تُشكّل مداولات الصدر الأخيرة عن إخفاقات المنظومة السياسية الطائفية العراقية وأطلق دعوات من أجل الإصلاح واسع النطاق، تحوّلاً بعيداً عن الطائفية التي عاثت فساداً في البلاد. وهو تأثّر بالمظالم المشتركة، فأخذ على عاتقه تحدّي المصالح المتجذّرة للنخب السياسية في البلاد. واليوم، يؤدّي بصورة مطّردة...

مهيار كاظم

يحاول رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، 44 عاماً، إحداث تحوّل في السياسة العراقية. وهو بتحدّره من إحدى الأسر الدينية المرموقة في البلاد، يتمتع بمكانة يُحسَد عليها كزعيم للفقراء الشيعة في العراق. القائد الشاب هذا هو نجل العالم الراحل آية الله العظمى محمد صادق الصدر، وقد صعد نجمه في ظل الاحتلال الأميركي، وأصبح من أبرز الشخصيات السياسية في البلاد. يرفع الصدر لواء مكافحة الفقر والسياسات ذات المنحى العلماني، وهو موضع تقدير شديد من شريحة واسعة من المجتمع العراقي.

 تُشكّل مداولات الصدر الأخيرة، التي كشف فيها عن إخفاقات المنظومة السياسية الطائفية العراقية وأطلق دعوات من أجل الإصلاح واسع النطاق، تحوّلاً بعيداً عن الطائفية التي عاثت فساداً في البلاد. وهو تأثّر بالمظالم المشتركة، فأخذ على عاتقه تحدّي المصالح المتجذّرة للنخب السياسية في البلاد. واليوم، يؤدّي بصورة مطّردة دور رجل الدولة الوطني، عبر العمل على بناء تحالفات وطنية وإقليمية، ولاسيما مع السعودية، كما أنه يمدّ يده إلى مجموعات علمانية وسنّية في العراق. ومن خلال العزف على وتر وطنيةٍ عراقية منبعثة من جديد، يُهدّد الصدر المنظومة السياسية الطائفية.

يتشكّل الائتلاف الانتخابي "سائرون"، الذي أُنشئ لخوض الانتخابات البرلمانية في أيار/مايو من هذا العام، من مرشّحين اختارهم الصدر، ومن الحزب الشيوعي العراقي، ونشطاء سياسيين علمانيين. وتساهم الجهود التي يبذلها الصدر من أجل التصدّي لقبضة النخبة الشيعية على الدولة العراقية، وكبح النفوذ الإيراني الزاحف في البلاد، في ترسيخ موقعه في العراق كشخصية إصلاحية مناهضة للمؤسسة الحاكمة.

لم تظهر، منذ العام 2003، فرصة مماثلة كهذه للإصلاح السياسي. فهزيمة التنظيم الذي يُطلق على نفسه الدولة الإسلامية، واستعادة الحكومة المركزية السيطرة على الأراضي التي كانت خاضعة لحكومة إقليم كردستان، وتعزيز الجيش الوطني، وتحسُّن العلاقات مع الجيران العرب، كل ذلك ساهم في ظهور آفاق إيجابية في العراق. لكن، في حين أن السياسة في البلاد تشهد تغيّراً، بقيت أمورٌ أخرى كثيرة على حالها ولم تتحسّن بالنسبة إلى العراقيين. إذ لايزال تأمين الخدمات الأساسية من قبل الدولة في وضع مزرٍ جداً، وأصبحت المؤسسات الرئيسة الكبرى جوفاء بسبب الفساد المستشري منذ سنوات. وتُولِّد البنى التحتية المتداعية في البلاد – والتي لم تشهد أي تقدّم لافت – ضيقاً في أوساط قاعدة الصدر من الفقراء الشيعة والشعب العراقي، الذين لاتزال ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية ترزح تحت وطأة مستويات مروّعة من الإفقار. ووفقاً للحكومة العراقية، 33 في المئة من الفقراء في العراق محرومون من الوصول إلى مياه شفة آمنة، و29 في المئة من الفقراء الذين يبلغون سن العاشرة وما فوق، أمّيون. وفي تطوّر قد يشكّل نقطة تحوّل أساسية، ربما تسلّط خطوات الصدر المقبلة الضوء على طبيعة مستقبل العراق.

