بقلم: حارث حسن

شكّل التوازن الهشّ عنوان اللقاء الذي جمع بين رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي والرئيس الأميركي جو بايدن.

تعهّد الرئيس بايدن، منذ نشر هذا المقال، بإنهاء المهمة القتالية الأميركية في العراق بحلول نهاية العام 2021.

زار رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي واشنطن في مرحلة عصيبة للبلاد ولرئيس وزرائها.

تصدّر الوجود العسكري الأميركي في العراق جدول أعمال الكاظمي. فالفصائل الشيعية والميليشيات الموالية لإيران تمارس ضغوطًا عليه لتنفيذ القرار غير الملزم الذي أصدره البرمان العراقي في وقت سابق وقضى بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في البلاد.

وصدر هذا القرار بعدما نفّذت الولايات المتحدة في كانون الثاني/يناير 2020 عملية اغتيال قاسم سليماني، القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وأبو مهدي المهندس، نائب رئيس قوات الحشد الشعبي العراقية، والضجة الإعلامية التي أحاطت بهذه العملية. ومنذ ذلك الحين، ما ألَت إيران وحلفاؤها في العراق جهدًا لإنهاء الوجود العسكري الأميركي في البلاد، على الرغم من أن هذا الهدف لا يحظى بدعم من المجموعات الكردية والسنية وبعض المعتدلين الشيعة. أما الولايات المتحدة، فأعلنت عن استعدادها لسحب جنودها إذا طلبت الحكومة العراقية ذلك رسميًا.

لماذا يطالب الكاظمي اليوم بالانسحاب؟

تزايدت في الآونة الأخيرة الضغوط على الكاظمي ليطلب صراحةً انسحاب القوات الأميركية أو تحديد جدول زمني لانسحابها. في غضون ذلك، صعّدت الميليشيات الموالية لإيران هجماتها على القواعد العسكرية العراقية التي تأوي جنودًا أميركيين واستخدمت تقنيات جديدة على غرار الطائرات من دون طيار، واستهدفت مناطق في محافظات بغداد والأنبار وأربيل (عاصمة إقليم كردستان العراق الذي يتمتع باستقلال ذاتي). كذلك، هدّدت مؤخرًا الهيئة التنسيقية للمقاومة العراقية، وهي عبارة عن مجموعة سرية تنضوي تحت رايتها فصائل عدة، بمواصلة هجماتها حتى يغادر آخر جندي أميركي الأراضي العراقية، واتّهمت حكومة الكاظمي بعدم الرغبة في المطالبة بانسحاب القوات الأميركية بشكل كامل وفعلي.

لا بدّ من الإشارة إلى أن التصعيد قد يترتب عليه رد أميركي يؤدي بدوره إلى زعزعة الاستقرار الهش في العراق، تمامًا كما حصل في أواخر حزيران/يونيو عندما قصفت الولايات المتحدة مواقع تابعة للميليشيات بالقرب من الحدود العراقية السورية. وسيحد على الأرجح هذا التصعيد من قدرة حكومة الكاظمي على التأثير في الأحداث، ولا سيما مع اقتراب موعد إجراء الانتخابات البرلمانية المرتقبة في تشرين الأول/أكتوبر 2021.

في غضون ذلك، يواجه الكاظمي تحديات اجتماعية اقتصادية خطيرة، إذ يرزح العراق تحت وطأة ارتفاع معدل الإصابات والوفيات بفيروس كورونا، وازدياد معدّلات الفقر والبطالة، وصعوبة توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والرعاية الصحية، فيما يتعرّض المدنيون العراقيون لهجمات مكثّفة يشنّها تنظيم الدولة الإسلامية والمليشيات.

خطة عمل الكاظمي

زار الكاظمي واشنطن آملًا التوصل إلى صيغة ترضي الجماعات الموالية لإيران وتضمن في الوقت عينه الحفاظ على الدعم الأميركي الضروري للحصول على المساعدات الاقتصادية الدولية وتعزيز نفوذه في وجه المعارضين الداخليين الآخرين.

وفقًا للترجيحات، ستُثمر هذه الزيارة عن إعلان إعادة انتشار القوات الأميركية القتالية وانسحابها من العراق (وفق جدول زمني محدّد ربما) والتأكيد على تعديل مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية بقيادة الولايات المتحدة لتقتصر على تقديم المشورة الفنية وتدريب القوات العراقية.

في الواقع، سيتمكن الكاظمي من اعتبار أنه نفذ قرار البرلمان بإنهاء الوجود العسكري الأجنبي في حال نجح في الحصول على جدول زمني واضح وعلى التزام من الولايات المتحدة باستكمال انسحاب القوات القتالية، على الرغم من رفض الميليشيات القاطع للوجود العسكري الأميركي بأشكاله كافة (حتى بصفة استشارية). وستخوّله هذه الخطوة إلقاء العبء الذي يتعرّض له على كاهل المجموعات السياسية الشيعية، ومن ضمنها تلك المرتبطة بالميليشيات. وستقوم خطته على إقناع الميليشيات بوقف هجماتها على القواعد العسكرية التي تأوي القوات الأميركية أو على التوصل إلى توافق سياسي شيعي يندّد بهذه الهجمات.

إرث الكاظمي

تُعد هذه الزيارة الثانية للكاظمي إلى واشنطن منذ أن تبوأ رئاسة الوزراء. فقد جمعته زيارته الأولى في تموز/يوليو الماضي مع شخصية مختلفة تمامًا هي الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. في ذلك الوقت، سعى فريق ترامب إلى تشجيع الكاظمي على اتخاذ إجراءات حازمة بحق الميليشيات والحدّ من النفوذ الإيراني في العراق. وقد أراد ترامب معرفة الإجابة على سؤاليْن: هل ستثبت الحكومة العراقية أنها ما زالت مفيدة للولايات المتحدة؟ وهل يمكنها توفير المكاسب الاقتصادية التي تبرر استمرار التدخل الأميركي في البلاد؟ وبالفعل، دعمت حكومة الكاظمي مشاريع متعددة، ولا سيما في قطاع الطاقة، حظيت فيها الشركات الأميركية بالأفضلية، وسعت أيضًا إلى مضاعفة الجهود الرامية إلى زيادة إنتاج الغاز العراقي من أجل الحد من اعتماد العراق على استيراد الغاز الإيراني لتشغيل محطات الطاقة، نزولًا عند طلب الولايات المتحدة.

أما في الزيارة الثانية، فقد اجتمع الكاظمي بالرئيس الأميركي جو بايدن. تتسم على الأرجح توقعات الإدارة الجديدة بواقعية أكبر حيال قدرة الكاظمي على التصدي للنفوذ الإيراني في البلاد وضبط الميليشيات. ففي السنوات القليلة الماضية، عمل عدد من كبار المسؤولين الحاليين في إدارة بايدن في العراق أو على قضايا عراقية، لذا هم يفهمون جوانب هذه المسائل الدقيقة والمعقدة. ولا بدّ من الإشارة إلى أن إدارة بايدن لا تزال مهتمّة بالحفاظ على نفوذها في العراق والحؤول دون انهياره مجددًا أو خضوعه بالكامل إلى النفوذ الإيراني. ولكن هذه الجهود رهنٌ بعوامل أخرى تشمل رغبة الولايات المتحدة في الحد من انخراطها في الشرق الأوسط، وصلاحيات الكاظمي المحدودة بصفته رئيس وزراء انتقاليًا لا يحظى بدعم حزبي، وخطورة التحديات التي يواجهها العراق.

https://carnegie-mec.org

اضف تعليق