ان معجزات الطبيعة نراها في كل مكان. عندما تحط الخنفساء على الارض، تطوي جناحيها بطريقة فنية محترفة تشبه الفنان الياباني، اوراق اللوتس تفرز ماءا طينيا يسيل كالزئبق، العنكبوت ينسج الشباك للإيقاع بفريسته، ولكنه بطريقة ما يتجنب الوقوع في الشرك ذاته. منذ فجر التاريخ، نظر الناس الى هذه الاشياء كأمثلة لحكمة الله، بل وحتى كدليل على وجوده.

ولكن قبل اكثر من 200 سنة، في الثاني عشر من شباط عام 1809، وُلد رجل سيتحدى كل ذلك. الكتاب الذي جسّد التحدي نُشر بعد نصف قرن من ذلك التاريخ، حيث في عام 1859 عرض ذلك الكتاب رؤية راديكالية جديدة عن العالم الحي، وكان اكثر راديكالية حول اصل الانسانية. الرجل هو تشارلس دارون. الكتاب هو "اصل الانواع". والتحدي كان نظرية التطور عبر الاختيار الطبيعي.

ومنذ ولادة دارون، تغير العالم الطبيعي كثيرا وبما يفوق التوقعات. لاحقا، كان عمر النظرية الحديثة للذرة ست سنوات، والارض كان يُعتقد عمرها فقط ستة الاف سنة(1). لم تكن هناك فكرة عن حجم الكون الى ما وراء مجرة التبانة، اما النشاط الاشعاعي والنسبية ونظرية الكوانتم لم يكن بالامكان تصورها. غير ان من بين جميع اكتشافات القرن التاسع عشر والعلوم في بداية القرن العشرين – الذرات اللامرئية، الفضاء اللامتناهي، عدم ثبات الزمن وعدم استقرار المادة – كان التطور هو الموضوع الوحيد الذي فشل في الحصول على قبول عام خارج الاوساط العلمية. القليل من عامة الناس يدّعون انهم لا يؤمنون بآينشتاين. ولكن هناك من يفتخر بعدم تصديق آراء دارون. وحتى منْ قبل بذلك الخط من التفكير فهو يواجه صعوبة اليوم تماما كما كان الأمر قبل 150 سنة.

أصل الأصل

ان فكرة التطور عبر الاختيار الطبيعي ليست صعبة الفهم. انها تتطلب فقط ربط الافتراضات غير المثيرة للجدل. هذه الفكرة هي ان الكائنات الحية تختلف عن بعضها البعض، حتى ضمن الانواع، وان التغيرات الجديدة يمكنها ان تبرز من وقت الى آخر، وهذه التغيرات تنتقل من الآباء الى الذرية، وان عدد الذين يولدون من الافراد هم اكثر مما يتسع له المكان المتاح (او الذين يمكن الإبقاء عليهم في ظل الموارد المتوفرة). نتيجة ذلك هي ما وصفه دارون بكتابه "الصراع لأجل البقاء". الأضعف سيخسر في هذا الصراع بينما الاصلح هو الذي سينجو. الناجون سينقلون سماتهم الى ذرياتهم. وبمرور وقت كاف، سيقود هذا الانتقال المتميز للخصائص الى تكوين انواع جديدة.

لم يكن دارون اول منْ اعترف بهذه الافكار المبسطة ولا هو اول من ربطها الى بعضها. المفكرون بدءاً من الفيلسوف اليوناني امبيدوكلس Empedocles الذي ولد عام 490 قبل الميلاد رأى ان الاختيار الطبيعي هو الذي يوضح سبب تكيّف الحيوانات مع بيئتها المحيطة. فكرة الصراع لأجل الوجود يمكن تعقّبها الى الثيولوجي المسلم الجاحظ الذي ولد في البصرة عام 776 ميلادي. والفكرة ذاتها وردت لاحقا في اعمال الفيلسوف توماس هوبز في القرن السابع عشر، وفي كتابات ايراسموس دارون Erasmus Darwin (جد دارون) الذي عاش في القرن الثامن عشر.

