ليبيا التي تعيش في ازمة حقيقية فوضى كبيرة منذ سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011، بسبب تواصل الصراع بين المكونات السياسية والتدخلات الخارجية، دخلت اليوم في أزمة جديدة

يتمثل في إدارة ملف النفط ليضيف إلى الأزمة الليبية بعدا جديدا للانقسام الذي تعانيه منذ سنوات. حيث تتصارع اليوم وكمانقلت بعض المصادر العديد من الجهات المسلحة لاجل الاستيلاء على منطقة الهلال النفطي في شرق ليبيا وهو ما يهدد الإنتاج من الموانئ النفطية التي سيطر عليها الجيش الوطني الليبي في سبتمبر أيلول. وقال مسؤول كبير بالمؤسسة الوطنية للنفط إن إنتاج الخام انخفض بحوالي 35 ألف برميل يوميا بسبب الاضطرابات ليصل إنتاج البلاد إلى ما يزيد قليلا على 660 ألف برميل يوميا. وكانت ليبيا العضو بمنظمة البلدان المصدرة للنفط أوبك تنتج أكثر من 1.6 مليون برميل يوميا قبل انتفاضة 2011 التي أدت إلى اضطرابات سياسية وصراع قلص الإنتاج بشكل حاد.

وتأتي هذه الأوضاع المتدهورة بحسب بعض المصادر في سياق إقليمي متوتر، خاصة ما يحدث في مصر وتونس، مع تصاعد خطر تهديد تنظيم داعش الارهابي والجريمة المنظمة عبر الحدود، وهو ما دفع السلطات في كل من مصر و تونس والجزائر لاتخاذ خطط جديدة، لمواجهة تهديدات الجماعات المسلحة التي وجدت في عدم الاستقرار الأمني ووفرة السلاح المنتشر عقب الثورة الليبية أداة لتحقيق أهدافها.

نقل المعركة

في الساعات المبكرة من الصباح شقت مجموعات صغيرة من الشاحنات الخفيفة المسلحة الصحراء متجهة نحو بعض من أكبر موانئ تصدير النفط الليبية. كانت محاولة سابقة من سرايا الدفاع عن بنغازي للسيطرة على الموانئ قد باءت بالفشل. لكن الهجوم الذي وقع مؤخرا أخذ ما يعرف باسم الجيش الوطني الليبي، وهي قوات متمركزة في شرق البلاد، على حين غرة.

وقوض انسحاب قوات الجيش الوطني الليبي من ميناءي السدر ورأس لانوف مزاعمه بالتفوق العسكري وقلص احتمالات توسيع سلطات قائده خليفة حفتر. كما يفتح الهجوم جبهة جديدة بين الفصائل التي تتقاتل بين الحين والآخر من أجل النفوذ في ليبيا منذ عام 2014 وهو ما ألقى بمزيد من الشك حول الجهود الرامية لتوحيد البلاد وزيادة إنتاجها النفطي. وأُعفيت ليبيا من اتفاق لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) مؤخرا للحد من الإمدادات العالمية وزادت إنتاجها لأكثر من مثليه في الأشهر الماضية ليصل إلى نحو 700 ألف برميل يوميا.

ويقول الجيش الوطني الليبي إنه يحشد لشن هجوم مضاد يشرف عليه حفتر شخصيا ضد سرايا الدفاع عن بنغازي وهو أحدث جماعة مسلحة تنافس للسيطرة على الموانئ التي من المفترض أن يخرج منها أكثر من نصف صادرات ليبيا النفطية. وتقول سرايا الدفاع عن بنغازي إنها تسعى لفتح طريق نحو مدينة بنغازي التي طرد منها الكثير من أعضائها في وجه تقدم الجيش الوطني الليبي ضد إسلاميين ومنافسين آخرين على مدى العامين الماضيين.

