الافتراق الكبير في الشرق الأوسط بدأ يتشكل

مع انقسام المصالح الاقتصادية والأمنية بين القوى الكبرى، بدأت المنطقة تفكر في مسار ثالث

الفشل في بناء بنية قادرة على تعزيز التكامل سيترك المنطقة عالقة كساحة لتنافس القوى الكبرى، لا فاعلًا ضمن هذا التنافس، ومعتمدة بصورة متزايدة على ضامنين تتجه أنظارهم ومواردهم إلى أماكن أخرى. وبعد تأجيل هذا الاستحقاق لنصف قرن، أصبح على قادة الشرق الأوسط الآن أن يختاروا بين بناء بنية إقليمية...

يشهد الشرق الأوسط تحولًا عميقًا في موقعه داخل النظام الدولي، مع اتساع الفجوة بين من يملك النفوذ الاقتصادي في المنطقة ومن يوفر لها المظلة الأمنية. فبينما تزداد الصين حضورًا عبر التجارة والطاقة والبنية التحتية، تواصل الولايات المتحدة أداء دور الضامن العسكري والأمني، ما يضع دول المنطقة أمام معادلة جديدة لا تقوم على الاصطفاف الكامل مع قوة واحدة، بل على البحث عن مسار ثالث أكثر استقلالًا وواقعية. وفي هذا السياق، يطرح رباح أرزقي، أستاذ ومدير أبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي وزميل أول في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، وطارق م. يوسف، الزميل الأول في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، في هذا المقال الذي تنشره مجلة فورين بوليسي، فكرة أن المنطقة تدخل مرحلة تفكك الهيمنة التقليدية، حيث لم يعد الاقتصاد والأمن يتحركان في الاتجاه نفسه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء ترتيبات إقليمية تفاوضية قادرة على إدارة التوترات وتقليل الارتهان لتنافس القوى الكبرى، بدل بقاء الشرق الأوسط ساحة لصراعات الآخرين.

ويرى الكاتبان في مقال فورين بوليسي:

يعكس مصطلح «الشرق الأوسط» المركزية التاريخية للمنطقة بالنسبة إلى القوى الغربية. وقد شاع هذا المصطلح عام 1902 على يد الاستراتيجي البحري الأميركي ألفرد ثاير ماهان، إذ وصف به الأراضي الواقعة بين الجزيرة العربية والهند، وتحديدًا لتأكيد أهميتها الاستراتيجية بالنسبة إلى المصالح الإمبراطورية البريطانية.

لذلك، لم يكن مفاجئًا أن انتقال التفوق العالمي من بريطانيا إلى الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية قد تجلّى بأكثر صوره تأثيرًا في الشرق الأوسط، حيث انتقل مركزه الجيوسياسي من الانتدابات الاستعمارية التي كانت تديرها لندن إلى مصالح واشنطن المرتبطة بالحرب الباردة وأمن النفط.

وسرعان ما أُدمج الشرق الأوسط في نظام تقوده الولايات المتحدة، كانت واشنطن فيه توفر الحماية العسكرية وتضمن الشروط السياسية لاندماج المنطقة في الاقتصاد العالمي. فقد أمّنت الولايات المتحدة طرق التجارة البحرية، وضمنت تدفق الطاقة، ورسّخت سوق النفط القائمة على الدولار. وكانت عائدات النفط تدور عبر الأسواق المالية الغربية، فيما وجّهت الاقتصادات الإقليمية نفسها نحو العولمة التي تقودها الولايات المتحدة، وكانت القوة العسكرية الأميركية تمثل الضامن النهائي للاستقرار.

وقد استند تماسك ذلك النظام إلى حقيقة أن بُعديه الاقتصادي والأمني كانا تقودهما القوة نفسها. أما اليوم، فإن هذا الانسجام يتآكل مع إعادة توزيع القوة الاقتصادية باتجاه الصين، بما يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية. ففي حين باتت الولايات المتحدة تمارس نفوذها أساسًا عبر القوة العسكرية وتوفير الأمن، وسّعت الصين حضورها عبر التجارة والبنية التحتية وأدوات الدولة الاقتصادية، وبصورة متزايدة من خلال تقديم نفسها بوصفها فاعلًا يمكن التنبؤ بسلوكه على المسرح العالمي.