وفي بداية القرن التاسع عشر، كانت فكرة التطور في كل مكان. كان هناك قبولا متزايداً بان الانواع ليست مستقرة. علماء النبات يمكنهم رؤية ذلك في الانواع الهجينة. غير ان الشيء المفقود هو الآلية.

في بداية القرن التاسع عشر اعتقد العالم الطبيعي الفرنسي جين لامارك انه وجد تلك الآلية. هو اعترف بان الانواع كانت متغيرة واقترح بان السمات او الخصائص يمكن انتقالها بالوراثة. الخطأ الذي ارتكبه لامارك هو افتراضه بان الافراد فقدوا الخصائص التي لا يحتاجونها في الحياة وطوروا بدلا عنها ما يحتاجون من خصائص وان هذه التغيرات هي التي انتقلت الى ذرياتهم. الزرافة، مثلا، تكتسب رقبة طويلة لأنها مفيدة لتناول طعام لا تستطيع الزرافات الاخرى الوصول اليه. ذرية الزرافة سترث هذه السمة. انها فكرة جيدة، لكن لامارك كان خاطئا. الخصائص المكتسبة لا يمكن نقلها بهذه الطريقة.

وفي النهاية، جاء الجواب من الاقتصاد وليس من البايولوجي. في عام 1798 كتب توماس مالتس "مقالة في مبدأ السكان". يرى مالتس ان السكان الطبيعيين يتكاثرون بنسبة متسارعة او على شكل متوالية هندسية بينما الزيادة في الغذاء هي على شكل متوالية خطية، بمعنى آخر، الافراد المولودون يكون عددهم اكثر مما يمكن ان يبقى على قيد الحياة. اطروحة مالتس منحت شهرة للفكرة القديمة، ولكنها جاءت في وقت مناسب للبايولوجي. بعد قراءة مالتس، قام كل من دارون و عالم الطبيعة البريطاني Alfred Russell Wallace كل على انفراد بمحاولة تجميع وربط الاشياء الى بعضها فاكتشفوا التطور عبر الاختيار الطبيعي.

هما لاحظا ما فشل برؤيته لامارك، وهو ان صراع البقاء في عالم مزدحم بالرابحين والخاسرين، كان القوة التي تضمن بان ما ينجو من النباتات والحيوانات سيحمل معه افضل السمات. سيرة دارون الشخصية تسجل له لحظات ممتعة: "حدث لي ان قرأت باستمتاع عن مالتس حول السكان، وكنت اثمن عاليا الصراع لأجل البقاء... ان ما يدهشني في ظل هذه الظروف هو ان التغيرات المفضلة تميل لتبقى بينما التغيرات غير المفضلة ستتحطم. النتيجة من كل هذا ستكون خلق انواع جديدة."

المشاهدون الاوائل للاختيار

من الواضح ان دارون ووالس لم يكونا اول من ربطا الاشياء الى بعضها. في عام 1813 عرض الطبيب الاسكتلندي وليم شارلس ويلس Wiliam Charles Wells ورقة حول العرق الى الجمعية الملكية، فيها ادخل فكرة الاختيار الطبيعي لتوضيح لماذا يختلف الناس في لون الجلد في مختلف المناخات. وفي عام 1831 عرض باتريك ماثيو Patrick Matthew وهو مالك اراضي اسكتلندي وصفا للاختيار الطبيعي في ملحق لكتاب حول زراعة افضل الاشجار لصناعة السفن الحربية.

مع ذلك، ما بقي في الذاكرة هو دارون ووالس بينما نُسي ويلس و ماثيو، لأنهما جعلا الفكرة واضحة وكلاهما كتب اوراقا مخصصة لها. هذه الاوراق عرضاها لجمعية لاينين في لندن Linnean Society عام 1858. كان دارون اكثر شهرة من والاس لأنه خصص العقدين السابقين للتراكم المبدع للدليل في دعم النظرية من مجالات متنوعة مثل علم الاجنة، الحضانة الاصطناعية، الجغرافيا، الاقتصاد والجيولوجيا، وبهذا كان قادرا ليرسل في السنة التالية كتابه "اصل الانواع بوسائل الاختيار الطبيعي، وحماية الاعراق المفضلة في الصراع من اجل الحياة" كي يعطي الكتاب عنوانا كاملا.