وتقول أيضا إنها تحارب من أجل أسر حوصرت أو شردت بسبب الحملة العسكرية التي شنها الجيش الوطني الليبي ولإنقاذ ليبيا من عودة الديكتاتورية وحماية الثورة التي أطاحت بمعمر القذافي في 2011. وقال مصطفى الشركسي القائد بسرايا الدفاع عن بنغازي للصحفيين إن هدفهم الرئيسي هو استعادة المدينة وأضاف أنهم يرفضون ما وصفه بالظلم والحكم العسكري. وأضاف أنهم عندما تظاهروا ضد القذافي أرادوا الحرية وبناء مؤسسات شرعية وأرادوا قادة يحكمون البلاد كما يفعل قادة الدول المتقدمة.

وعزز حفتر، وهو حليف سابق للقذافي يصور نفسه على أنه الرجل القادر على إنقاذ ليبيا من فوضى حكم الجماعات المسلحة، موقفه بقوة في سبتمبر أيلول عندما سيطر على السدر ورأس لانوف إضافة إلى البريقة والزويتينة وهما ميناءان آخران على الشريط الساحلي جنوب غربي بنغازي المعروف بالهلال النفطي. ودون الحصول على المساندة القبلية تمكن حفتر من طرد إبراهيم الجضران القائد في حرس المنشآت النفطية الليبية الذي فقد شعبيته بسبب طلبه أموالا مقابل إنهاء إغلاق ميناء.

وبعد السيطرة على الموانئ سارع حفتر إلى دعوة المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس لإعادة فتح الموانئ وارتفع الإنتاج النفطي ليصل إلى نحو 600 ألف برميل يوميا. وقالت سرايا الدفاع عن بنغازي أيضا إنها ستسمح للمؤسسة الوطنية للنفط بالعمل بحرية ووجهت دعوة لقائد بحرس المنشآت النفطية عينته حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس. وبسبب تعرض السدر ورأس لانوف لأضرار جسيمة في موجات قتال سابقة فهما يعملان بمستويات أقل كثيرا من البريقة والزويتينة مما جعل تأثير المعارك المبدئي على الإنتاج محدودا.

وقال مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة الوطنية للنفط إن الإنتاج الإجمالي بلغ نحو 620 ألف برميل يوميا. لكن تقدم سرايا الدفاع عن بنغازي وضع النفط مجددا في قلب الصراع وربما تتعطل خطط المؤسسة الوطنية للنفط الطموحة لإنعاش الإنتاج. وقالت المؤسسة من قبل إنها تأمل في رفع الإنتاج إلى أكثر من مليون برميل يوميا خلال أشهر تمهيدا لإعادته لمستوياته قبل بدء الصراع الليبي وهو 1.6 مليون برميل يوميا.

وقال جون هاملتون المدير لدى (كروس بوردر إنفورميشن) والخبير في قطاع الطاقة الليبي إن الأمر يتطلب الآن "عملا مضنيا" من المؤسسة الوطنية للنفط للحفاظ على مثل ذلك الهدف. وأضاف "ما يوضحه ذلك هو أن حفتر غير قادر على تأمين الموانئ... كيف يمكن لأي ملاك سفن أو شركات تأمين أو شركات نفط أن تثق في إرسال ناقلاتها لتحميل الخام حتى إذا استعاد حفتر السيطرة عليها؟"

وبعدما سيطر على الموانئ قبل بضعة أشهر، صد الجيش الوطني الليبي عدة محاولات لشن هجمات مضادة مستعينا بالضربات الجوية ونفذ ما وصفها بضربات استباقية ضد حشود لسرايا الدفاع عن بنغازي في منطقة الجفرة الصحراوية بوسط البلاد. وقال حراس موالون للجيش الوطني الليبي إن الموانئ مؤمنة جيدا بما يسمح بعودة العمال الأجانب.

لكن عندما تقدمت سرايا الدفاع عن بنغازي مرة أخرى اخترقت دفاعات الجيش الوطني الليبي سريعا. وانسحبت قواته البرية باتجاه البريقة التي تبعد نحو 115 كيلومترا شرقي رأس لانوف وذكرت مصادر طبية أنها فقدت أكثر من 30 رجلا. وينفذ الجيش الوطني الليبي ضربات جوية يوميا منذ ذلك الحين غير أن تأثيرها ليس واضحا. وقال الشركسي إن سرايا الدفاع عن بنغازي تمتلك أسلحة دفاع جوي وزعم أن الطيارين التابعين للجيش الوطني الليبي خائفون ولذلك يحلقون على ارتفاعات عالية.

