بقلم: يوشكا فيشر

برلين ــ كانت جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19 COVID-19) شديدة القسوة في الكشف عن نقاط الضعف التي تعيب المؤسسات التي تعتمد عليها الغالبية العظمى من سكان العالم. ويشمل هذا الحكومات الوطنية والنظام الدولي. ومن غير المرجح أن تنجو الحكومات ولا مؤسسات النظام الدولي في هيئتها الحالية من الأزمة ــ ولا ينبغي لها أن تنجو.

قبل وقت طويل من إعلان معلقين فَـطِنين عن وصول "الأنثروبوسين" ــ عصر جيولوجي يتسم بسيطرة الجنس البشري على الطبيعة ــ كان من الحقائق البدهية في الاقتصادات الصناعية المتقدمة أن العالَم أصبح خاضعا لسيطرتنا المطلقة. ثم أتى كائن مجهري، ومعه صدمة عالمية. فعلى الرغم من كل معارفنا العلمية وقدراتنا التكنولوجية، كانت اليد العليا لكوفيد-19، على الأقل في الوقت الحاضر.

وما زاد من جسامة المفارقة أن الدول الأكثر تقدما وقوة كانت بين أقل الدول استعدادا للجائحة. فبعد أن أنفقت مئات المليارات من الدولارات على البحث والتطوير، أصبحت تمتلك أقوى التكنولوجيات وأعتى الجيوش في العالم، لكنها لم تأخذ على مـحمل الجد الخطر المتمثل في احتمال قدوم التهديد الكبير التالي من الطبيعة. نحن نعلم الآن أن هذا كان خطأ ينطوي على أبعاد تاريخية. وما بدا وكأنه غير محتمل ولا يُـصَـدَّق يحدث الآن أمام أعيننا ببساطة؛ فقد حَـطَّـت أم جميع البجعات السوداء. (البجعة السوداء حدث بعيد الاحتمال للغاية).

للوهلة الأولى، يبدو الأمر وكأن أزمة كوفيد-19 تعمل على تعزيز وتقوية المؤسسات القائمة. فقد اضطلعت الدولة القومية التقليدية بالمهمة العاجلة المتمثلة في احتواء الفيروس وتداعياته الاقتصادية، ولم تلعب مؤسسات ما بعد الحرب المتعددة الأطراف سوى دور داعم. وحتى في أوروبا، تقود الدول القومية، وليس الاتحاد الأوروبي، الكفاح ضد الجائحة.

مع ذلك، يشير هذا إلى اعتقاد خاطئ بوضوح. يتألف النظام الدولي من دول متنوعة الأحجام إلى حد كبير، بدرجات متفاوتة من القوة، لكنها جميعا تحتضن الأسطورة القديمة المتمثلة في السيادة الوطنية. الواقع أن هذا النظام، كما نعرفه، نشأ من رماد حروب أوروبا الدينية في القرن السابع عشر، وعمل على تعزيز ذاته من خلال الاستعمار ثم إنهاء الاستعمار (الذي كان ذاته رِدة فعل متولدة عن دول قومية جديدة).

في النصف الأول من القرن العشرين، أظهرت صدمة حربين عالميتين وقدوم العصر النووي الاحتياج إلى إصلاح جذري للنظام الدولي. وكان الإبداع الرئيسي متمثلا في إنشاء الأمم المتحدة كـثِـقَـل موازن لمطالبات الدولة القومية. وأصبح المنهج العابر للحدود الوطنية روح العصر الجديدة: فكان من المتوقع من جميع الدول القومية أن تكبح نزعتها الأنانية وتصون السلام والتعاون من خلال إطار من المؤسسات العالمية.

على أرض الواقع، لم تُـسَـلَّـم السلطة إلى الأمم المتحدة. بل لا تزال حِكرا على القوى العظمى في العالم، أي الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. نتيجة لهذا، استقر النظام الدولي لعقود من الزمن على حل وسط ضمني بين القومية والنهج العابر للحدود الوطنية، حيث عملت أميركا ومارست مهمة الحماية ضمن الإطار المتعدد الأطراف. ولكن منذ تولى الرئيس دونالد ترمب منصبه، لم تعد الولايات المتحدة تشعر أنها ملزمة أو مقيدة بأي واجب تجاه أي شيء.