نظرية دارون اوضحت لماذا تتكيف الانواع بشكل جيد الى بيئتها وكيف تتكون الانواع الجديدة. انها اقترحت بان جميع الكائنات الحية كانت مترابطة، من الخنفساء الى نبتة اللوتس، وان كل شيء ينحدر في الاصل من سلف مشترك واحد. ولهذا فان التطوررألغى الحاجة للتفسيرات الدينية للتنوع، كما ألغى ايضا الدليل الشائع آنذاك عن الحد الاقصى لعمر الارض، انه اقترح كذلك بان الكون الاوسع لا يدين باي شيء للتدخلات الدينية وان كل شيء يخضع لقوانين الطبيعة. ادرك دارون كل هذا وكان سببا للإزعاج الشديد له.

ذلك الانزعاج بقي مستمرا حتى اليوم. في الولايات المتحدة وحسب استبيان غالوب الذي اجري عام 2008 وُجد فقط 15% من الناس يوافقون على فرضية "تطور الانسان عبر ملايين السنين"، زيادة عن نسبة 8% عام 1982. قبول التطور يختلف بين دول العالم حيث اكثر المؤمنين حماسا هم في ايسلاند والدانمارك والسويد. عموما، وكما يُتوقع، ان ايمان البلد بالتطور يرتبط عكسيا بايمانه بالله. غير ان هناك فرضية اخرى هامة.

جروجري بول Gregory Paul، الباحث المستقل في التطور، وفيل زوكرمان Phil Zuckerman، السوسيولوجي في كلية بيتزر Pitzer بكاليفورنيا، جادلا بان الايمان بالله مرتبط عكسيا بما يسمى بشدة الصراع لأجل البقاء. في دول وحيث هناك وفرة في الطعام، والرعاية الصحية عالية والاسكان متوفر، فان ايمان الناس بالله يكون اقل قياسا بالدول التي فيها حياة الناس غير مضمونة. هما يؤكدان ان الايمان بالله، ورفض التطور يكتسب قيمة اكبر في المجتمعات الأكثر تعرضاً للضغوط الدارونية.

التطور كبوابة لنجاح العلوم

العديد من مظاهر العلم الحديث لن تعمل بدون القبول بالتطور. افكار دارون لامست كل زاوية من زوايا البايولوجي والطب. هو ايضا كان له تأثير في مجالات الفن والسياسة. تأثيره كان عمليا ونظريا ايضا. كل من مهندسي السوفتوير ومطوري الأدوية، مثلا، يستفيدون من التفكير التطوري عند تصميمهم للمنتجات.

الاقتصاديون ايضا انتفعوا من دارون. افكار حول الانسان الاقتصادي الرشيد جرى استبدالها بأفكار اخرى جديدة من حقل سمي بالاقتصاد السلوكي. وبدلا من افتراض ان الافراد عند مواجهتهم للقرارات الاقتصادية سيمتثلون لما يعتبره الاقتصاديون الكلاسيك كسلوك رشيد فان الاقتصاد السلوكي يسعى لدراسة الكيفية التي يتصرف بها الناس عمليا من اجل تعظيم ثروتهم المستقبلية.

الشيء المثير للدهشة هو المقدار الذي يكون به الناس غير عقلانيين، وكيف ان اسباب ذلك تتطلب تفسيرات دارونية. خذ مثلا، ظاهرة سميت بـ "تأثير التملّك" endowment effect، وهو النزعة السائدة لدى معظم الناس في تقييم الاشياء التي يملكونها سلفا بقيمة اكبر من قيمة الاشياء المشابهة التي لم يمتلكوها ابدا، وبالتالي، يكونون اكثر تحفظا من المتاجرة بها قياسا بما يتنبأ به الاقتصاديون الكلاسيك.(2)

وبسبب ملاحظة هذا التأثير في ثلاثة من الانواع الحية، فان دراسة حديثة عن الشمبانزي، تقترح ان هذا التأثير له جذور تطورية. قوته تبدو مرتبطة بالأهمية التطورية للمادة قيد السؤال. الناس ربما يمتنعون من المتاجرة بالبضائع المتصلة بالطعام والتزاوج لأنه في الماضي التطوري الحديث ذلك يعني الانصراف بشيء معروف مقابل شيء غير مؤكد.