وقال فوزي بوكتف الذي كان قائدا بالفصائل المسلحة في بنغازي في 2011 وهو على اتصال بسرايا الدفاع عن بنغازي إن تأييد القبائل لحفتر، وهو غير مؤكد في مناطق من الشرق، تآكل في منطقة الهلال النفطي وإنه جرى شراء ذمم من وصفهم بمرتزقة من جنوبي ليبيا ودول أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى والذين كانوا يعملون لصالح الجيش الوطني الليبي. وأضاف أنه تم دفع أموال لبعضهم لمغادرة المنطقة بينما تم دفع أموال لآخرين للقتال لصالح الطرف الآخر.

وقال أنس القماطي رئيس معهد صادق وهو مؤسسة بحثية ليبية إن سرايا الدفاع عن بنغازي، التي يصف الجيش الوطني الليبي مقاتليها بأنهم متشددون مرتبطون بتنظيم القاعدة، تتمتع في الواقع بقاعدة تأييد واسعة. وهم يتحركون بدافع الرغبة في إعادة آلاف الأسر المشردة إلى بنغازي ومساعدة من تقطعت بهم السبل في حصار طويل بمنطقة قنفودة في بنغازي وكذلك بسبب الضربات الجوية التي شنها الجيش الوطني الليبي في الآونة الأخيرة في الصحراء.

وأضاف القماطي أن من المؤكد أن الهجمات التي وقعت على الجفرة حفزت الدعم لسرايا الدفاع عن بنغازي وأثارت دعوات للاحتشاد ضد حفتر. ويأتي بعض الدعم الذي تتمتع به سرايا الدفاع عن بنغازي من مصراتة المدينة الساحلية الغربية التي كانت مصدرا للمعارضة العسكرية لحفتر والتي يعيش فيها كثير من الأسر التي نزحت من بنغازي. ويقول محللون إنه برغم أن المعتدلين في مصراتة يؤيدون حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها الأمم المتحدة في طرابلس ومنفتحون على إبرام اتفاق مع حفتر فإن القتال في منطقة الهلال النفطي يهدد بتعزيز مواقف المتشددين على الجانبين. بحسب رويترز.

وتجاهل حفتر جهود إحياء عملية السلام التي ترعاها الأمم المتحدة وفي الوقت نفسه اتهم عناصر داخل حكومة الوفاق الوطني بدعم سرايا الدفاع عن بنغازي. وصوتت مجموعة تضم نحو 40 عضوا مؤيدا لحفتر في البرلمان المتمركز في شرق ليبيا لصالح إلغاء التأييد لقيادة حكومة الوفاق الوطني والانسحاب من الحوار الذي تتوسط فيه الأمم المتحدة. وقال القماطي إن من المستبعد بدرجة كبيرة التوصل إلى اتفاق في ضوء الوضع الحالي.

هجوم مضاد

الى جانب ذلك قال مسؤولون عسكريون إن قوات شرق ليبيا نفذت غارات جوية وقالت إنها تحشد قواتها البرية في إطار محاولتها لاستعادة اثنين من أكبر موانئ النفط في البلاد. ويهدد التصعيد بوقف زيادة شهدها إنتاج النفط الليبي في الآونة الأخيرة وبإشعال الصراع بين الفصائل العسكرية المتمركزة في شرق وغرب ليبيا التي تخوض قتالا متقطعا منذ ثلاث سنوات.

وذكر المتحدث العسكري أكرم بوحليقة أن قوات الجيش الوطني الليبي تتمركز حاليا في العقيلة التي تبعد نحو 70 كيلومترا جنوب شرقي راس لانوف. وقال إن الطائرات الحربية التابعة للجيش الوطني الليبي شنت غارات قرب راس لانوف والسدر. وكان الجيش الوطني الليبي سيطر على موانئ السدر وراس لانوف والبريقة والزويتينة في سبتمبر أيلول مما مكن المؤسسة الوطنية للنفط من إنهاء حصار طويل في المنطقة وزيادة الإنتاج الوطني لأكثر من المثلين.