ومن المرجح أن يستغرق هذا التوازن الجديد عقودًا حتى تتضح نتائجه، لكن نادرًا ما كان الاعتماد الاقتصادي وتوفير الأمن مركزين، بهذا القدر من الوضوح، في أيدٍ مختلفة. فعلى مدى سبعين عامًا، صمد النظام الذي تقوده الولايات المتحدة لأن التجارة والأمن كانا يتحركان معًا. ويعد الشرق الأوسط أول ساحة كبرى يبدأ فيها هذا التماسك بالتفكك. فالاعتماد الاقتصادي والأمني يشيران الآن إلى اتجاهين مختلفين، والنتيجة ليست انتقالًا سلسًا للهيمنة من قوة مهيمنة إلى أخرى، بل احتمال تفكك الهيمنة نفسها.

خلال معظم مرحلة ما بعد الحرب العالمية، كانت الصين لاعبًا هامشيًا في الشرق الأوسط، مجرد مشترٍ للنفط، من دون وزن سياسي يُذكر أو طموح استراتيجي واضح. وقد تغيّر ذلك مع إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013، التي دشنت عصرًا جديدًا من التعاون المتمحور حول الطاقة والبنية التحتية.

إن حجم التحول لافت للنظر؛ فقد نمت التجارة بين الصين والعالم العربي من نحو 36 مليار دولار عام 2004 إلى ما يقارب 400 مليار دولار بحلول عام 2024. وأصبحت الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، وأكبر شريك تجاري للشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، وسّعت بكين حضورها الدبلوماسي في أنحاء المنطقة، وكان أبرز ذلك رعايتها للتقارب السعودي الإيراني عام 2023. وقد تجنبت باستمرار الانخراط العسكري المباشر، ولا تحتفظ بأي قواعد عسكرية في المنطقة.

وعلى النقيض من ذلك، تحتفظ الولايات المتحدة بمنشآت عسكرية في ما لا يقل عن 19 موقعًا في الشرق الأوسط، وتواصل دعم دفاعات دول الخليج عبر نشر حاملات الطائرات وأنظمة الدفاع الصاروخي. كما تقود عمليات مكافحة الإرهاب، وتسلّح شركاءها من خلال مبيعات بعشرات المليارات من الدولارات، وتتعامل مع حرية تدفق طاقة دول الخليج بوصفها التزامًا استراتيجيًا قائمًا. ومنذ عام 2019، أصبحت الولايات المتحدة مصدّرًا صافيًا للطاقة، وتنافس المنتجين الإقليميين في الأسواق الدولية.

لكن، في حين تواصل الولايات المتحدة تثبيت البعد الأمني، فإنها لم تعد تحمل الثقل الاقتصادي للمنطقة.

لقد كشفت حرب إيران هذا الانقلاب بوضوح حاد. فعندما خنق الصراع حركة المرور عبر مضيق هرمز، لم تكن القوة الأكثر تعرضًا للخطر هي الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران، بل الصين. فبوصفها أكبر مستورد للنفط الذي يمر عبر المضيق، وجدت الصين شريان طاقتها رهينة لمواجهة لم يكن لها يد فيها، ولا قوات لديها لإدارتها. أما الولايات المتحدة، من جهتها، فقد اعتمدت على حصار بحري لموانئ إيران بوصفه أداة الضغط الرئيسية، ملتزمة بموارد عسكرية لحراسة نقطة اختناق تجارية تقع فوائدها التجارية إلى حد كبير في آسيا.

إن هذا الاختلال بين مواضع تدفقات التجارة ومواضع تمركز القوة العسكرية يعني أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل لم يعد يتطابق مع هياكل التحالف. فالدول تبيع نفطها لقوة عظمى، وتعتمد على قوة أخرى لحمايتها، في حين يعمل شركاؤها الاقتصاديون والأمنيون وفق أولويات استراتيجية وتصورات تهديد مختلفة على نحو متزايد.

