، وجهت مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان انتقادا شديدا للحكومة إثر حادث أورلى، والذي وصفته بالفشل في الإدارة وهو ما أدى إلى تسيب وضعف أمنى. وقالت لوبان خلال تجمع لأنصارها فى مدينة ميتز الواقعة شمال شرق فرنسا، إن "حكومتنا تجاوزها الزمن وتثير الاشمئزاز"، منددة بـ"جبن الطبقة السياسية برمتها فى مواجهة التطرف الإسلامي".

ومن جانبه أبدى المرشح اليمينى فرنسوا فيون عن قلقه إزاء تلك الهجمات التي باتت تتكرر دون الوصول لحل حقيقي لردعها، وقال "نحن في حالة شبه حرب أهلية في مواجهة العنف الوحشي يتعين أن تكون اليقظة في أقصاها". وجاء هجوم أورلى بعد شهر ونصف الشهر من الاعتداء على دورية عسكرية في متحف اللوفر نفذه مصري في التاسعة والعشرين حاملا ساطورا قبل أن يصاب بجروح بالغة.

حادثة المطار والانتخابات

وفي هذا الشأن استجوبت الشرطة الفرنسية أقارب رجل قتله جنود بالرصاص في مطار أورلي بباريس في محاولة للوصول إلى خيوط تكشف عن سبب محاولته الاستيلاء على بندقية هجومية في واقعة دفعت قضية الأمن إلى مركز الصدارة في حملة انتخابات الرئاسة الفرنسية. وأفرجت الشرطة عن أقارب الرجل بعد ذلك. وقال مدعي باريس فرانسوا مولان إن الرجل، البالغ من العمر 39 عاما ويدعى زياد بن بلقاسم، صاح قائلا إنه جاء إلى المطار "للموت في سبيل الله" عندما حاول الاستيلاء على بندقية من جندية تعمل بسلاح الجو كانت في دورية بالمطار.

وبعد أن ألقى حقيبة تحوي عبوة بنزين ووضع مسدسا على رأس الجندية أطلق زملاؤها النار عليه ثلاث مرات. ولقي أكثر من 230 شخصا حتفهم في فرنسا في العامين الماضيين على يد مهاجمين منتمين لتنظيم داعش المتشدد. وشملت هذه الهجمات تفجيرات منسقة وإطلاق نار في نوفمبر تشرين الثاني في باريس قتل فيها 130 شخصا وأصيب العشرات. وأذكت الهجمات الجدل السياسي بشأن الأمن في خضم حملة انتخابية مشحونة قبل انتخابات رئاسية من جولتين في أبريل نيسان ومايو أيار. بحسب رويترز.

وكان بلقاسم، الذي تشير مصادر قضائية إلى أنه دخل السجن وخرج منه في جرائم سرقة وأخرى متعلقة بالمخدرات، خاضعا بالفعل لمراقبة السلطات. وقالت إنه تحول إلى التشدد الإسلامي عندما قضى حكما بالسجن قبل عدة سنوات لاتجاره في المخدرات. وكان يتردد بانتظام على الشرطة بموجب إطلاق سراح مشروط من الاحتجاز بسبب السرقة ولم يكن له الحق في مغادرة البلاد. وقال مسؤولون إن بلقاسم كان، قبل عدة ساعات من مقتله، قد أصاب شرطيا بمسدس ضغط هواء أثناء تفتيش روتيني عند حاجز مروري شمال باريس قبل أن يلوذ بالفرار. ودخل لاحقا حانة في فيتري سور سين على الجانب الآخر من باريس وأطلق النار من مسدسه دون أن يصيب أحدا. كما سرق سيارة قبل الوصول إلى المطار.

انفجار طرد ملغوم

من جانب اخر قالت الشرطة الفرنسية إن مظروفا ملغوما وصل بالبريد إلى مكتب صندوق النقد الدولي في وسط باريس انفجر عندما قامت موظفة بفتحه مما أدى إلى إصابتها بجروح في الوجه والذراعين. وقال ميشيل كادو رئيس شرطة باريس إن الموظفة تتلقى علاجا لكن إصابتها لا تهدد حياتها. وتسبب الانفجار في إلحاق أضرار طفيفة بالمكتب.

وذكرت الشرطة أن المظروف كان مرسلا إلى جيفري فرانكس الممثل الأوروبي لصندوق النقد. ويشير الموقع الإلكتروني للمكتب الأوروبي لصندوق النقد الدولي إلى أن فرانكس يعمل مديرا للمكتب منذ مارس آذار 2015. وفتح ممثلو إدعاء بوحدة مكافحة الإرهاب في باريس تحقيقا. وقال كادو إن الانفجار نتج عن عبوة مصنوعة محليا "تشبه الألعاب النارية الكبيرة".