لا يرضى بأقل من إصلاح جذري

برزَ التيار الصدري – وهو عبارة عن شبكة من المنظمات الدينية والسياسية والعسكرية والاجتماعية – بعد الاجتياح الأميركي للعراق في العام 2003. ومع انهيار السلطة وتداعي الدولة العراقية، رصّت شرائح واسعة من الفقراء الشيعة صفوفها تحت راية هذا التيار الواسع من أجل إثبات وجودها في مرحلة من التغيير الجذري. وقد سعى الصدر، الذي استُبعِد في البداية من توليفة النخبة الحاكِمة في العام 2003، إلى إشراك تياره في السياسة الناشئة العراقية لتمثيل القاعدة الجماهيرية التي ورثها عن والده الذي كان شخصية شيعية وازِنة تحظى بتقدير كبير، والذي اغتاله نظام الرئيس السابق صدام حسين في العام 1999. وأدّى لجوء التيار الصدري إلى العنف من أجل إثبات وجوده في مرحلة حسّاسة خلال تشكُّل السياسة العراقية بعد العام 2003، إلى خوض معارك ضارية مع القوات الأميركية.

لم يتأخّر الصدر، بكونه زعيماً سياسياً ناشئاً، في إدراك حجم النفوذ الذي يمكن أن يمنحه ملايين الفقراء الشيعة لتياره. وهكذا، تطوّرت سياسة التيار الصدري وأصبحت مترابطة ترابطاً وثيقاً مع أوضاع المجتمعات الشيعية المهمّشة في العراق.

يعتبر الصدر أن السياسة الطائفية وكذلك الإسلام السياسي خذلا الشعب العراقي. وبعدما كان قد انخرط سابقاً في السياسة الرسمية العراقية – القائمة على المحاصصة الطائفية وتوزيع مؤسسات الدولة على الأحزاب السياسية المتنافسة – يقول الآن إن إجراء إصلاح جذري للمنظومة السياسية هو السبيل الوحيد لإنقاذ العراق من دورة التقلبات المتواصلة. تعكس مثل هذه الدعوات للتغيير صدى التململ والغضب المتفشّيين على نطاق واسع في أوساط العراقيين، كما تُتيح الأجواء السياسية الناشئة في العراق فرصةً من أجل إعادة هيكلة السياسة وترسيخ عملية الانتقال من الحرب إلى السلم.

إحدى الركائز الأساسية في انتقاد الصدر للنخب السياسية العراقية، يكمن في الإقرار بفشل النظام السياسي وأحزاب الإسلام السياسي. وهذا الانتقاد ينمّ عن قدر كبير من التأمل الذاتي، خاصة حيث كان حضور الصدر السياسي في مجلس النواب في إطار كتلة الأحرار، مسؤولاً جزئياً عن الفساد المنهجي الذي حال بشكل واضح دون التأمين الفعلي للخدمات الأساسية الملقاة على عاتق وزارات أساسية كبرى. وفي حين أن العوائد الريعية المستمَدّة من فساد الحكومة والتلاعب بمؤسسات الدولة ساعدت التيار الصدري على النمو خلال الأعوام القليلة الماضية، أدّت الحرب على الدولة الإسلامية إلى استنزاف موارد الدولة، فبات التيار الصدري عاجزاً عن إعادة تدوير هذه الموارد لتأمين خدمات الرعاية الأساسية للفقراء في العراق.

يستند البقاء السياسي للصدر إلى مواجهة التحديات الاجتماعية في العراق، وهي تحدّيات هائلة بالفعل. وفي هذا السياق، يندرج كلام الصدر عن الوطنية العراقية وعن بناء دولة عراقية أقوى. ففي رأيه، ستبقى أوضاع الفقراء في العراق على حالها في غياب مؤسسات حكومية فاعلة ومركزية. لقد طالب الصدر، في مقابلات أُجريت معه مؤخراً، بدولة مركزية قوية قادرة على تجاوز التحديات الطائفية ودورات اللااستقرار.