وقد بدأت ضغوط هذه الدينامية تظهر بالفعل؛ فعندما طلبت الولايات المتحدة من عدد من حلفائها في الناتو، وكذلك من الصين واليابان وكوريا الجنوبية، المساعدة في مراقبة المضيق، رفضوا، تاركين الولايات المتحدة تتحمل عبئًا تعود مكاسبه الاقتصادية إلى أماكن أخرى.

ومع تزايد ظهور التزامات واشنطن وكأنها منفصلة عن حصتها الاقتصادية في الشرق الأوسط، تكون النتيجة ردعًا أضعف، ومخاطر أكبر لسوء التقدير من جانب الخصوم، وميلًا متناميًا نحو الموازنة والتحوط بدل الاصطفاف. فدول المنطقة باتت تسعى إلى الصين اقتصاديًا، وإلى الولايات المتحدة عسكريًا، وإلى روسيا أو غيرها بصورة انتهازية.

ومع اتجاه الاعتمادين الاقتصادي والأمني في اتجاهين متعارضين، تُدفع دول الشرق الأوسط نحو توازن تديره ذاتيًا. فالتحوط وحده لا يستطيع أن يثبت الاستقرار في منطقة تتباين فيها مصالح الضامنين الخارجيين وتتفاوت التزاماتهم. وكلما أصبح النظام الدولي أكثر تشتتًا، تعاظم حافز قوى الشرق الأوسط لتقليل تعرضها للتنافس بين القوى الكبرى، من خلال إدارة التوترات مباشرة فيما بينها.

إن ما يظهر ليس استقلالًا ذاتيًا بالمعنى التقليدي، بل شيئًا أضيق وأكثر براغماتية: تحولًا تدريجيًا من نظام تتوسط فيه القوى الخارجية إلى تعايش يتم التفاوض عليه إقليميًا.

ومن الصعب تجاهل الأدلة على أن دول الشرق الأوسط تميل بصورة متزايدة إلى إلغاء الوساطة؛ أي الانخراط المباشر بعضها مع بعض بدلًا من المرور عبر الرعاة الخارجيين. فقد صمد التقارب السعودي الإيراني لعام 2023 أمام صدمات متكررة. وانتقلت تركيا ودول الخليج من التنافس المفتوح إلى التطبيع النشط. كما أعادت معظم العواصم العربية الانخراط مع دمشق، منهية أكثر من عقد من العزلة الرسمية.

وتنسق دول الخليج مع جيرانها في مجال البنية التحتية للطاقة وممرات النقل والخدمات اللوجستية بطرق كان من غير الممكن تصورها سياسيًا قبل عقد من الزمن. كما أن القنوات الهادئة بين الرياض وطهران، وأنقرة والقاهرة، وأبو ظبي والدوحة، باتت تحل بصورة متزايدة محل المساعي الحميدة لواشنطن.

وقد تبدو الحرب الأميركية الإيرانية وكأنها تنقض هذه الأطروحة. لكنها، في الوقت الراهن، لا تبدو مرشحة للاستمرار إلى أجل غير مسمى، بافتراض صمود اتفاق السلام الحالي. غير أن الطريقة التي حُلّ بها الصراع زادت مأزق المنطقة حدة بدلًا من تخفيفه. فقد أظهرت الولايات المتحدة أنها لا تزال قادرة على بدء حرب وتصعيدها ووقفها، في الوقت الذي بقي فيه الشريك الاقتصادي الرئيسي للمنطقة على الهامش.

وفوق ذلك، على الرغم من أن الحرب كانت مدمرة للمنطقة بأسرها، فإنها أُديرت وفق جدول زمني وشروط حُدّدت ثنائيًا بين الولايات المتحدة وإيران. وبالنسبة إلى دول الخليج، لم يكن الدرس أن راعيها الأمني غير موثوق، بل أن التزاماته، التي تنفصل على نحو متزايد عن المصالح الاقتصادية، أصبحت غير قابلة للتنبؤ. وهذا الانكشاف يدفع هذه الدول باتجاه ترتيبات أكثر استقلالية.