وتقع العقيلة على بعد نحو 40 كيلومترا جنوب غربي البريقة ونحو 120 كيلومترا جنوب غربي الزويتينة وكلاهما واقع تحت سيطرة الجيش الوطني الليبي. وحث المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي أحمد المسماري السكان في المنطقة على الحد من تحركاتهم وناشد القوات التي طردت تنظيم الدولة الإسلامية من سرت التي تبعد نحو 180 كيلومترا تقريبا إلى الشرق من السدر أن تبقى في نطاق المدينة الساحلية لتجنب تعرضها لغارات جوية.

وقال في بيان "حشد جوي وبري كبير جدا للقوات المسلحة العربية الليبية لدحر العصابات الإرهابية في منطقة الهلال النفطي." وذكر مسؤول طبي في بلدة أجدابيا القريبة أن 18 من أفراد قوات الجيش الوطني الليبي قتلوا وأصيب 15 منذ بدء الاشتباكات في فبراير شباط. وبلغ إنتاج ليبيا النفطي نحو 700 ألف برميل يوميا في الأسابيع الأخيرة وهو ما يزيد على مثلي إنتاج الدولة العضو في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) العام الماضي لكن لا يزال أقل كثيرا من مستوى إنتاجها قبل انتفاضة 2011 وهو 1.6 مليون برميل يوميا.

وتعرض ميناءا السدر وراس لانوف لأضرار شديدة في جولات سابقة من القتال ويعملان بأقل كثيرا من طاقتهما. بحسب رويترز.

وتتألف كتائب دفاع بنغازي في جانب منها من مقاتلين فروا من بنغازي مع تحقيق الجيش الوطني الليبي تقدما هناك في إطار حملة يشنها منذ ثلاث سنوات للإطاحة بإسلاميين وخصوم آخرين من المدينة. ويقولون إنهم يحاولون العودة إلى بنغازي على بعد 130 كيلومترا إلى الشمال من الزويتينة.

الغويل في طرابلس

الى جانب ذلك وفي مجموعة من الوحدات السكنية الفاخرة التي نجت من المعارك في العاصمة الليبية طرابلس دون خدش تقريبا أقام شخص أعلن نفسه مدافعا عن الثورة الليبية قاعدة ليكون واحدا من ثلاثة مطالبين برئاسة حكومة البلاد. ويتمركز عدد من الحراس وسيارتان من طراز الدفع الرباعي عند مجمع خليفة الغويل بينما يسيطر أنصاره على الطرق المحيطة بنقاط تفتيش ودوريات.

ولا يعتبر كثيرون الغويل منافسا حقيقيا على السلطة. لكن في الأسابيع الأخيرة عزز رئيس الوزراء السابق وجوده في قاعدته على بعد أربعة كيلومترات من قلب العاصمة في تحد صارخ يهدف إلى تقويض الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة التي كان من المفترض أن تقود ليبيا نحو السلام. وبعد ستة أعوام من انتفاضة دعمها حلف شمال الأطلسي أطاحت بمعمر القذافي الذي حكم البلاد 40 عاما أدى ظهور الغويل مرة أخرى وقدرته على حشد دعم مسلح قوي إلى وضع العاصمة في حالة تأهب وتسبب في معارك عنيفة بشكل غير معتاد.

وكشفت هذه المعارك عن انقسامات عميقة في ليبيا وكيف لم تكتسب الجهود الغربية لتحقيق الاستقرار في ليبيا زخما يذكر. ولا تزال ليبيا مرادفا للفوضى. وفي العاصمة لم يكتمل تشكيل حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها الأمم المتحدة برئاسة رئيس الوزراء فائز السراج وأصبحت غير قادرة بشكل كبير على توفير الخدمات للمواطنين اليائسين أو بسط سلطتها حتى على أعتاب بابها فيما يكافح جيران ليبيا والدول الغربية لإنقاذ خطتهم.

