يقول الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن إن الولايات المتحدة ستعود إلى الانضمام إلى الاتفاق النووي الإيراني إذا استأنفت طهران التزامها الكامل بها. وتقول إيران، من جهتها، إنها ستفعل ذلك إذا خففت واشنطن العقوبات عليها. ينبغي لكل من الطرفين استخدام الإطار الموجود أصلاً بدلاً من محاولة انتزاع تنازلات من الطرف الآخر.

يبدو أن الاتفاق النووي الإيراني، الذي يُعرف رسمياً بخطة العمل الشاملة المشتركة، الذي تعرض للصدمات والرضوض، بات على آخر رمق. فمنذ عام 2018، وهو يتعرض لهجوم لا هوادة فيه: انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، وحملة ممارسة "أقصى درجات الضغط" من قبل إدارة ترامب على طهران، وأعمال تخريب لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، واغتيال كبير العلماء النوويين الإيرانيين، إضافة إلى تزايد تحدي إيران للقيود التي تفرضها خطة العمل الشاملة المشتركة. تهدد جميع هذه الضغوط بإنهاء الاتفاق بعد خمس سنوات فقط على التوصل إليه. الآن، يوفر انتخاب جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة فرصة لمنع انهيار الاتفاق. لكن ينبغي على إدارته، وكذلك على القيادة الإيرانية والمشاركين الآخرين في خطة العمل الشاملة المشتركة، العمل بسرعة بعد 20 كانون الثاني/يناير من أجل وقف أزمة توشك على الاندلاع.

تسلمت إدارة ترامب مهامها بدرجة قوية وغير مخفية من العداوة ضد خطة العمل الشاملة المشتركة. فلدى خروجها من الاتفاق في أيار/مايو 2018، أكدت أن اتباع سياسة بديلة قائمة على الإجبار لن تفضي فقط إلى التوصل إلى اتفاق أفضل يقلص البرنامج النووي الإيراني بشكل أكبر من الشروط التي تم التوصل إليها في فيينا، بل إنها ستكبح جماح أنشطة إيران الإقليمية أيضاً. لا شك أن السنتين والنصف الماضيتين أصدرتا حكماً سلبياً لا غموض فيه على هذه الادعاءات.

لا ريب أن إخضاع نحو 1,500 فرد وكيان للعقوبات الأميركية، بما في ذلك فرض قيود كاسحة على قطاع الطاقة والقطاع المالي الإيرانيين ألحقاً ضرراً كبيراً بالاقتصاد الإيراني؛ وقد أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أن 77 جولة من العقوبات حرمت الحكومة الإيرانية من دخل يقدر بـ 70 مليار دولار. لكن في حين كانت حملة "أقصى درجات الضغط" تهدف إلى فرض المزيد من القيود على نشاط إيران النووي، فإنها دفعت إلى توسيع هذا النشاط؛ وبينما كانت تهدف إلى تقليص نفوذ طهران الإقليمي، فإنها زادت حدة التوترات، وتسببت في احتكاكات عديدة كادت تفضي إلى صراع مفتوح.

حتى في لحظات أفولها، فإن إدارة ترامب لا تبدي أية علامة على التراجع عن لجوئها إلى الإكراه والقسر. بل على العكس، فإن إخضاع المزيد من الأفراد والكيانات للعقوبات الأحادية الأميركية، والتي حدث وسطها اغتيال عالم نووي إيراني رفيع المستوى في 27 تشرين الثاني/نوفمبر في عملية تعزى على نطاق واسع لإسرائيل، ولو أنها لم تعلن مسؤوليتها عنها، تؤشر على تصميم واشنطن وبعض حلفائها على استخدام الفترة الفاصلة بين الآن وتنصيب الرئيس المنتخب بايدن في 20 كانون الثاني/يناير لتحقيق أهدافها. ويبدو أن القصد من ذلك متعدد الأوجه؛ أي فرض الحد الأقصى من الألم على الجمهورية الإسلامية؛ وتقليص مجال المناورة المتاح أمام إدارة بايدن القادمة من خلال خلق عقبات قانونية وسياسية؛ وربما استفزاز طهران كي ترد – سواء بالقيام بعمليات عسكرية أو بتسريع برنامجها النووي – بطرق تلحق ضرراً قاتلاً بخطة العمل الشاملة المشتركة.