مثال آخر عن السلوك الاقتصادي الذي له جذور تطورية عميقة هو تأثير الجماعة او القطيع herd mentality الذي يساهم في تكوين الفقاعات المالية(3). في الماضي، كان تقليد الجيران مفيدا- لكي نتجنب الخطر او لإيجاد الطعام. في الانظمة المالية الحالية، هذا التأثير يخلق عدم استقرار. غريزة اتباع القطيع يمكن عقلنتها كشيء رشيد، لأن كل شخص سيستفيد في المدى القصير عبر الضغط على الاسعار نحو الأعلى. ولكن ذلك لا يبدو عقلانيا حينما يحصل الاضطراب بفعل الصدمات الخارجية وانهيار السوق. في الحقيقة، ان جزء مما يحدث هو ان كل شخص يشعر غريزيا انه مجبر على تقليد الآخرين بدلا من اجراء تقييم مستقل للموقف. لكي نفهم سلوك الانسان جيدا، يحتاج العالم لدارون. البعض قال ان هذه هي افضل فكرة توفرت للإنسان حتى الان ان لم تكن الاقرب.

ورغم كثرة الدليل، يبقى القبول بالتطور امرا صعبا لأنه ينطوي على فكرة ان كل شيء حي هو انما مصادفة وبلا هدف. ستيفن جاي غولد Stephen Jay Gould، البايولوجي الامريكي الذي مات عام 2002، جادل بان سوء الفهم حول الدارونية كان سائدا ليس بسبب صعوبة فهم النظرية وانما بسبب ان الناس يتجنبون محاولة فهمها. هو اعتقد ان سوء الفهم حول التقدم كان هو المشكلة.

إستكمال الثورة

يشعر الناس بالارتياح لفكرة العالم الطبيعي المصمم والمنسجم، الذي يجدون انفسهم فيه في أعلى القمة. من الصعب القبول بان مثل هذا الانسجام برز كنتيجة عرضية لنظام وحشي لا مبادئ فيه والى جانبه نظام يكافح كل فرد فيه لإدامة الحياة. من المحزن الاعتقاد ان الحياة بلا هدف وان التطور ليس له قصد أعلى.

هذا النقد ينسحب على العديد من المؤمنين بالتطور الذين هم ليسوا حقا من العاملين في الحقل، وكذلك على اولئك الرافضين للنظرية. الفكرة الشائعة بان التطور ينطوي على التقدم، تسود حتى بين المؤمنين بالاختيار الطبيعي.

معظم البايولوجيين لا يوافقون على ذلك. هم يجادلون، الى جانب غولد، ان التطور ليس له اتجاه ثابت. الكائن الحي يمكن ان يصبح اصلح حين يكون اكثر تعقيدا. لكنه يمكن ايضا ان يصبح اصلح حين يكون ابسط. كل شيء يعتمد على الظروف. الزيادة غير المشكوك فيها في متوسط التعقيد في سجل المتحجرات هي، طبقا لهذه الرؤية، طارئة بناءاً على حقيقة ان الحياة بدأت بسيطة ولذلك امتلكت فقط اتجاها واحدا للانطلاق. التغيرات التي تقود للتعقيد- وهي ليست كثيرة- هي اكثر وضوحا من تلك التي تقود الى البساطة، طالما انها تخلق شيئا لم يكن موجودا من قبل.

