جيمس جيفري

 

أعادت الحكومة الأمريكية في الأيام الأخيرة خلط أوراق اللعبة بشكل جذري في الشرق الأوسط عبر توقيع اتفاق إطار مع إيران، لكنها وطدت في الوقت نفسه علاقات الولايات المتحدة مع حلفائها التقليديين في المنطقة -بدعمها القوة العربية التي تقودها المملكة العربية السعودية في اليمن، ورفعها القيود على تسليم الأسلحة لمصر، وشنها غارات جوية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» («داعش») أو «الدولة الإسلامية» في تكريت- العراق بعد أن فشلت جهود إيران هناك، واستدعائها دول الخليج العربي إلى كامب ديفيد. وإذا أجادت الولايات المتحدة استخدام أوراقها بحنكة، فبإمكانها الاستفادة من هذه التطورات لإرساء الاستقرار في المنطقة وتصحيح بعضٍ الأخطاء التي ارتكبتها سابقاً. إن عدم القيام بذلك سيؤدي إلى نشوء حالة من التراجع المستمر. وبالتالي فإن الخطوة الأولى نحو النجاح تتمثل باستيعاب الواقع الكامن في الشرق الأوسط ثم إيجاد وسيلة لدمج هذا الاتفاق في ذلك الواقع بما يصب في مصلحة الوضع الأمني.

وبالتالي لا يعتبر الاتفاق النووي سوى جزءاً من الطبوغرافيا السياسية في الشرق الأوسط: أي نظام دولة قومية أصبح ولاء مواطنيها عرضة للخطر، وحركاتٌ إسلامية تسعى إلى إحداث تغيير جذري في المجتمعات تنادي بإنهاء هذا النظام، وإمكانية أن تدخل أبرز اثنتين من هذه الحركات -أي تنظيم «الدولة الإسلامية» السني والجمهورية الإسلامية الإيرانية الشيعية- بخطوات متعثرة في صراعٍ إقليمي طائفي. وبما أن تطرّف «داعش» بالغٌ إلى درجة تستوجب قوة عسكرية للتصدي له، يبقى التحدي الفعلي أمام أصحاب الحنكة السياسية هو التعامل مع إيران من خلال مقاومة هيمنتها وتغيير سلوكها.

فلنبدأ من اتفاق الإطار النووي: لنضع جانباً المفاوضات الصعبة التي ستعقد لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، والنقاط الغامضة التي يتضارب حولها التفسيران الإيراني والأمريكي لهذه الصفقة. فالمهم هنا هو أن هذا الاتفاق هو "الحل الأقل سوءاً"، إذا بدت النسخة النهائية منه مماثلة لورقة الوقائع الصادرة عن البيت الأبيض. لقد نجحت إيران، بالرغم من العقوبات الحالية، في الإبقاء على برنامجها النووي الحالي لسنوات، ولا يزال بوسعها الاستمرار بذلك. كما أن التأييد الدولي الواسع الذي تستلزمه أي عقوبات أكثر صرامة كان موضع شك قبل الاتفاق، وأصبح معه ببساطة ضرباً من المستحيل. ولن تصل الأعمال العسكرية ضد إيران إلى حد شن "حرب" على الرغم من التحذيرات المتواصلة التي توجّهها إدارة الرئيس أوباما، لكنه سيتوجب تكرار هذه الأعمال بعد بضع سنوات وسوف تؤدي إلى نوعٍ من التصعيد الإيراني. وفي النهاية، ونظراً إلى التقليص الكبير في القدرات الإيرانية بموجب الاتفاق، وإلى التأييد الدولي، سيواجه الكونغرس صعوبة كبيرة في إحباط الاتفاق، ولكنه إذا حاول ذلك سيدمّر مصداقية أمريكا في الساحة الدولية وسيؤدي إلى فشل استراتيجية احتواء إيران.