إن مجرد بقاء خطة العمل الشاملة المشتركة يعد شاهداً على الطريقة التي تستمر فيها، ولو بشكلها الذي ازداد ضموراً، في تحقيق فوائد استراتيجية لجميع الأطراف المشاركة في الجهود الرامية إلى إنقاذها. بالنسبة لمجموعة 4 + 1 (بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا والصين)، يبقى الاتفاق أفضل وسيلة متوفرة لما تعتبره واجب إبقاء البرنامج النووي الإيراني تحت المراقبة. وبالنسبة لطهران، فإن الوعد بالتطبيع الاقتصادي في ظل إدارة أميركية مختلفة وأيضاً استمرار العائدات السياسية والدبلوماسية، خصوصاً من حيث علاقات إيران بأوروبا، شكل مبرراً للالتزام بالاتفاق، رغم تنامي الضغوط الداخلية للتخلي عنه.

مع انتخاب بايدن، الذي أشار بشكل متكرر إلى استعداده لإعادة الولايات المتحدة إلى الالتزام بخطة العمل الشاملة المشتركة إذا فعلت إيران الشيء نفسه، واستعداد طهران المعلن لعكس انتهاكاتها المتزايدة للاتفاق إذا رفعت واشنطن عقوباتها، لدى الجميع فرصة الآن لإعادة إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة. إلا أن كيفية اغتنام هذه الفرصة ستكون محورية وتظل خاضعة لنقاش مكثف.

في واشنطن وبعض العواصم الأوروبية، يحث البعض الرئيس المنتخب على أن ينظر في الحد الأقصى في رفع جزئي للعقوبات الأميركية التي فرضت في انتهاك لخطة العمل الشاملة المشتركة، واشتراط المزيد من رفع العقوبات بتقديم تنازلات إيرانية تتجاوز أحكام الاتفاق الأصلي فيما يتعلق بقضايا تتجاوز نقاط الاتفاق. وتحظى هذه الحجة ببعض الجاذبية؛ فإذا تخلت الإدارة من البداية عن النفوذ المالي الأميركي الهائل الذي تراكم خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، لن يكون لدى طهران، كما تؤكد هذه الحجة، حافز للاستمرار في التفاوض، بما في ذلك حول قضايا مثل المواعيد النهائية بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة، وتطوير الصواريخ البالستية والديناميكيات الإقليمية التي تنظر إليها الولايات المتحدة وبعض شركائها الإقليميين والأطراف الأوروبية بقلق.

إلا أن تجربة السنوات القليلة الماضية ينبغي أن توفر نظرة أكثر تشككاً في استخدام مثل هذا النفوذ. لا شك في أن إيران تعرضت لضغوط مكثفة، لكن بدلاً من أن تستسلم لها فإنها اختارت بناء نفوذ خاص بها، ومراكمة المزيد من اليورانيوم المخصب وتركيب عدد أكبر من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة. وإذا استبدل بايدن "أقصى درجات الضغط" بـ "نسخة أقل عدائية بقليل منها فإنه سيكون كمن يلعب بنفس الأوراق الضعيفة برهانات مختلفة ويتوقع نتائج أفضل".

وتؤكد التشريعات الإيرانية التي تم تبنيها أخيراً، والتي تُلزم بإحداث زيادة فورية في معدلات تخصيب اليورانيوم وتهدد بالتصعيد مستقبلاً – خصوصاً، بالتوقف عن الالتزام بالبروتوكول الإضافي لمعاهدة منع الانتشار، والتي ستقيد عمل المفتشين الدوليين المكلفين بمراقبة المنشآت النووية الإيرانية – إذا لم تُرفع العقوبات بحلول مطلع شباط/فبراير 2021، تؤكد على مخاطر الأحادية القائمة على مراكمة النفوذ. أما التوقف عن العودة إلى الالتزام الكامل بخطة العمل الشاملة المشتركة إلى أن تتم تسوية كل شيء فإنه يخاطر بعدم تسوية أي شيء على الإطلاق.