ولهذا فان رؤية غولد كانت هي ان تطور الذكاء الانساني مع انه ليس طارئا تماما، كونه استجابة لسلسلة طويلة من الظروف، لكنه بالتأكيد ليس محصلة حتمية. لو كانت تلك السلسلة من الظروف مختلفة قليلا، فسوف لن يكون هناك انسان عاقل مثل Homo sapiens.

تلك الرؤية تعرضت للمسائلة. فمثلا، في دراسة نُشرت سنة 2008 في وقائع الاكاديمية الوطنية للعلوم قام مجموعة من الباحثين بالنظر في الحلزونيات (القريدس، وقمل الغابات) خلال الـ 550 مليون سنة الماضية ووجدوا امثلة كثيرة عن مجموعات من الانواع تتطور نحو التعقيدية بدلا من اتجاه آخر. ماثيو ولز Matthew Wills من جامعة باث في انجلترا، علّق في ذلك الوقت بالقول بان ذلك كان "اقرب شيء لما كان موجودا من قاعدة تطورية سائدة ". في هذه الدراسة، كانت الحلزونيات الوحيدة التي اصبحت ابسط هي اما طفيليات او كائنات تعيش في الاماكن البعيدة كالكهوف البحرية المنعزلة.

سيمون كونوي مورس Simon Conway Morris، عالم المتحجرات في جامعة كامبردج في انجلترا، كان رائد التفسير الجديد للتطور – الذي يتحدى الرؤية المحكومة بدرجة عالية من مصادفة الظروف. على خلاف غولد، هو يعتقد بانه لو كان التطور متكررا منذ البداية، فان الكثير من الاشياء ستكون هي ذاتها.

دكتور كوني مورس توصل الى هذه الرؤية من دراسة مفصلة لما يعرف بالتطور المتقارب. دارون ذاته كان مهتما بهذه الظاهرة، التي تخلق بها مختلف الجماعات من الكائنات الحية وبشكل مستقل حلولا مشابهة لمشاكل متشابهة، سواء كانت هذه الحلول اسنان او عيون او ادمغة او انظمة ايكولوجية او مجتمعات. وبما ان هؤلاء البايولوجيين لاحظوا مثل هذه التقاربات كـ"جديرة بالملاحظة"، فان كونوي موريس يعتقد انها حقا تحكي قصة اوسع.

حجته في ذلك هي، انه في ضوء طبيعة الفيزياء والكيمياء، هناك فقط عدد محدود من الطرق التي تعمل بها الاشياء. التطور سيتم توجيهه نحو هذه المسارات الناجحة، وبهذا، هو بالفعل ينطوي على ميول. اثنان من هذه الميول، كما يعتقد، هي نحو التعقيد والذكاء. هو يضيف بان الاشياء "لا تحدث فقط في الكيمياء". انها تحدث بسبب الاسباب المسبقة. سواء كانت جزيئات عدسة العين التي تُستعمل لبناء عين او الهيموغلوبين الذي يجعل الدم يحمل الاوكسجين، فان طبيعة الجزيئات ذاتها تعني انه من المرجح جدا ان يتبع التطور مسارا يتقرر ببنائها الاساسي. التطور هو آلية وهو يعمل ضمن قواعد.

شقاء دارون

رؤية الدكتور موريس للعالم ربما صحيحة او غير صحيحة. اذا كانت صحيحة، فهي قد تكون اكثر جاذبية للناس قياسا بالتفسيرات الحالية للعالم البايولوجي كمادي ولا هدف له في الاساس.

دارون ذاته كان منزعجا بشدة بسبب افكاره المادية وما كانت تقصده. هو نظر في الكيفية التي تكون فيها الافكار والعواطف مجرد افرازات للدماغ. من مراسلاته يبدو ان معتقداته الدينية لم تصل ابدا الى الموقف الثابت، بل انه كان حساسا للمدى الذي تسبب فيه افكاره الازعاج للآخرين. هو ابتكر جوابا دبلوماسيا تجنب فيه تحدي وجود الله. عندما سئل حول اصل العواطف والغرائز ودرجات الموهبة، هو ذكر "قل فقط هي هكذا لأن دماغ الطفل يشبه تكوين ابويه".