التيار الصدري في حالة تقلّب

التيار الصدري شبكة منتشرة في مختلف أنحاء البلاد، ومؤلّفة من فاعلين سياسيين واجتماعيين ودينيين وعسكريين. ونظراً إلى حجمها الضخم، تضم الشبكة عدداً كبيراً من المنظمات التي يرتبط قادتها، بطريقة أو بأخرى، بالسلطة الدينية لآل الصدر. لقد كان بثّ الانضباط التنظيمي من أصعب التحديات التي اضطر الصدر إلى التعامل معها، ومستوى سيطرته على هذه المنظمات هو من السمات التي تطبع التيار الصدري. غير أن التوسّع السريع الذي عرفه التيار بعد العام 2003 انحسر بفعل الانهيار في موارد الدولة المتوافرة للوزارات الخاضعة إلى السيطرة السياسية في العراق. ونظراً إلى عجز الصدر عن الإبقاء على شبكات المحسوبيات باهظة الكلفة، تعرّضت قبضته على أجزاء من التيار الصدري إلى ضعف شديد في بعض الأحيان.

وقد تجلّى ذلك بوضوح تام في سنوات الاحتلال الأولى، عندما انشقّ جيش المهدي – مجموعة الصدر الميليشياوية المؤلفة من عناصر متنافرة – وانبثقت عنه عصائب أهل الحق التي أفادت من السخاء الإيراني الكبير، وأصبحت من أكبر المجموعات الميليشياوية في العراق.

شارك الصدر، مع أنه ليس شخصياً نائباً في البرلمان، في الانتخابات البرلمانية الوطنية بدوراتها الثلاث منذ العام 2003. وقد تولّى قيادة كتلة الأحرار، أي الائتلاف البرلماني التابع للتيار الصدري الذي ينظّم سياسة التيار الرسمية، وكان يقوده النائب الذي يحظى باحترام ضياء الأسدي. ويعوّل أعضاء كتلة الأحرار على رواتبهم من أجل الحفاظ على الطبيعة السياسية للتيار الصدري، مع أنه يُقال بأن كثراً منهم استغلّوا مناصبهم لجمع ثروات شخصية طائلة، ومنهم نائب رئيس الوزراء السابق بهاء الاعرجي.

في المرحلة السابقة للانتخابات، وجّه أعضاء بارزون في كتلة الأحرار (انشق كثرٌ منهم عنها منذ تاريخه)، انتقادات علنية إلى ائتلاف "سائرون"، وهو عبارة عن تحالف سياسي بين الصدر والحزب الشيوعي العراقي ذي الميول العلمانية.

يؤدّي مكتب الصدر الخاص في النجف دوراً مهماً في تنظيم التيار الصدري وإدارته على المستوى الداخلي. وفي حين عملت كتلة الأحرار ومكتب الصدر الخاص معاً لوضع السياسات، دأب الصدر بصورة منتظمة على توجيه انتقادات علنية إلى النواب التابعين له لعجزهم عن قطع دابر الفساد، ولاسيما في الوزارات الخاضعة إلى سيطرتهم. ويدعو الصدر، في تصريحات أخيرة، إلى تغيير جذري في الحضور الحزبي السياسي للتيار في الانتخابات العامة في أيار/مايو 2018 في العراق، معلناً على الملأ أن أعضاء كتلة الأحرار لم يدافعوا عن مصالح الناخبين العراقيين.

من المكوّنات الأساسية في التيار الصدري شبكة المدارس والمساجد والمعاهد الدينية ومنظمات الرعاية التي تؤمّن دعماً اجتماعياً ودينياً للفقراء الشيعة. ففي مناطق على غرار مدينة الصدر – وهو حي فقير كبير في بغداد يضم، إلى جانب الأحياء المجاورة له، أكثر من ثلاثة ملايين نسمة – يؤمّن التيار الصدري الدعم الاجتماعي على المستوى المحلي، والذي يشكّل حاجة ماسّة.

