محمد العريان

 

لاجونا بيتش ــ بثبات وعلى نحو مؤكد لا لبس فيه، شرعت صناعة الخدمات المالية ــ والتي بها نتفاعل جميعنا فيما بيننا، سوءا كمقترضين أو مدخرين أو مستثمرين أو قائمين على التنظيم ــ في تحول يستغرق عِدة سنوات. وكانت هذه العملية، البطيئة في مستهل الأمر، مدفوعة بالتأثير المجمع الناجم عن مجموعتين من القوى الدائمة.

فمن ناحية، بدأت العوامل من أعلى إلى أسفل ــ التغير التنظيمي، والتسعير غير العادي، وما أسماه نورييل روبيني ببراعة "مفارقة السيولة" ــ تخلف تأثيرها. ثم هناك التأثيرات المخلة بالنظام القائم والتي ترشح إلى الأعلى من الأسفل: تفضيلات العملاء المتغيرة، وربما الأمر الأكثر أهمية، أصحاب الرؤى الدخلاء الذين يسعون إلى تحويل وتحديث الصناعة.

بدءاً من الأعلى، لا تزال القواعد التنظيمية تميل نحو الإشراف الأكثر إحكاماً على المؤسسات المالية التقليدية، وخاصة البنوك وشركات التأمين الضخمة التي تعتبر "ذات أهمية جهازية". وعلاوة على ذلك، سوف تمتد بشكل تدريجي الأطر التنظيمية التي أعيد تصميمها، والتنفيذ على مراحل، وتصعيد الإشراف، إلى قطاعات أخرى، بما في ذلك إدارة الأصول. وهذا من شأنه أن يساهم في المزيد من تعميم إزالة المخاطر داخل القطاعات الخاضعة للتنظيم، كجزء من تحرك أوسع نطاقاً داخل القطاع المالي نحو "نموذج المنافع العامة" الذي يؤكد على زيادة الاحتياطيات من رأس المال، والإقلال من الاستعانة بالروافع المالية (الإنفاق بالاستدانة)، وتعظيم الإفصاح، وفرض مبادئ توجيهية تشغيلية أكثر صرامة، وزيادة الإشراف والمراقبة بشكل كبير.

تعمل بيئة التسعير على مضاعفة تأثير القواعد التنظيمية الأكثر إحكاما. ومثلها كمثل المنافع العامة، تواجه المؤسسات المالية الراسخة قيوداً خارجية على سلطة التسعير، وإن لم تكن على النحو التقليدي. وبدلاً من الخضوع لتنظيمات الأسعار الصريحة والمبادئ التوجيهية، تعمل هذه المؤسسات في إطار نظام "القمع المالي" حيث ظلت أسعار الفائدة الرئيسية عند مستويات أدنى من المستويات التي كانت لتسود لولا ذلك. ويؤدي هذا إلى تآكل هوامش الفائدة الصافية، كما يفرض ضغوطاً على هياكل رسوم معينة، ويجعل بعض مقدمي الخدمة أكثر حذراً بشأن الدخول في علاقات مالية طويلة الأجل.

ونتيجة لهذين العاملين، تصبح المؤسسات الراسخة ــ وخاصة البنوك الضخمة ــ ميالة إلى تقديم خدمات أقل لعدد أقل من الأشخاص، على الرغم من تدفقات السيولة التي تزودها بها البنوك المركزية ("مفارقة السيولة"). ومن المتوقع أن توفر البنوك والتجار السماسرة قدراً محدوداً فقط من السيولة لعملائها إذا سعى عدد كبير منهم إلى إعادة ترتيب أوضاعهم المالية في نفس الوقت. ولكن الأمر لا يتعلق بهم فحسب. فالحقيقة أن مقدمي لكل المنتجات المالية الطويلة الأجل، وخاصة التأمين على الحياة ومعاشات التقاعد، لم يعد لديهم خيار هذه الأيام غير تبسيط عروضهم، بما في ذلك خفض تلك التي لا تزال تقدم ضمانات طويلة الأجل لعملاء يبحثون عن قدر أعظم من الأمان المالي.