في مايو/أيار، ورد أن السعودية طرحت فكرة ميثاق إقليمي لعدم الاعتداء يشمل إيران ودولًا أخرى، على نحو يستلهم إلى حد ما اتفاقيات هلسنكي لعام 1975، التي ساعدت على تقليل توترات الحرب الباردة من خلال قواعد مدونة وإجراءات لبناء الثقة. وشجعت الحكومات الأوروبية ومؤسسات الاتحاد الأوروبي دول الخليج على دعم المقترح، بوصفه وسيلة لتقليل خطر اندلاع صراع مستقبلي، مع تقديم ضمانات أمنية محدودة لإيران. غير أن استقبال المقترح كان متباينًا، بما يعكس حالة الازدواجية التي تدفع أصلًا نحو الاعتماد على الذات.

إن مخاوف العواصم الخليجية من أن تترك حرب إيران قيادة ضعيفة لكنها أكثر تشددًا في طهران، لا تزال قادرة على تهديد جيرانها، تجعل الإطار الإقليمي جذابًا، لكنها تجعل ديمومته غير مؤكدة. ولا يرقى أي من ذلك بعد إلى نظام إقليمي متماسك، لكنه يمثل أول محاولة مستدامة منذ جيلين لبناء مثل هذا النظام من دون ضامن خارجي.

لقد استندت هلسنكي إلى كتلتين متماسكتين، وآليات مؤسسية للحد من التسلح، واعتراف مشترك، وإن كان على مضض، بحالة جمود استراتيجي؛ وهي شروط غير متوافرة حاليًا في الشرق الأوسط. لكن المنطق الكامن وراءها لا يزال ذا صلة: فليس مطلوبًا من الدول أن تثق بعضها ببعض لكي تتفق على ضبط سلوكها، وتقنين خلافاتها، وإنشاء قنوات قادرة على الصمود في الأزمات.

ولن يتطلب النجاح قيام نظام إقليمي مؤسسي كامل، بل بنية متواضعة قادرة على امتصاص الصدمات من دون أن تؤدي فورًا إلى تدخل خارجي؛ والتزامًا موثوقًا بوقف تسليح الوكلاء عبر الحدود؛ واعتيادًا على الانخراط المباشر والمنتظم.

لقد تعثرت محاولات التكامل الإقليمي السابقة، من جامعة الدول العربية إلى مجلس التعاون الخليجي، بسبب العقبتين نفسيهما: استمرار الخصومات بين من يُفترض أنهم معماريّو النظام، والقدرة الدائمة على الاتصال بالولايات المتحدة لتقديم الضمانة والدعم. وما يختلف اليوم هو أن واشنطن لم تعد على الخط بالقدر نفسه من الموثوقية. فقوتها لم تختف، لكن طريقة استخدامها باتت أصعب توقعًا. والتنبؤ هو الأساس الذي تقوم عليه الضمانات الأمنية في نهاية المطاف.

غير أن الفشل في بناء بنية قادرة على تعزيز التكامل سيترك المنطقة عالقة كساحة لتنافس القوى الكبرى، لا فاعلًا ضمن هذا التنافس، ومعتمدة بصورة متزايدة على ضامنين تتجه أنظارهم ومواردهم إلى أماكن أخرى. وبعد تأجيل هذا الاستحقاق لنصف قرن، أصبح على قادة الشرق الأوسط الآن أن يختاروا بين بناء بنية إقليمية بأنفسهم، أو البقاء غارقين في أزمات تتزايد عجزهم عن السيطرة عليها.

* رباح أرزقي، أستاذ ومدير أبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، وزميل أول في كلية كينيدي بجامعة هارفارد.

طارق م. يوسف، زميل أول في مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية.

اضف تعليق