علاوة على ذلك، إذا كان ما تعرضه الولايات المتحدة هو العودة الأقل من الكاملة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، فإن إيران ستصر دون شك على أقل من الالتزام الكامل بالاتفاق. ومن شبه المؤكد أن التوصل إلى تفاهم مرضٍ حيال الخطوات التي ينبغي على كلا الطرفين اتخاذها سينطوي على مفاوضات مريرة وطويلة، ستقوم إيران خلالها بإجراء المزيد من التعزيزات على برنامجها النووي. ومن المرجح أن يعني كل ذلك أن إدارة بايدن ستواجه أزمة نووية متفاقمة في أشهرها الأولى.

منتقدو هذه الحجة يقولون إنها تنطوي على استسلام الولايات المتحدة لابتزازات إيران النووية. صحيح أن التفاوض تحت ظل التهديد النووي الإيراني ليس مغرياً. لكن الانتقادات ستكون أكثر إقناعاً لو لم تكن الولايات المتحدة هي التي اتخذت الخطوة الأولى بالانسحاب من الاتفاق – واللجوء فعلياً إلى عملية ابتزاز خاصة بها من خلال فرض العقوبات. إن قيام الولايات المتحدة برفع العقوبات مقابل عودة إيران عن التقدم الذي أحرزته في برنامجها النووي لن يشكل استسلاماً للترهيب، بل تأكيداً على التزامات قائمة مسبقاً.

وعلى الجانب الإيراني أيضاً، ثمة إغراء بمحاولة الحصول على تنازلات أميركية، في هذه الحالة قبل عكس التقدم الذي حققته في برنامجها النووي. لقد طالبت إيران بالتعويضات عن أربع سنوات من الوعود التي لم تنفذ من حيث تخفيف الضغوط الاقتصادية، وتشير إلى أنها تريد تطمينات بأن الولايات المتحدة لن تسعى بشكل أحادي إلى "إعادة فرض العقوبات" متعددة الأطراف حالما تعود إلى الانضمام إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، وتصر على قيام الولايات المتحدة برفع العقوبات التي فرضها ترامب.

من الصعب رؤية كيف يمكن لإدارة بايدن أن توافق فعلياً على أي من هذه الإجراءات: فالتعويضات ستكون بمثابة هدية لإيران، ما سيحدث أثراً ساماً في الولايات المتحدة؛ أما إعادة فرض العقوبات فهو حق خضع لمفاوضات مكثفة بين الأطراف الموقعة على خطة العمل الشاملة المشتركة، ولا يمكن توقع تخلي الولايات المتحدة عنه؛ وقد تكون بعض العقوبات التي فرضت بعد عام 2017 مبررة – كتلك المسموح بها بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة والتي يمكن توقع قيام أي إدارة أميركية بفرضها.

أخيراً، فإن المسؤولين الإيرانيين قالوا إنهم بدلاً من السماح بعودة الولايات المتحدة للانضمام إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، فإن طهران ستطالبها بدلاً من ذلك بالالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231، الذي صادق على الاتفاق النووي. إنه موقف غريب. قد تكون حساباتهم أن الولايات المتحدة، بالتزامها بالقرار 2231، سيترتب عليها رفع العقوبات، لكن ببقائها في نفس الوقت خارج خطة العمل الشاملة المشتركة، فإنها لن تستعيد حقوقها بموجب الاتفاق، بما في ذلك باستعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة أحادياً. إذا كان هذا تفكيرهم، فإنه يبدو خاطئاً، وصورة مطابقة لادعاء إدارة ترامب في آب/أغسطس 2020 بأن الولايات المتحدة لم تكن مشاركة في خطة العمل الشاملة المشتركة لكن رغم ذلك بوسعها استحضار أحكام القرار 2231 التي تقتصر على المشاركين في خطة العمل الشاملة المشتركة – وهو زعم رفضته طهران كما رفضته جميع الأطراف الأخرى، وهي محقة في ذلك.