الحاجة لمعرفة الكثير

لم يكن موريس رافضا لجدال غولد. هو يرى ان هناك مهمة لم تنتهي بعد تستلزم التعامل معها. حول أصل الانظمة الاخلاقية والوعي هو يقول" نحن لسنا قريبين من الجواب". في عالمه، العلم يمكنه توضيح الخنفساء وورقة اللوتس وشبكة العنكبوت، لكن لا يمكنه توضيح لماذا هي تبدو جميلة للناس. آخرون يعتقدون ان التفسيرات هي ميميات memes او عناصر ثقافية تنتقل بوسائل غير وراثية مساوية للجين حيث تتكاثر بها الافكار من خلال رغبة الانسان بالتقليد.

بطريقة ما، لا يهم ما اذا كان تطور الانسانية هو عشوائي كليا ام انه يمكن التنبؤ به بشكله العام، لأن الناس هم بالفعل حاليا لديهم هدف تطوري مشترك موحد: هو ايقاف ذلك الاختيار الطبيعي في مساراته. الانواع تطورت الى النقطة التي تستطيع فيها فهم نفسها، وتستطيع ايجاد السبل للهروب من قيود الطبيعة الوحشية وانهاء الصراع لأجل الوجود. بداية ذلك الفهم أتاحهُ لنا دارون، وتطبيق الدارونية سيكون جزءا هاما من العملية.

* Evolution Unfinished business, The Economist Feb 7th 2009

.............................................
الهوامش
(1) الرؤية الدينية تشير الى ان الكون والارض وجميع الحياة على الارض خُلقت مباشرة من الله قبل خمسة آلاف و700 سنة الى عشرة آلاف. اصحاب هذه الرؤية هم في الاساس من المسيحيين واليهود الذين يستخدمون التفسيرات الحرفية لقصة الخلق الواردة في سفر التكوين. وفي القرن العشرين 1918-1920 بدأ هنري مورس باستخدام تفسيرات سميت بعلم الخلق creation science كأساس للايمان الديني. الدليل العلمي من مختلف المواضيع العلمية يتعارض مع نظرية خلق الارض الشابة، ويكشف ان عمر الكون هو 13.8 بليون سنة، بينما الارض تكونت قبل 4.5 بليون سنة، واول ظهور للحياة كان قبل 3.5 بليون سنة.
(2) طبيعيا، الناس يخشون من المفاهيم او الاشياء الجديدة. هذا الحذر هو بلا شك يحمي الاسلاف من الضرر والاحداث المؤذية في بيئاتهم، ولذا من المفيد تطوريا القلق من الاشياء والمفاهيم الجديدة. الناس يخافون من التغيير لخوفهم من فقدان الأمان او لما اعتادوا عليه. وكمثال على هذا السلوك اللامنطقي هو ما يُطلق عليه في الاقتصاد "تأثير التملك". حيث يرفض الناس استبدال سلعة قديمة باخرى جديدة وهو الامر الذي اصاب الاقتصاديين بالحيرة لأن ذلك يجعل من الصعب التنبؤ بسلوك السوق.
(3) سلوك القطيع كان وصفا سائدا للسلوك الانساني منذ بدأ الناس تكوين قبائل او الهجرة في جماعات او آداء وظائف زراعية تعاونية. سلوك القطيع درسهُ فرويد وولفريد تروتر بكتاب"غرائز القطيع في الحرب والسلام". الحقول الاكاديمية للقرن 21 مثل التسويق والمالية السلوكية تحاول التنبؤ بالسلوك العقلاني وغير العقلاني للمستثمرين. هؤلاء المستثمرون المندفعون بردود افعال عاطفية كالخوف والطمع يقومون بعمليات مسعورة في بيع وشراء الاسهم، فيخلقون بذلك فقاعات او انهيارات مالية.وبالتالي فان سلوك القطيع يُدرس باحكام من جانب خبراء المالية السلوكية كي يمكن التنبؤ بالازمات الاقتصادية المستقبلية.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
1