ومع الهبوط في أسعار النفط في العام 2014، وما أعقبه من حرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية – وما ترتب عن ذلك من تناقص الأموال التي يمكن سحبها من الدولة العراقية – تراجعَ سريعاً التمويل المتاح لهذا المكوّن من مكونات عمل التيار الصدري، ما أدّى إلى إضعاف قدرة الصدر على تقديم خدمات اجتماعية غير دولتية إلى ناخبيه. تختلف الإمكانات بين منظمة وأخرى من المنظمات المذكورة، غير أن الغالبية الكبرى مكبَّلة مالياً وتعتمد على الصدقات. وعجزُ المنظمات التابعة للصدريين عن إيجاد حلول فاعلة لمعالجة أوضاع الفقراء الشيعة، يُعزى في شكل أساسي إلى حجم التحدّيات الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها العراق.

تتعالى أصوات الفقراء الشيعة المطالِبة بالتغيير، وهم ينتقدون الدين والسياسة على السواء، ويعبّرون عن مشاعر الغضب هذه ضد النخبة السياسية العراقية وقادة المؤسسة الدينية في النجف وكربلاء، الذين يمتنع عدد كبير منهم عن توجيه انتقادات علنية إلى الساسة العراقيين. ويعتبر الصدر أن الوضع الراهن، حيث تعاني خدمات الدولة من الوهن والفوضى، غير مقبول وغير جائز، ويجب المبادرة فوراً إلى معالجته. فالحملة التي يقودها الصدر ضد الفساد، والشراكة التي يقيمها مع نشطاء سياسيين علمانيين في العراق، ينتقدون مثله التعصب الطائفي، ينطلقان في شكل أساسي من الأوضاع المزرية لفقراء العراق الذين تزداد أعدادهم، وغياب الإصلاحات لمعالجة هذه الأوضاع. ووفقاً للحكومة العراقية، بلغت مستويات الفقر المطلق 22.5 في المئة من مجموع السكان في العام 2014. ويُعتقَد على نطاق واسع أن هذا الرقم أقل بكثير من النسبة الحقيقية، لأنه يفترض أن الفقر الشديد هو العيش بأقل من دولار واحد في اليوم. وتشير تقديرات أخرى إلى أن نحو عشرة ملايين عراقي أو أقل بقليل يعيشون في فقر مدقع.

أنشئت سرايا السلام، أي الجناح العسكري لتيار الصدر، على عجل من فلول جيش المهدي على إثر سيطرة الدولة الإسلامية على أجزاء من العراق. بيد أن علاقة الصدر وحزبه السياسي مع الجناح العسكري للتيار الصدري، مضطربة وغير سهلة. وبما أن سرايا السلام تنضوي في إطار الحشد الشعبي وتشكّل جزءاً أساسياً منه، فهي تركّز حصراً على العراق، خلافاً لمجموعات ميليشياوية أخرى لها وجودٌ في سورية. وفي المعارك ضد الدولة الإسلامية، كانت سرايا السلام من المجموعات الميليشاوية القليلة التي عملت مع الحشد الشعبي السنّي في محافظتَي نينوى والأنبار. لقد أعرب الصدر عن مخاوفه بشأن انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها عناصر سرايا السلام، حتى أنه أعطى أوامره شخصياً بطرد الأفراد المتّهمين بارتكاب مثل تلك الممارسات. ولايزال جيش المهدي، الذي تحدّى الاحتلال في العراق وخاض معارك ضارية ضد مجموعات ميليشياوية شيعية أخرى، يترك مرارة عميقة لدى معظم العراقيين الذين انطبع في ذاكرتهم حمام الدماء الطائفي الذي شهدته البلاد بعد العام 2003. فالقرار الذي اتخذه الصدر بعدم إرسال سرايا السلام إلى ساحة الحرب الدموية في سورية أملته، من جملة أمور أخرى، أحداث الماضي القريب: فهو لم يرد تكرار أخطاء الماضي عندما أُطلِقت يد عناصر عُصاةٍ في التيار الصدري، فارتكبوا انتهاكات مروّعة لحقوق الإنسان. وبعد العنف الطائفي الدموي في العامَين 2006 و2007، تمكّن الصدر، من خلال القرار الذي اتّخذه بمغادرة العراق في العام 2008 لمتابعة دراساته الدينية، من التفكير ملياً في المشكلات الطائفية التي تتخبّط فيها بلاده. ولدى عودته إلى السياسة العراقية في العام 2011، انخرط بنشاط أكبر في السياسة الوطنية التي أصبحت من ركائز قيادته.