بالنتيجة، وبما أنه لا مفر من هذا الاتفاق، فالسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي العناصر الجوهرية لاستراتيجيته الجغرافية؟ لننسَ الأرقام كلها، باستثناء مدة السنة الواحدة المحددة لتجاوز العتبة النووية. وهذه العناصر هي أن إيران: أولاً تحتفظ بمركزها كدولة تقف على العتبة النووية، وثانياً تستفيد في مرحلة ما من تخفيف العقوبات عنها بشكل شبه كامل، وثالثاً تهرب من مسؤوليتها الرسمية عن انتهاكاتها لـ "معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية" بسبب سعيها لإنتاج الأسلحة النووية ومواقعها النووية السرية وذلك من خلال الاحتفاظ بكامل بنيتها التحتية النووية، حتى لو خضعت لتعديل هائل، والقبول بشرط مبهم يتطلب منها توضيح أبحاثها في مجال الأسلحة النووية -وهو شرطٌ سبق لها التملص منه. بذلك لا تحفظ إيران "ماء الوجه" فقط- الأمر الذي زعمت الإدارة الأمريكية أنه ضروري للتوصل إلى اتفاق -إنما تتفادى كذلك اضطرارها لتقرر ما إذا كانت-على حد القول الشهير لوزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر- دولة (وبالتالي مسؤولة بموجب القانون الدولي) أو قضية (تلبي دعوة سماوية).

وفي المقابل، يحصل المجتمع الدولي أولاً على تعديل في الوقت اللازم لتجاوز العتبة النووية وإنتاج جهاز نووي من بضعة أشهر إلى سنة واحدة تقريباً، وهذه ميزة مهمة؛ وثانياً، يحق لـ"الوكالة الدولية للطاقة الذرية" إجراء عمليات تفتيش أوسع نطاقاً وأكثر عمقاً، الأمر الذي يفترض أن يفضح للعلن أي مسعى لتجاوز العتبة النووية بشكل شبه فوري.

والجدير بالذكر أن "مكتسبات" الطرفين مترابطة وستشكل محفزاً للعلاقات الإقليمية على مدى سنوات. وقد تجادل الإدارة الأمريكية بأن الامتناع عن تحميل إيران مسؤولية انتهاكاتها لـ "معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية" سيشجعها على التحول إلى دولة طبيعية. وربما هذا صحيح، إلا أن تجنب المحاسبة على ازدراء إيران بالمعايير الدولية سيشجع إيران كـ "قضية" لا محال على استخدام مكانتها كدولة تقف على العتبة النووية بطريقة أو بأخرى إلى حد تجاوز هذه العتبة من أجل توسيع هيمنتها الإقليمية، ما يعني أن مخالفة الاتفاقيات مرة واحدة من دون محاسبة تشجع على مخالفتها مرة ثانية. وبدوره، سيحظى المجتمع الدولي بإنذار مبكر بأي محاولة من هذا النوع، بالإضافة إلى الوقت الكافي للرد على ما يبدو - أي عام [واحد].

من هنا، يعتبر هذا الرد الجانب الأهم من الاتفاق بأكمله. فهذا الاتفاق لن يجدي نفعاً من الناحية الجغرافية الاستراتيجية إذا لم يتّضح لجميع الأطراف، بما فيهم الإيرانيين، أن المجتمع الدولي سيعمل بحزم وسيلجأ إلى كافة الوسائل الضرورية للتصدي لأي جهاز نووي. ولا بد أن يكون توضيح هذا الأمر المهمة الأولى للإدارة الأمريكية، ليس فقط لضمان الالتزام بالاتفاق، بل لتدارك المعارضة التي يبديها الكثيرون في الكونغرس تجاه الاتفاق.