وفي شرق البلاد يطالب رئيس وزراء آخر بالسلطة من مدينة البيضاء بدعم من برلمان يتخذ من طبرق مقرا له قرب الحدود مع مصر. ونالت هذه الحكومة اعترافا دوليا لكنها باتت غير فاعلة إلى حد كبير. وشكلت هذه الحكومة تحالفا مع القائد العسكري خليفة حفتر المناهض للإسلاميين والذي يتخذ من مدينة المرج مقرا له والذي تحارب قواته منذ فترة طويلة للسيطرة على مدينة بنغازي القريبة. ويرشح حفتر حكاما محليين عسكريين ويهدد بمهاجمة طرابلس وقد زاده الدعم من مصر والإمارات وروسيا جرأة. وتسيطر قوات حفتر على معظم نفط ليبيا وتتعاون مع المؤسسة الوطنية للنفط ومقرها طرابلس رغم محاولات سابقة من فصائل في الشرق لبيع النفط بشكل مستقل.

ولم تلتئم الخلافات التي تحولت إلى صراع في مختلف أنحاء ليبيا عام 2014. وجرى تعيين الغويل نفسه من قبل تحالف مقاتلين سابقين يميل للإسلاميين وانتزع السيطرة على طرابلس في ذلك العام من الجماعات المتحالفة مع حفتر. لكن تحالفهم انهار الأمر الذي عقد المشهد السياسي الفوضوي بالفعل. ومنذ تعثر حكومة الوفاق الوطني يحاول الغويل إعادة بناء موقفه بدعم من مسقط رأسه مصراتة.

وتساءل الغويل في مقابلة في مكتب داخل المجمع الذي بناه القذافي "ما الذي أنجزته هذه الحكومة خلال هذا العام؟" وقال "للأسف المجتمع الدولي يرى كل نتائج دعمهم. نشكرهم على عملهم لكن النتيجة سلبية جداً وإذا ما أصروا على ذلك... فلن يتغير شيء." وفي مثال على الطبيعة المربكة للمشهد السياسي في البلاد بعد الانتفاضة يقول الغويل إنه الآن على اتصال مع الحكومة المتمركزة في الشرق المتحالفة مع حفتر في محاولة لإبرام اتفاق فيما يتعلق بقادة حكومة الوفاق الوطني التي يعارضها الجانبان.

لكنه يقول إنه إذا حاول حفتر السيطرة على السلطة في العاصمة فستتم مواجهته بالسلاح وقال "نحن جاهزون لذلك". وقبل عام حاول الغويل دون جدوى منع قيادة حكومة الوفاق الوطني من الوصول إلى طرابلس فقد أغلق المجال الجوي فوق طرابلس لكن السراج استطاع مراوغة ذلك عندما وصل البلاد من تونس في سفينة في أواخر مارس آذار الماضي. ووصل في قاعدة بحرية لا تزال مقرا له.

ويتهم الغويل حكومة الوفاق الوطني بمحاولة فرض نفسها دون دعم شعبي مما أثار مستويات أخرى من الارتباك في المؤسسة وتسبب في تدهور مطرد في مستويات المعيشة. وفي أكتوبر تشرين الأول انتقل الوفد المرافق للغويل إلى المجمع السكني ومبنى للبرلمان حيث تعقد هيئة مؤيدة لحكومة الوفاق جلساتها. وفي يناير كانون الثاني أعلن أنه استعاد عددا من الوزارات. ويقول الآن إن لديه سلطة على نحو ست من الوزارات بينها الدفاع والعدل ونحو 50 في المئة من وزارة الداخلية. وتنفي حكومة الوفاق الوطني هذه المزاعم وتقول إن الغويل يظهر على فترات متقطعة في مبان رسمية غير مأهولة.

لكن نطاق سيطرة حكومة الوفاق الوطني واضح للعيان. وكان من المفترض أن يوحد مجلسها الرئاسي المؤلف من تسعة زعماء التيارات السياسية الليبية ومناطقها في الشرق والغرب والجنوب لكنه كثيرا ما كان يزيد الخلافات. وقاطع عضوان لهما صلات بحفتر وحلفائه المجلس بشكل كامل تقريبا بينما اشتبك آخرون بشكل متكرر وخرجوا بتصريحات متضاربة وعينوا أفرادا من جانب واحد فيما يبدو وكانوا يعلنون ذلك في كثير من الأحيان في وقت متأخر من الليل.