يتمسّك الصدر بموقفه القائل بأنه من أجل بسط الاستقرار في العراق، يجب ضم الحشد الشعبي إلى صفوف قوى الأمن الوطني العراقية، الأمر الذي سيترتب عنه، على ما يبدو، حلّ سرايا السلام. ويوجّه الصدر انتقادات حادّة إلى انخراط الحشد الشعبي في السياسة العراقية، والذي يتجلّى من خلال القائمة الانتخابية التي شكّلها الحشد لخوض الانتخابات في أيار/مايو. ويعتبر الصدر أن قتال الدولة الإسلامية على امتداد الأعوام الثلاثة الأخيرة، قدّم منافع جمّة لخصومه السياسيين الشيعة والميليشيات التي يسيطرون عليها، ولاسيما عصائب أهل الحق ومنظمة بدر، التي تُفيد، خلافاً للصدريين، من الدعم المالي والعسكري من الدولة الإيرانية. ويحافظ الصدر على علاقات ودّية مع القادة السياسيين الأكراد، الذين طلبوا منه مؤخراً تأدية دور الوسيط بين بغداد وإربيل بعد الاستفتاء الكردي.

احتجاجات الصدر

تركت التظاهرات الوطنية ضد الفساد والنخبة السياسية في العراق أثراً عميقاً على السياسة المحلية. فخلال العامين الماضيين، نظّم الحزب الشيوعي العراقي، في بغداد، احتجاجات أسبوعية كل يوم جمعة في ميدان التحرير، على بعد مسافة قصيرة فقط من المنطقة الخضراء ومقرّ الحكومة العراقية. وقد دعم الصدر بفعالية هذه الاحتجاجات المناهضة للطائفية والفساد، وشجّع أتباعه على الانضمام إليها في العام 2016. بعد اقتحام البرلمان العراقي في وقت لاحق من ذلك العام، أدرك الصدر العرْض المحتمل للقوّة الذي يمكن أن توفّره الاحتجاجات. ومن خلال مكتبه الخاص في النجف، عمل بشكل وثيق مع الحزب الشيوعي العراقي لتنسيق التظاهرات والاستفادة من المكاسب السياسية المحتملة التي يمكن أن تمنحها لأسلوبه في السياسة الإصلاحية.

أتاحت الحركة الاحتجاجية للصدر فرصة الوصول إلى أشخاص خارج شبكته القائمة. وكانت التظاهرات المتواصلة تعني أنّ قادة الحزب الشيوعي العراقي - الذي يمثّل جماعات الطبقة الوسطى العلمانية في العراق والتي تضاءلت إلى حدّ كبير - يعملون الآن مع النشطاء الصدريين لتعزيز فعالية الاحتجاجات. سارع الصدر إلى إدراك الفوائد المحتملة على حركته، وسُمح للعديد من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي الميّالين إلى العلمانية وغيرهم من منظمي الاحتجاجات بالوصول إلى الشبكة الاجتماعية والدينية للتيّار الصدري، خصوصاً في مناطق مثل مدينة الصدر، حيث تمّ تنظيم أنشطة مشتركة للتدريب والتوعية حيال السياسة الناشطة. وقد ولُد التحالف الانتخابي السياسي بين الصدر والحزب الشيوعي العراقي الذي يعلن حالياً عن مرشّحيه للانتخابات الوطنية العراقية، من حركة الاحتجاج الوطنية.