قد تعتقد إيران أن بوسعها الضغط على إدارة بايدن للقبول بواحد أو أكثر من مطالبها استناداً إلى نظرية مفادها أن الرئيس المنتخب حديثاً، وفي مواجهة أزمات اقتصادية وصحية واجتماعية، سيكون مصمماً على تفادي حدوث أزمة نووية بأي ثمن. ستكون تلك بمثابة إساءة قراءة جوهرية. صحيح أنه من شبه المؤكد أن يفضل بايدن، كما تمت ملاحظته، ألا يترتب عليه التعامل مع برنامج نووي إيراني ينمو بسرعة. لكن طهران ستخطئ إذا افترضت أن إدارته ستتردد في المحافظة على الضغوط على الجمهورية الإسلامية وحتى تكثيفها – هذه المرة بالتنسيق مع حلفائها الأوروبيين – إذا أعلنت مطالب مبالغاً بها.

أما المقاربة البناءة أكثر فتتمثل في معالجة القضية النووية على أساس الاتفاق الموجود أصلاً؛ أي أن تقوم إيران بالعودة عن انتهاكاتها بشكل قابل للتحقق، بينما تعود الولايات المتحدة إلى الالتزام بخطة العمل الشاملة المشتركة واستعادة التعاون عبر الأطلسي، وأن يبدأ جميع الأطراف بتبديد أجواء التوتر وانعدام الثقة. من شأن هذه المقاربة أن تضع أرضية أكثر صلابة لمفاوضات المتابعة التي تتطلع إليها الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين. في هذا السيناريو لن يفقد أي من الطرفين نفوذه، بالنظر إلى أن الجانبين سيكونان قد أثبتا مدى السرعة التي يستطيعان بها استعادة هذا النفوذ.

ستتمثل نقطة بداية جيدة في جمع اللجنة المشتركة لخطة العمل الشاملة المشتركة لمجموعة 4+1 مع إيران في اجتماع 16 كانون الأول/ديسمبر، الذي ستتبعه جلسة على المستوى الوزاري. ورغم غياب إدارة ترامب، ينبغي على المشاركين الدخول في هذه المداولات بالتأكيد بوضوح وتصميم على مصلحتهم المشتركة في تعزيز الاتفاق القائم حالياً. ويمكنهم فعل ذلك عبر تحديد الخطوات التي سيترتب على إيران اتخاذها لتعكس انتهاكاتها القائمة حالياً بسرعة وبشكل قابل للتحقق، وكذلك أن تُعرض على إيران المساعدة التي قد تحتاجها لفعل ذلك، والمصادقة على رفع العقوبات الأميركية كشرط موجب لتحقيق الاستقرار في الاتفاق، والتعهد بفعل ما يستطيعون فعله لضمان توفير رفع العقوبات لمكاسب ملموسة. سيرسل مثل ذلك الإجراء إشارة قوية إلى الولايات المتحدة مفادها أنه إذا مضت إدارة بايدن، التي ستواجه دون شك معارضة داخلية لعودتها للانضمام إلى الاتفاق، بالتزام متجدد بالسير على هذا المسار، فإنها ستفعل ذلك بدعم دولي.

لكن حتى في سيناريو الوضع الأمثل، بالطبع، سيكون هناك عقبات كثيرة؛ إذ سيترتب على الولايات المتحدة وإيران الاتفاق، بين أمور أخرى، على تتابع الخطوات المتبادلة؛ وعلى العقوبات الأميركية التي سيتم رفعها؛ وما إذا كان سيتم الشروع في محادثات لاحقة، وحول ماذا. لكن ما سيرشدهم في ذلك سيكون على الأقل رغبة مشتركة بالتوصل إلى نتيجة بدلاً من المغامرة في المجهول. إن أي شيء بخلاف عودة متبادلة ونظيفة نسبياً إلى خطة العمل الشاملة المشتركة من المرجح أن يطلق سيلاً من المطالب من كلا الجانبين. في هذه الأثناء، ستظل العقوبات على إيران مفروضة بل ستتكثف؛ وسيتوسع برنامج طهران النووي.

إن أي محاولة سواء من قبل الولايات المتحدة أو إيران للتلاعب ببنود الاتفاق – ناهيك عن تغييرها بشكل جذري – استناداً إلى نظرية أنها تملك نفوذاً أكبر من نفوذ الطرف الآخر سيشكل مناورة خطيرة. في أفضل الأحوال، ستشكل خسارة لوقت ثمين. وفي أسوئها سترقى إلى تبديد فرصة ثمينة.

https://www.crisisgroup.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1