وسوف يعمل التأثير الذي تخلفه هذه العوامل من أعلى إلى أسفل على صناعة الخدمات المالية على تضخيم أهمية العوامل من أسفل إلى أعلى تدريجيا. وبمرور الوقت، سوف تغذي هذه المجموعة الثانية من العوامل تقديم الخدمات بشكل أكثر مباشرة وكفاءة لمجموعة أوسع من المستهلكين، وهو ما من شأنه أن يساهم في إعادة تشكيل الصناعة ككل.

فبادئ ذي بدء، سوف تتطور توقعات العملاء مع تمثيل جيل الألفية لحصة متزايدة من الكسب، والإنفاق، والاقتراض، والادخار، والاستثمار. ومع تفضيل العديد من هؤلاء العملاء الجدد لأساليب حياة "موجهة ذاتيا"، فسوف يضطر مقدمي الخدمات المالية إلى التحول من عقلية دفع المنتجات إلى تقديم حلول أكثر شمولية تسمح بقدر أعظم من تكييف المنتج تبعاً لاحتياجات الأفراد. وسوف تضطر وظائف الاتصال في السوق أيضاً إلى تحديث نفسها مع توقع المزيد من العملاء لتفاعلات أكثر مصداقية وثباتا "في أي مكان وأي وقت وبأي طريقة".

ثم هناك تأثير العوامل الخارجية المخلة بالنظام القائم. وقد عبر جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لشركة جيه بي مورجان تشيس بشكل جيد في رسالته إلى حاملي الأسهم في عام 2015، مشيراً إلى أن "وادي السليكون" قادم. إن هؤلاء القادمون الجدد يريدون تطبيق حلول تكنولوجية ورؤى أكثر تقدماً من العلوم السلوكية على هذه الصناعة المربحة ولكنها كانت تميل إلى التقصير في خدمة عملائها.

وقد أثبتت شركة Airbnb، وشركة Uber، إن تعطل النظم القديمة بفِعل صناعة أخرى قوي بشكل خاص، لأنه ينطوي على تمكين التغيرات البنيوية المعززة للكفاءة والتي تعتمد على كفاءات واستراتيجيات جوهرية تفتقر إليها الشركات القائمة. والواقع أن العديد من الشركات الأخرى (على سبيل المثال، شركة Rent the Runway، التي تقدم إيجارات قصيرة الأمد لأرقى منتجات الأزياء) تسعى إلى القيام بنفس الشيء. وسواء كانت منصات النظير إلى النظير أو التمويل الحاشد، فإن عوامل تعطيل النظام الخارجية بدأت تؤثر بالفعل على هامش التمويل، وخاصة في خدمة أولئك الذين همشتهم من قبل الشركات التقليدية أو أولئك الذي فقدوا الثقة فيها.

وسوف تكون النتيجة النهائية صناعة تخدم الناس عبر قائمة أكبر من الحلول المخصصة تبعاً لاحتياجات الأفراد. ورغم أن الشركات التقليدية سوف تسعى إلى التكيف في محاولة للحفاظ على هيمنتها، فسوف تواجه أغلبها التحدي المتمثل في "التعطيل الذاتي" لفِكرها ونهجها التشغيلي. ورغم أن الشركات الناشئة سوف تقدم خدمات أفضل، فإنها لن تتمكن بسهولة من التغلب بشكل فوري وحاسم على الجمود المؤسسي والتنظيمي الذي يعمل على ترسيخ مكانة الشركات التقليدية في السوق. ونتيجة لهذا، يصبح انتشار وتكاثر مقدمي الخدمات المالية أمراً مرجحا، في ظل آفاق مشرقة بشكل خاص بالنسبة للشراكات المؤسسية التي تجمع بين المنصات القائمة الأكثر رشاقة ومحتوى جديد وأساليب أكثر إثارة.

* رئيس المستشارين الاقتصاديين في اليانز وعضو في اللجنة التنفيذية الدولية، كما يرأس مجلس التنمية العالمية للرئيس باراك أوباما

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0