كما جرى تنشيط المساجد التي كانت إلى حد كبير مناطق محظورة على الناشطين من ذوي التوجّهات العلمانية، كمواقع للتدريب والتنظيم السياسي. ومن أجل الحفاظ على الزخم الجديد الناشئ من حركة الاحتجاج، أنشئت لجنة مركزية - تتألف من الصدر نفسه، وزعماء الحزب الشيوعي العراقي، وغيرهم من منظمي الاحتجاجات العلمانيين – تجتمع بانتظام في مكتب الصدر الخاص. وفي انعكاس لسياساته المتغيّرة، كسب منظمو الاحتجاجات العلمانيون تدريجياً ثقة الصدر وأصبحوا مستشارين سياسيين رئيسيين. جاسم الحلفي، العضو الناشط في الحزب الشيوعي العراقي، لم يصبح مستشاراً مقرّباً من الصدر وحسب، فكثيراً ما يلتقيان بشخصيات أجنبية سوياً – بل هو أيضاً معروف أنّه يعمل على إصلاح شبكة الناشطين الوطنيين التابعة للتيّار الصدري من أجل مقارعة النخب الطائفية الفاسدة. وتمثّل شراكة الصدر السياسية مع الحزب الشيوعي العراقي تحوّلاً رئيسياً في تفكيره، من خلال فصل نفسه بشكل ملحوظ عن الفظائع والسياسات الطائفية المولّدة للاضطرابات.

مواجهة الموروثات الطائفية

يطرح الصدر حالياً نفسه كمعالج للتحديات المتعدّدة التي تواجه الدولة العراقية. فعلى المستوى السياسي، يدعم تعزيز الدولة المركزية ويدعو إلى استخدام "خبراء تكنوقراطيين" مؤهلين ومتمرّسين في هذه المهمة. وهو يرى حليفاً طبيعياً في السياسيين العراقيين العلمانيين، الذين يشعرون أيضاً بقلق عميق من تزايد نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران، والفساد المستشري، والنظام السياسي العراقي المعيب بشدّة. وقد صرّح الصدر بشكلٍ علني أن بعض الدول – غالباً في إشارة غير مباشرة إلى إيران - ترغب في رؤية العراق ضعيفاً وممزّقاً. وقد يتّضح أن التحالف الناشئ بين الصدر وبين السياسيين العلمانيين لاغنى عنه لإحراز تقدّم في مواجهة هذه التحديات وبلورة سياسات أقل طائفية في العراق.

بالنسبة إلى الصدر، لم تكن النخب الشيعية في العراق غير راغبة في إصلاح النظام الطائفي وحسب، بل حصدت أيضاً ثروات كبيرة منه. فقد نمت فجوة الثروات بين النخبة السياسية الحاكمة في العراق والسكان بشكل كبير. هذه الفجوة، الظاهرة جليّاً في الحياة اليومية العراقية، دفعت التيّار الصدري إلى التحريض بقوّة ضدّ النخب الشيعية، ولاسيّما المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وتيّار الحكمة الوطني، وحزب الدعوة، ومنظمة بدر، وجميعها تُعتبر أحزاباً سياسية نخبوية بدل أن تكون منظمات سياسية ذات توجّه شعبي. وفي تصريحات حديثة، انتقد الصدر الشراكة الانتخابية لرئيس الوزراء حيدر العبادي مع المجلس الأعلى الإسلامي، وهو تحالف جرى تشكيله خصيصاً لانتخابات أيار/مايو من العام 2018، ويعتقد الصدر أنّه قد يقوّض سياسته.

منذ العام 2003، ظلّت النخب السياسية في العراق على رأس السلطة في الغالب، متشبثّة بثروات الدولة التي سهّلت الطائفية السياسية الحصول عليها. وكان التغيير التدريجي على هذا المستوى بطيئاً. وهكذا، فقد تتحوّل جهود الإصلاح إلى إعادة هيكلة كاملة للنظام السياسي، على الرغم من أنّه من المستبعد حصول ذلك. وقد تحقّق التحالفات الناشئة مظهراً من الاستقرار لمستقبل غير مضمون، وربّما تُترجم نهاية الحرب على الدولة الإسلامية إلى حرب على الفساد، الأمر الذي يمكن أن يكون مزعزعاً للاستقرار بالقدر نفسه. إنّ الإصلاح، إذا كان جوهرياً وعميقاً بما فيه الكفاية، قد يزعزع المصالح الراسخة لكثير من الأحزاب السياسية التي تتشابك مصادر رزقها بعمق مع الطائفية. وبالتالي، ينظر خصوم الصدر الذين يعتمدون على سخاء الدولة للحفاظ على وجودهم السياسي وشبكات واسعة من المحسوبية، إلى خططه لإعادة هيكلة السياسة في العراق على أنّها تهديد مباشر لهم.