وفجر غياب السراج المتكرر عن الاجتماعات والقمم الدولية انتقادات بأن حكومته تعتمد على الدعم الأجنبي وغير موجودة بالكاد على الأرض. وروجت قوى غربية بقوة لحكومة الوفاق الوطني باعتبارها شريكا وحاول المجلس الرئاسي تدريجيا تشغيل وزرائها. لكن من دون دعم برلمان الشرق - وهو تحرك مهم في المعاهدة السياسية التي تدعمها الأمم المتحدة - فقد وجدوا أنفسهم في فراغ قانوني.

ونسب السراج إلى نفسه الفضل في الانتصار على تنظيم الدولة الإسلامية في معقله السابق بمدينة سرت وفي زيادة إنتاج النفط لكن الإنجازين تحققا بفضل قوات تقع بشكل كبير خارج سيطرته. وأقنع المجتمع الدولي البنك المركزي بإصدار تمويل لحكومة الوفاق التي وجدت صعوبة في العمل. ولا تصل سوى موارد محدودة حتى للوزراء فالوزيرة إيمان بن يونس المسؤولة عن بناء وإصلاح مؤسسات الدولة لديها ثلاثة موظفين فقط كلهم متطوعون في مكتبها بمبنى رئاسة الوزراء.

وقال عثمان القاجيجي الذي استقال من منصبه كرئيس للجنة المركزية لانتخابات المجالس البلدية لأن موظفيه لم يتقاضوا أجورهم منذ عامين إن رؤساء البلديات الذين دعموا حكومة الوفاق الوطني ضاقوا ذرعا. وقال إنهم يفقدون الثقة وإن بعضهم أبلغه أنهم سيسحبون دعمهم. ويقول أحمد معيتيق وهو نائب لرئيس الوزراء إن المجلس الرئاسي لديه قوة إنفاق إلى حد ما بعد أن أفرج البنك المركزي في الآونة الأخيرة عن أموال الموازنة. وقال إنه لا يشعر بالقلق من الغويل الذي لا تتجاوز تعليماته سكرتيره الخاص على حد قوله.

وذكر أن دور حكومة الوفاق هو الحفاظ على السلام بين الليبيين وأن فصائل المقاتلين السابقين التي تقسم العاصمة - ويملك بعضها صفة شبه رسمية - ستحصل على فرص اقتصادية وستعود إلى الحياة المدنية. لكن التحاور مع الجماعات المسلحة ليس سهلا. فأفراد الفصائل يخطفون المدنيين طلبا للفدية ويجبرون البنوك على الدفع لهم نقدا ويسرقون الكهرباء لينقذوا الأحياء التي يعيشون فيها من انقطاعها. بحسب رويترز.

وفي معارك خلال الآونة الأخيرة انقسمت الفصائل المسلحة إلى جماعات تؤيد حكومة الوفاق وأخرى تعارضها. وحصل الجانب المناهض لحكومة الوفاق على تعزيزات في الفترة الأخيرة بفضل قافلة من المركبات العسكرية التي وصلت العاصمة من مصراتة الأمر الذي فجر اشتباكات جديدة. وألقيت على هذه الفصائل مسؤولية إطلاق النار على موكب السراج أثناء مروره قرب مجمع الغويل.

خارطة طريق

في السياق ذاته قالت مصر إن فصائل ليبية وافقت على خارطة طريق برعايتها لإنهاء الانقسامات لكن الإخفاق في ترتيب اجتماع بين شخصيتين رئيسيتين ألقى بظلال من الشك على المساعي الدبلوماسية. ويأتي الاتفاق بعد جهود دبلوماسية بذلتها مصر على مدى شهور تكللت بزيارة لفائز السراج رئيس الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس وخليفة حفتر القائد العسكري الذي يحظى بدعم فصائل شرق ليبيا.