إلا أن الإدارة ألمحت مراراً وتكراراً إلى أن الاتفاق النووي سيشجع إيران على التقدم لتصبح "دولة طبيعية". إذ لا يمكن استبعاد الاحتمال بأن تحوّل إيران مسارها نحو الصفة الطبيعية. لكن باستثناء حالة ألمانيا واليابان بعد هزيمتهما الساحقة، نادراً ما تحدث مثل هذه "الانقلابات"، وحتى أن وضع الصين ليس مضموناً في النهاية. لهذا السبب يجدر بالمجتمع الدولي أن يواصل احتواء إيران، وإذا لزم الأمر، مواجهتها من خلال تحالفات الولايات المتحدة الإقليمية المعتادة. ومن المحتمل أن يرد البيت الأبيض على ذلك بقوله أن هذه السياسة ستقوّض عملية التحول الإيرانية، على الرغم من كثرة التحذيرات -والتي كانت آخرها من قبل نائب المدير السابق لـ "وكالة المخابرات المركزية" الأمريكية مايك موريل في صحيفة "واشنطن بوست" في 5 نيسان/أبريل- حول استبعاد هذا التحول.

وعلاوة على ذلك، إذا كان الضغط الأمريكي على طهران للالتزام بالاتفاق أو القبول بتنازلات بشأن نزاعات تحدث بعيداً عن إيران قادرٌ لوحده أن يقوّض هذا التحول الاجتماعي والسياسي -وحتى الديني- المذهل، فمن المرجح إذاً أن لا يملك هذا التحول جذوراً كافية للاستمرار. وإذا واصل «الحرس الثوري» الإيراني وغيره من القوات المعادية للأجندة الإصلاحية التي يتبناها رئيس الجمهورية حسن روحاني بتحقيق الانتصارات في منطقة الشرق الأوسط بلا رادع، ستقوى رؤيتهم لإيران كـ "قضية" بدلاً من أن تضعف.

لذلك فإن أفضل طريقة لتعامل الإدارة الأمريكية مع الخيارات المتعلقة بتطور إيران، بما في ذلك إمكانية تحولها إلى دولة طبيعية، هي المواظبة بعزم على التصدي لسلوك إيران كـ "قضية". ويبدأ هذا التصدي بتعزيز الخطوات التي اتخذت الأسبوع الماضي لتوطيد العلاقات مع شركاء أمريكا العرب.

غير أن الخطوة الأهم لاحتواء إيران، وتحقيق الاستقرار في المنطقة، وكسب التأييد للاتفاق النووي هو التهديد مسبقاً باستخدام القوة إذا خالفت إيران هذا الاتفاق. وقد تجادل الإدارة الأمريكية بهذا الخصوص بأن هذه هي سياستها المعلنة، إلا أن كلمات الرئيس الأمريكي لا تلقى أي صدى هنا نظراً لرده على الأسلحة الكيميائية السورية وتحذيراته المستمرة ضد [الانجرار إلى] "حرب" مع إيران. ويجدر بالكونغرس أن يمد يد المساعدة من خلال إقرار تفويض مسبق باستخدام القوة العسكرية ضد إيران إذا ما انتهكت [الاتفاق النووي]، وينبغي على الرئيس الأمريكي أن يحدد ما هو الخط الأحمر، إذا اخترق، الذي من شأنه أن يثير رد فعل عسكري. ويمكن لهذه الخطوات أن تبدد المعارضة الأمريكية للاتفاق وتردع الحلفاء الإقليميين من "التصرف بأنفسهم".

أما الحجة المحتّمة بأن هذه الخطوة الأمريكية قد "تقوض" الاتفاق أو تحبط التحول الإيراني، فجوابها واضح: قد يستوجب الاتفاق أن تدّعي الولايات المتحدة بأن إيران دولة مسؤولة تحترم القانون الدولي، لكن أي انتهاك إيراني لبنود الاتفاق سيثبت بشكل قاطع بأنها قضية غير مستعدة للالتزام باتفاقياتها أو للتوقف عن زعزعة الاستقرار في المنطقة، ما يستدعي بالتالي من الولايات المتحدة أن تغيّر نهجها.

* جيمس جيفري هو زميل زائر متميز في زمالة "فيليب سولوندز" في المعهد وسفير الولايات المتحدة السابق في العراق وتركيا

...........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0