وسئل كادو عما إذا كان رئيس المكتب الأوروبي للصندوق قد تلقى تهديدات فقال "كانت هناك بعض المكالمات الهاتفية في الأيام القليلة الماضية لكنها ليست مرتبطة بالضرورة بهذا الأمر على ما يبدو." وتأتي الواقعة قبل أسابيع من انتخابات الرئاسة الفرنسية وبعد أن أعلنت جماعة يونانية متشددة معروفة باسم (مؤامرة خلايا النار) مسؤوليتها عن إرسال طرد ملغوم بالبريد إلى وزير المالية الألماني فولفجانج شيوبله. لكن لم يصدر على الفور أي إعلان بالمسؤولية عن هجوم باريس. بحسب رويترز.

ويشارك صندوق النقد في محادثات بين اليونان ودائنيها الدوليين بشأن الإفراج عن قروض جديدة لأثينا بموجب برنامج للدعم المالي. وقال الرئيس فرانسوا أولوند إن السلطات الفرنسية ستبذل كل ما في وسعها لضبط المسؤولين عن الهجوم على مكتب صندوق النقد. وأضاف قائلا "أريد أن أقول لكل أولئك الذين يعملون لهذه المؤسسة العظيمة أننا إلى جانبهم." وأدانت كريستين لاجارد المديرة التنفيذية لصندوق النقد، وهي وزيرة فرنسية سابقة للاقتصاد، الانفجار قائلة إنه "عمل جبان من أعمال العنف." وأضافت قائلة "أؤكد مجددا تصميم صندوق النقد الدولي على مواصلة عملنا بما يتماشي مع التفويض الممنوح لنا. نعمل بشكل وثيق مع السلطات الفرنسية للتحقيق في هذا الحادث وضمان سلامة موظفينا."

فشل حملة فرنسية

في السياق ذاته افادت لجنة تقصي حقائق منبثقة عن مجلس الشيوخ الفرنسي في تقرير مرحلي ان برنامج اخراج الجهاديين من دائرة التطرف في فرنسا باء بالفشل، داعية السلطات الفرنسية الى تغيير نهجها في التصدي لهذه المشكلة. ووضعت اللجنة التي كلفت جمع معلومات حول برنامج "انهاء التطرف وابطال التجنيد واعادة دمج الجهاديين في اوروبا" تقريرا ينتقد سياسة مكافحة التطرف بينما شهدت فرنسا سلسلة اعتداءات جهادية غير مسبوقة في 2015 و2016 اسفرت عن سقوط 238 قتيلا.

وقال رئيس لجنة القوانين في مجلس الشيوخ فيليب با في مؤتمر صحافي "انه فشل تام، يجب اعادة التفكير في كل شىء واعادة تنظيم كل شىء". وجه با انتقاداته إلى المركز الوحيد المفتوح لنزع التطرف في فرنسا والذي يستقبل المتطوعين فقط، في بونتورني في وسط البلاد. وكان المركز مستهدفا بعد اتهام وسجن نزيل في هذا المركز ينتمي الى شبكة جهادية ويرغب قي التوجه الى سوريا والعراق.

لكن وزارة الداخلية الفرنسية اكدت ان عملية اخراج الجهاديين من دائرة التطرف ظاهرة حقيقية اذ سمحت حتى نهاية تشرين الاول/اكتوبر 2016، بالابلاغ عن 12 الف حالة عبر رقم هاتفي مجاني واجهزة الامن. وتتابع جمعية اكثر من 2200 شخص. وفي السجون، قررت الحكومة انشاء "أقسام خاصة بالسجناء العنيفين" لعزل الاشخاص الاكثر تطرفا الى جانب ستة "أقسام لتقييم درجة التطرف".

وانتقدت عضو مجلس الشيوخ المدافعة عن البيئة ايستير بانباسا وهي احد مقرري لجنة تقصي الحقائق، "التسرع" في إعداد برامج إنهاء التطرف. وبانباسا تنتقد باستمرار سياسة تجميع المعتقلين المتطرفين. ودانت خصوصا "تجارة إنهاء التطرف". وقالت "على الرغم من حسن نواياها، اهتمت جمعيات عديدة تريد الحصول على تمويل حكومي الى قطاع نزع التطرف دون ان تكون لديها خبرة حقيقية في المجال". بحسب فرانس برس.

ودعت السلطات الحكومية الى "تغيير مفهومها" لعلاج هذه المشكلة بدون ان تنفي درجة تعقيدها. وقالت ان "اي حكومة كانت سترتكب الخطأ نفسه بسبب نقص الخبرة وضيق الوقت"، داعية الى "التفكير في انهاء تجنيد المتطرفين عبر اعادتهم الى المجتمع واستيعابهم ومتابعة كل فرد على حدة".