والتقى الرجلان مع مسؤولين عسكريين مصريين كبار كل على حدة وكان مقررا أن يلتقيا في جلسة لكن لم يجتمعا بسبب خلافات في اللحظات الأخيرة. لكن ثلاثة مصادر مصرية شاركت في المحادثات قالت إن السراج وحفتر وافقا على الالتزام بخطة لتشكيل لجنة مشتركة للتفاوض على المصالحة وإجراء انتخابات بحلول فبراير شباط 2018 على الرغم من التوترات. وقال أحد المصادر ‭‭‭‭‭‭"‬‬‬‬‬‬لقد اتفق الجانبان. لدي شكوك بشأن التنفيذ لأن الأجواء بينهما... متوترة لكن نأمل أن يحدث العكس."

وقال السراج في بيان إنه تم إبلاغه برفض حفتر الاجتماع معه "دون إبداء لأية مبررات". وأضاف قائلا عن اللقاء الذي لم يتم "كنا نتمنى أن تكون مدخلا لحل ينهي حالة الانقسام ويرفع المعاناة عن الوطن والشعب اللذين دفعا طيلة السنوات الماضية ثمن المزايدات والمواقف السياسية المتعنتة." ومضى قائلا "رغم الفشل في الخروج من الانسداد الحالي وانعدام التوافق على مقترحات الحل بسبب فشل عقد هذا اللقاء فإننا نؤكد بأننا ماضون قدما في مساعينا للوفاق وإنهاء الأزمة."

ومع خشيتها من تسلل عناصر من تنظيم داعش المتشدد من جارتها الليبية إلى أراضيها جعلت مصر تحقيق الاستقرار في ليبيا أولوية واستضافت لقاءات عديدة في الشهور القليلة الماضية جمعت بين سياسيين ليبيين من شرق وغرب البلاد. ويتشكل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني في طرابلس من تسعة أعضاء يمثلون مناطق جغرافية مختلفة وفصائل سياسية متنوعة داخل ليبيا.

لكن المجلس المدعوم من الأمم المتحدة يشهد انقساما شديدا في ظل مقاطعة اثنين من أعضائه لأغلب أعماله وصدور بيانات متضاربة من باقي الأعضاء بشكل مستمر. وحفتر هو قائد فصائل شرق ليبيا لكن لديه طموحات وطنية وحارب يوما ما إلى جانب معمر القذافي. ويتحاشى حفتر حكومة الوفاق الوطني لكنه يتمتع بعلاقات وثيقة مع مصر التي تدعم نهجه الصارم في التعامل مع تنظيم داعش وجماعات متشددة أخرى.

ووفقا لبيان أصدرته القوات المسلحة المصرية وافق السراج وحفتر وعقيلة صالح رئيس البرلمان الذي مقره شرق ليبيا على تشكيل لجنة معنية بالتوصل إلى توافق على تعديلات لاتفاق سياسي لتقاسم السلطة. وستضم اللجنة 15 عضوا بحد أقصى من المجلس الأعلى للدولة وهو مجلس استشاري متحالف مع حكومة الوفاق الوطني ومقره طرابلس و15 عضوا بحد أقصى من برلمان شرق ليبيا.

وتوصي خارطة الطريق بأن أي اتفاق لتقاسم السلطة سيجري تضمينه في الإعلان الدستوري على أن يعقب ذلك انتخابات رئاسية وبرلمانية في موعد أقصاه فبراير شباط 2018. وبموجب خارطة الطريق سيحتفظ السراج وحفتر وصالح بمناصبهم لحين إجراء الانتخابات. وسترعى مصر المحادثات لكن ليس واضحا إلى أي مدى سينجح المصريون في ظل شكوك عميقة بين الأطراف الليبية.

وأكد طارق الجروشي عضو برلمان شرق ليبيا الذي كان موجودا في القاهرة التوصل للاتفاق لكن تصريحاته تشير إلى ضعف ثقته. وقال "يجب علي السراج العودة لشرعية مجلس النواب إذا كان فعلا يبحث عن حكومة وفاق تضمن حقوق جميع الليبيين دون استثناء." وبدأت ليبيا بالانزلاق إلى الفوضى وصراعات بين الفصائل بعد انتفاضة 2011 التي دعمها حلف شمال الأطلسي وأطاحت في نهاية المطاف بالقذافي.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2