كما تَـصَـادَف، تزامنت الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية أيضا مع دخول العالَم حقا إلى عصر الأنثروبوسين، واحتضانه الكامل لفكرة التقدم المادي الذي يحركه الإنسان على المستوى العالمي. وعلى مدار العقود التي تلت ذلك، تزايد عدد سكان العالم بشكل هائل، من نحو 2.5 مليار إنسان إلى ما يقرب من ثمانية مليارات اليوم.

لكن حقبة الأنثروبوسين كانت أيضا فترة انقراض جماعي. فمع اتجاه المزيد من أجزاء العالم إلى التصنيع، ارتفعت مستويات استهلاك الموارد الطبيعية إلى عنان السماء. وكانت إحدى النتائج التي ترتبت على ذلك أن بلغ الانحباس الحراري الكوكبي الذي تحدثه أنشطة بشرية مرحلة بالغة الخطورة قبل أن نبدأ حتى في تنظيم استجابة مناسبة.

في الوقت ذاته، قادتنا تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الجديدة، والتغيرات التي طرأت على توزيع العمل، وصعود سلاسل القيمة العالمية، إلى حالة متزايدة الشدة من الاتكالية المتبادلة. ولكن الآن وقد تسبب الفيروس في إيقاف حركة العالم بأسره، بدأنا ندرك أن الاقتصاد الذي تقوده العولمة أشبه بسيارة سباق عالية الأداء: لكنها شديدة الهشاشة رغم كفاءتها العالية.

بالنظر إلى المستقبل، لن تكون الدولة القومية التقليدية ــ حتى تلك التي تتمتع بقوة كقوة الولايات المتحدة أو الصين ــ قادرة على إدارة عالَم مترابط يضم أكثر من ثمانية مليارات إنسان. الواقع أن تعريف أفق مصالح الدولة القومية ضيق للغاية. وسوف تركز النزعة الأنثروبوسينية بشكل متزايد حتما على المصالح المشتركة للبشرية، وخاصة مسألة استمرارها في البقاء. توضح جائحة كوفيد-19، والتي يتطلب التصدي لها تنسيقا دوليا في نهاية المطاف، أن المصالح الوطنية يجب أن تنحسر في الخلفية في النهاية. وسوف تكون الأزمات التي تلوح في الأفق بـفِعل تغير المناخ أكبر كثيرا، وعواقبها لا رجعة فيها ولا يمكن إصلاحها.

في حين سيظل من غير الممكن الاستغناء عن الدولة القومية في توفير الحكم الرشيد والمساهمة في الجهود العالمية، فإن مبدأ القومية لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأزمات الجهازية في المستقبل. ومن الأهمية بمكان أن يأتي في أعقاب الجائحة عصر جديد من التعاون الدولي وتعزيز قوة المؤسسات المتعددة الأطراف. وينطبق هذا على أوروبا على وجه الخصوص.

الحق أننا في احتياج الآن، أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة روح عام 1945. نحن في احتياج إلى القدوة من القوتين العظميين في القرن الحادي والعشرين، أميركا والصين، وعلى هذا فيتعين عليهما أن يسارعا إلى دفن كل مظاهر التنافس بينهما وتوحيد البشرية حول استجابة جماعية للأزمة الحالية، وغيرها من الأزمات التي تنتظرنا. كما تعلمنا من جائحة كوفيد-19، فإن النظام الدولي القديم لم يعد قادرا على ضمان سلامة البشرية وأمنها. ونحن لا نملك تَـرَف الاضطرار إلى تعلم ذات الدرس مرتين.

* يوشكا فيشر، وزير خارجية ألمانيا ونائب مستشارها أثناء الفترة 1998-2005، وأحد زعماء حزب الخُضر البارزين لمدة تقرب من العشرين عاما
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0