بقلم: جان فيرنر مولر

برينستون- لا شك أن فيروس كورونا يمثل حالة طوارئ عالمية. ولا شك أيضًا أن الحكومات ستَستخدم هذا الطوارئ لتعزيز سلطاتها. وربما لن يتخلى بعضها عن سلطاتها الجديدة، بمجرد أن يزول التهديد.

إن من الأهمية بمكان أن تتوافق أحزاب المعارضة، على نحو أوسع، مع الإجراءات المتخذة لمعالجة ما أزمة القرن، على ما يبدو، في قطاع الصحة العامة. ولكن يجب ألا يُطمس الخط الفاصل بين الحكومة والمعارضة باسم "الوحدة الوطنية". ولا ينبغي وصف انتقاد قادة المعارضة بأنه "اقتتال داخلي" غير شرعي. ويتعين تعزيز الآليات التي تسمح للمعارضين بمساءلة الحكومات، لا إضعافها.

إن للطوارئ تأثيران: ففي الدول الديمقراطية، تركز هذه الطوارئ السلطة في السلطة التنفيذية. إذ عادة ما يعتمد القادة الذين يدعون سلطات جديدة على دعم المواطنين. حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان أداؤه كارثيًا منذ البداية، يستفيد من ديناميكية الالتفاف حول العَلم.

أما التأثير الآخر فإن ضرره يبدو أكثر وضوحا: إذ في البلدان المهددة بالفعل بما يسميه بعض علماء الاجتماع الآن بـ"التحول إلى الأوتوقراطية" (عكس التحول الديمقراطي)، يستخدم القادة أزمة كوفيد-19 للتخلص من العقبات المتبقية، التي تحول دون حكمهم الدائم.

إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بصدد تنصيب نفسه رئيساً مدى الحياة. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فهو بصدد إضعاف الكنيست، والمحاكم. ويمكن لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، رائد "الاستبداد" في الاتحاد الأوروبي، أن يحكم الآن بمقتضى مرسوم، ويريد تعليق الانتخابات، والاستفتاءات، ومنح الحكومة سلطة سجن الصحفيين.

ويستحضر الكثير من السلطويين أزمات زائفة. وفي أزمة حقيقية، يمكنهم اتخاذ إجراءات تبدو مبررة تمامًا للقضاء على المعارضين. إذ استُخدم التشريع الذي سُن لمكافحة الإرهاب في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 على الولايات المتحدة، على نحو روتيني، لقمع الأشكال المشروعة من المعارضة السياسية.

وما يميز وباء فيروس كورونا هو أن إحدى الطرق الأوضح للاحتجاج ضد الحكومات معطلة. فعندما أعلن بوتين إدخال تغييرات على الدستور، تمكن من حظر المظاهرات، لأنها ستسمح للفيروس بالانتشار. وعندما يتخلى أوربان عن الانتخابات، يمكنه القول أن المباعدة الاجتماعية لا تتوافق مع إجراء يدعو الجميع إلى القدوم إلى نفس المكان في نفس اليوم. إن الاحتياطات المعقولة كليا تسمح للأوتوقراطيين بالمضي قدمًا دون اعتراض من أحد.

ما العمل إذاً؟ في الديمقراطيات الناجحة، يجب أن تستمر البرلمانات، والمحاكم في العمل. ولكن إذا تمكن قطاع الأعمال، والأوساط الأكاديمية من التنقل عبر الإنترنت، فلا يوجد سبب يمنع هذه المؤسسات من اعتماد "الديمقراطية عن بعد".

ويجب على البرلمانات- التي تتهاوى سلطتها لصالح المديرين التنفيذيين في العقود الأخيرة- أن تقبل الحكم الانتقائي بموجب مرسوم لفترة محدودة للغاية، وفقط في ظل الظروف حيث تشوب الحكم المنظم بقانون تقليدي، عيوب كبيرة في التعامل مع الأزمة. وفي حين أن الحكم بالقانون، على عكس المرسوم، قد يكون صعبًا عندما يجب العثور على اللقاح بسرعة، واستخدام الموارد بسرعة، لا يوجد على الإطلاق أي سبب لتعليق سيادة القانون نفسها (على عكس ما يراه منظّرو حالات الطوارئ البارزون، كما كان يقول رجل القانون الألماني، كارل شميت، لفترة طويلة).