دمج أبناء الجهاديين

على صعيد تحاول الحكومة الفرنسية "نزع فتيل" أطفال مقاتلي تنظيم داعش الذين صاروا يلقبون بـ"القنبلة الموقوتة". رئيس الحكومة، برنار كازنوف، أعلن عن مخطط لإعادة إدماج هؤلاء الأطفال بعد عودتهم إلى فرنسا. وهناك أكثر من 450 طفل ولدوا من آباء فرنسيين، يوجدون في مناطق يسيطر عليها تنظيم داعش في العراق وسوريا. هؤلاء، ينضوي آباؤهم، وتقدرهم وزارة الداخلية الفرنسية بـ 750 مقاتل، تحت لواء التنظيم الإرهابي. الأطفال حسب أجهزة مكافحة الإرهاب الفرنسية معرضون للتربية على قيم التطرف، ولأن يتحولوا إلى "أسلحة" تستخدم في تنفيذ عمليات إرهابية في حال عودتهم إلى فرنسا. و لهذا الغرض أطلقت الحكومة الفرنسية، الخميس 23 مارس/آذار، مشروعا تشرف عليه عدة وزارات من ضمنها وزارة الأسرة والطفولة ووزارة الداخلية ووزارة التعليم يطمح إلى إعادة إدماجهم في المجتمع الفرنسي عند رجوعهم.

وأكد رئيس الحكومة برنار كازنوف أن المخطط المشروع يهدف إلى حماية هؤلاء الأطفال ومساعدتهم على الاندماج مجددا في الحياة المدنية، والتخلص من براثن ذكريات أجواء الحرب. أطفال الجهاديين الذين يوصفون بـ "القنبلة الموقوتة" في الإعلام الفرنسي، عرضة لكل التأثيرات النفسية ولتكوين إيديولوجي متشدد يلقنونه في أوساط مدارس تنظيم داعش الدعائية خاصة في مدن الموصل (العراق) والرقة (سوريا) التي تشهد تركز غالبية المقاتلين الفرنسيين، حسب أجهزة مكافحة الإرهاب الفرنسية.

ويريد التنظيم الإرهابي أن يصير أطفال محاربيه النواة الصلبة لمقاتليه المستقبليين. لهذا فإن غالبيتهم تلقوا منذ نعومة أظافرهم تكوينا على استعمال الأسلحة الرشاشة، والقنابل، خاصة المراهقين منهم، وهو ما تظهره العديد من الفيديوهات الدعائية التي ينشرها التنظيم وتطلق عليهم فيها تسمية ـ "أشبال الخلافة".

وتقول الحكومة الفرنسية إن القاصرين المتواجدين في العراق وسوريا تختلف حالتهم من واحد إلى آخر. فمن هؤلاء القاصرين من انتقلوا مع أسرهم إلى مناطق النزاع، بينما كان آخرون، ثمرة زيجات المقاتلين في كل من سوريا والعراق، وجلهم وما يزالون جاهلين بكل ما يدور حواليهم لحداثة سنهم. كما يوجد في أوساط القاصرين الذين يشاركون في عمليات تنظيم داعش مراهقون فرنسيون أغوتهم فكرة الالتحاق بصفوف التنظيم وفروا من بيوت عائلاتهم إلى أرض الجهاد، ومن ضمن هؤلاء قاصرون ليس لأسرهم أصول عربية أو مسلمة، لكنهم كانوا ضحية دعاية جهادية.

وتباين خلفيات القاصرين سيدفع الحكومة الفرنسية إلى اتخاد مقاربات مختلفة في التعامل مع ملفاتهم. وذلك وفق سنهم، وتورطهم من عدمه في عمليات التنظيم، مع الأخذ بعين الاعتبار لحالتهم النفسية. وحسب بيان لرئاسة الحكومة نشر عقب اجتماع للوزارات المشاركة في المخطط في قصر ماتنيون بباريس فإن ملف كل قاصر سيدرس على حدة. وكل حالة ستدرس على حدة من طرف المصالح المعنية والقضاء. وهذه الأخيرة هي التي ستقرر إن كانت هناك متابعات قانونية تستلزم اللجوء إلى قضاء الأحداث لإطلاق كل الإجراءات الكفيلة بالحماية. وفي هذا الإطار ستكون مجالس الجهات (...) في الصف الأول لمرافقتهم. وسيشرف المحافظون في كل المناطق، على التنسيق بين المصالح المختلفة. بحسب فرانس برس.

كما أن الأطفال الذين يعانون من مشاكل نفسية، سيحصلون على دعم نفسي، من طرف مساعدين مختصين، سيتم تكوينهم خصيصا، للتعامل مع هذا الإشكال، وطبيعة المشاكل النفسية للأطفال الذين عاشوا في منطقة نزاع. وهذه المقاربة طبقت مع العديد من الأطفال الذين عادوا إلى فرنسا في السنوات الأخيرة، وأبدت نتائج إيجابية أولية، وينتظر أن تعمم التجربة على جميع القاصرين من خلال المخطط الجديد الذي يضع إطارا قانونيا واضحا للتعامل مع هؤلاء. وكانت عائلات الكثير من المقاتلين تطالب بحماية حقوق القاصرين الذين أقحموا في وضع إنساني هش يتجاوزهم. والمشروع الذي أعلن عنه، تم التحضير له بمبادرة من رئيس الحكومة برنار كازنوف، مباشرة بعد أن عين رئيسا للحكومة الفرنسية من طرف الرئيس فرانسوا هولاند خلفا لمانويل فالس.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0