أن مظاهر أي أزمة إقتصادية، يمكن تشفي ملامحها ونتائجها من خلال الاطلاع على الموازنة العامة للدولة، فالأرقام التي ترد فيها تعبر وبشكل واضح عن ما اذا كان الاقتصاد يعاني من تدهور في الوضع الاقتصادي، من خلال معرفة اذا ماكانت الموازنة انكماشية او توسعية، تعاني من عجز او من فائض، واذا ماكانت تعاني من عجز فهل هو عجز مؤقت قصير الأمد مسيطر عليه، او عجز طويل الأمد وهيكلي.

وموازنة العراق للعام 2017 والبالغة 100 تريليون دينار اي مايقارب 95 مليار دولار، وبعجز مخطط قدره 21 تريليون دينار اي مايقارب 19 مليار دولار، ويتوقع ان يصل العجز الى اكثر من ذلك.

ولسنا بصدد مناقشة وضع الموازنة لهذا العام، بقدر مايهمنا هو معرفة الآليات التي يمكن خلالها تقليل هذا العجز، ويعلم الكثير ان الحكومة قد سعت ضمن الفترة القليلة الماضية لادراك ذلك، لاسيما بعد انخفاض اسعار النفط عالمياً، وعبر ايجاد بدائل لايرادات النفط، من خلال تنويع مصادر الايرادات، والتي معظمها كان يلبي الطموح او يسد شيئاً من العجز، مما أضطرها للاستدانة من الخارج.

ولكم ماقد يتبادر للذهن، هو أين دور البنك المركزي العراقي من ذلك؟ فصمام أمان الاقتصاد وصانع السياسة النقدية في البلد، لم يظهر له ذلك الدور الفاعل الذي من المفروض من خلاله أن يساهم في تخفيف حدة العجز التي يعاني منها الاقتصاد العراقي.

ويعترض الدكتور سنان الشبيبي محافظ البنك المركزي العراقي السابق على فكرة اللجوء إلى الاقتراض الخارجي ،لأن ذلك سيزيد من حدة أزمة الديون في العراق، كما انه من المستبعد ان يتمكن العراق من استقطاب موارد مالية خارجية كبيرة وهو في حالة حرب ويعيش حالة من عدم الاستقرار.

ولاشك ان الاقتصاد الذي يملك فوائض كثيرة داخلية أو خارجية يملك مرونة كبيرة لمعالجة الأزمات، وتستطيع الحكومة ان تستخدم الفوائض الداخلية عن طريق الاقتراض منها ، إلا أنها لا تستطيع ان تقترض من البنك المركزي ،لأن لاحتياطيه غرض محدد هو حماية العملة، وهذا الاحتياطي لايستخدم إلا اذا توقف الاقتصاد عن توليد الموارد المالية، أي انه يعتمد على الاستيرادات أساسا.

إن الدعوة لاستخدام الاحتياطي تتصور ان الاحتياطي هو نوع من الادخار، وهذا الأمر ليس صحيحا ، فالاحتياطي رصيد والادخار هو تدفق مالي، ومع ان البنك المركزي لايقرض الحكومة، لكنه يمكن ان يدير اقتراض الحكومة من المصارف التجارية عن طريق تنظيم إصدار حوالات الخزينة.

وحتى يكون للبنك المركزي العراقي دور في تفعيل السياسة النقدية والتأثير في السياسة العامة الاقتصادية، فلأبد من الخروج من مأزق الهيمنة المالية الريعية، فالبنك المركزي بات وضعه أشبه بالصراف الذي مهمته هي تحويل الايرادات المتأتية من النفط من الدولار الى الدينار، من أجل توفير التفقات العامة للدولة بالعملة المحلية.

وبما أن سعر الفائدة خائر القوى في العراق في ظل ضعف القطاع المصرفي وانفصامه عن التأثير في الاستثمار وتوجهات رجال الاعمال، فانه لم يبقى له الا أداة سعر الصرف التي من خلالها يمكن التأثير في باقي المتغيرات الاقتصادية.

ويرى الدكتور أحمد برهي علي نائب محافظ البنك المركزي العراقي سابقاً، ان عمليات البنك المركزي في سوق الصرف بأنها تحويل العملة الاجنبية من المصدر النفطي الى القطاع الخاص لتلبية طلبه بالكامل ولكافة الاغراض عند سعر الصرف المعلن، اما التأثير في عرض النقد لارتباطه الوثيق بالانفاق الحكومي ومشتريات القطاع الخاص من العملة الاجنبية.

اما فيما يتعلق بسوق الاوراق المفتوحة، والخاص بمشتريات ومبيعات الاسهم والسندات، فأن العراق مازال لايملك تلك السوق المالية التي من شأنها التأثير في الاقتصاد العراقي او في بعض المتغيرات النقدية والمالية.

وهنا قد يبدو ان البنك المركزي عاجز عن الاتيان بحلول او ان يكون له دور فاعل في حل الازمات او معالجتها او التأثير فيها، لاسيما في ظل غياب التنسيق فيما بين السياسة المالية والسياسة النقدية.

ومن أجل ان يكون البنك المركزي فاعل في النشاط الاقتصادي، وفي ادارة دفة السياسة النقدية وبشكل مستقل وشفاف، فأن الأمر يتطلب أكثر من مسألة الاستقلالية الورقية الشكل، اذ هناك حاجة ملحة لتدعيم القطاع المالي والمصرفي في البلد، كما أن مسألة تنويع الموارد الاقتصادية أصبحت ضرورية للغاية، وعبر منفذ القطاع الخاص وهذا ماسينعكس مستقبلاً في فاعلية البنك المركزي من خلاله تأثيره على قنوات الاستثمار وعبر بوابة سعر الفائدة وسعر الصرف.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1