والأهم من ذلك، ينبغي للمعارضة دعم الحكومة، وتقديم البدائل أيضًا، وقبل كل شيء، محاسبة الحكومة محاسبة صارمة. وغالبًا ما تُنسى مدى أهمية إضفاء الطابع المؤسسي على دور المعارضة في الديمقراطية.

وتختلف آليات القيام بذلك. وهي تشمل إجراءً يمكّن قادة المعارضة من الرد فورًا على خطابات الوزراء، وتضخيم الاختلافات، وعرض بديل؛ وتشمل أيضا عتبات منخفضة لإنشاء لجان تحقيق؛ ويتضمن أيام المعارضة، حيث يضع الخاسرون في الانتخابات جدول أعمال البرلمان؛ بل يشمل أيضا تثبيت شخصيات المعارضة بصفتهم رؤساء للجان المهمة (حيث يُنجز الكثير من العمل الحقيقي للبرلمانات). إن الحكومة، أيا كانت، مخولة أن تسلك طريقا تختاره، ولكن في جميع مراحل هذه الطريق، يجب أن يكون للمعارضة رأيها.

واقترحت رئيسة الوزراء النيوزيلندية، جاسيندا أرديرن، حلاً معقولاً في مواجهة الحجر، والتعليق المؤقت للبرلمان. وبدلاً من أن يكون لها ائتلاف كبير، أو أن تخفي كل الخلافات المشروعة مع خطاب "الوحدة الوطنية" غير المشروطة، فقد اقترحت لجنة مختارة برئاسة زعيم المعارضة، يمكنها محاسبة الحكومة.

وللحيلولة دون أن تصبح تدابير الطوارئ دائمة -خاصة بمجرد تحول انتباه الرأي العام إلى مكان آخر- دعا أستاذ القانون الأمريكي، بروس أكرمان، إلى الآلية البارعة لـ"المصعد الحائز على الأغلبية الساحقة": إذ يمكن تجديد القوانين والمراسيم بانتظام، ولكن فقط إذا وافقت أغلبية على القيام بذلك بأعداد أكبر من أي وقت مضى. وسيركز هذا النقاش السياسي على مسألة ما إذا كان من الممكن العودة من الطبيعة الجديدة إلى السابقة. وعلى وجه الخصوص، من شأنه أن يسلط الضوء على حماية الحقوق الأساسية (فكر في محاولة إدارة ترامب، وحكومة رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، المطالبة بسلطات احتجاز المواطنين أثناء الوباء).

وماذا عن الأوتوقراطيين؟ يجب على قادة المعارضة، والمجتمع المدني استغلال كل الفرص التي ما زالت لديهم للمقاومة. وبغض النظر عما يقومون به، فإنهم سوف يسيئون إلى الحكومات التي كانت، حتى قبل الأزمة الحالية، غالبا ما تتهم من يخالفها بخيانة الأمة.

والأهم من ذلك، أنه في حين أن الاهتمام الدولي بأي شيء آخر غير كوفيد-19 ضعيف في الوقت الحالي ، فإنه لا يزال من الأهمية بمكان التحدث ضد أتباع بوتين، وكاتشينسكي، وأوربان في العالم. وللأسف، سوف يعلم مواطنوهم، في وقت قريب كيف أن حكوماتهم الفاسدة لم تمول الرعاية الصحية تمويلا كافيا. وفي ظل هذه الظروف، من الأهمية بمكان أن تراقب مؤسسة مثل المفوضية الأوروبية عن كثب إجراءات الطوارئ في دول الاتحاد الأوروبي.

* جان فيرنر مولر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة برينستون وزميل في معهد العلوم الإنسانية في فيينا، من كتبه: ما هي الشعبوية، وأيضا كتاب: الخوف والحرية
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8