لاتُعتبر التحديات التي يواجهها الصدر سياسية فقط. فهناك تحدٍّ آخر يظهر في النجف التي هيمنت عليها لسنوات استثمارات تديرها إيران واقتصاد سياسي مرتبط بشكل متزايد بالمصالح الإيرانية. فهو يشعر بعدم ارتياح عميق لوجود مصالح إيرانية في المؤسسة الدينية الشيعية في العراق، أي المرجعية. تاريخياً، كان استقلال الطبقة الدينية العراقية، في جزء كبير منه، مشتقاً من تجارة الحج. ومن أجل مصالحها طويلة الأمد في البلاد، تعرف إيران أنّها لا تستطيع السيطرة مباشرة على المؤسسة الشيعية العراقية، فركّزت بدلاً من ذلك على السيطرة على اقتصادات مدن المزارات العراقية وكذلك الأسواق.

إنّ الهيمنة على مصادر رئيسة للريع القائم على الدين، مثل تجارة الحج، هي إحدى الطرق التي تضمن من خلالها إيران مواصلة الهيمنة على مدن المزارات والأضرحة في العراق لسنوات مقبلة. وتحاول هذه السياسات مراقبة نفوذ الطبقات الدينية العراقية، وليس أقلّها السياسات الوطنية التي يروّج لها الصدر وغيره من قادة رجال الدين. وفي حال وفاة آية الله علي السيستاني، فإنّ مدن المزارات العراقية ستتميّز أيضاً بالمنافسة الدينية. وكان علي أكبر ولايتي، وهو مستشار رئيسي للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، قد أعرب في تصريحات عن قلقه العميق إزاء تحالف الصدر مع الزعماء السياسيين العلمانيين، قائلاً إنّ إيران "لن تسمح لليبراليين والشيوعيين بالحكم في العراق". العمل على معارضة الرغبات الإيرانية الآن بدلاً من لاحقاً، قد يصبّ في مصلحة الصدر، من خلال ضمان أنّ أي مرشح محتمل لدور آية الله العظمى - والرئيس الروحي للشيعة المؤمنين - سيكون عربياً وعراقياً وغير مدين للمصالح الإيرانية.

دبلوماسية الصدر الخارجية

ربّما يكون الصدر قد وجد في ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي زاره العام الماضي، حليفاً إقليمياً تشتدّ الحاجة إليه لمواجهة نفوذ إيران في العراق. والرحلات اللاحقة إلى الإمارات العربية المتحدة والأردن ومصر تعني التركيز على السياسة الإقليمية التي قد تقرّب العراق من جيرانه العرب. هذه الحرارة الجديدة في العلاقات، والتي كانت موضع ترحيب من قبل الصدر، تمثّل تغييراً رئيساً في السياسة تجاه العراق.

في حين أنّ إيران أقامت علاقات واسعة مع النخب السياسية في العراق وتمتلك مصالح عميقة في البلاد، فإنّ المملكة العربية السعودية، حتى وقت قريب، كانت غائبة إلى حد كبير عن أي مشاركة حقيقية. تنطلق المملكة من موقف دبلوماسي أضعف، بعدما كانت لديها علاقة غير مستقرة مع نخبة العراق بعد العام 2003، وستعتمد أي محاولات لتحسين علاقتها مع هذا البلد على عدد من الجهات الفاعلة، وليس فقط على الحكومة المركزية. وقد وعدت الولايات المتحدة بتقديم دعمها الكامل للشراكة السعودية-العراقية الجديدة، لكنّ دعم الصدر قد يثبت أنّه أكثر قيمة.

تحالفات الصدر الجديدة لاتبشّر بالخير بالنسبة إلى إيران، إذ إنّ وجود علاقة سعودية-عراقية محسّنة يعني أنّ السياسيين الشيعة في بغداد وجنوب العراق يمكنهم الآن الحصول على دعم من جيرانهم العرب. وتشعر إيران بالتهديد بسبب ما تعتبره تحالفاً بين الجهات الفاعلة الإقليمية والمحلية التي تعمل على اجتثاثها من العراق. إذن، ليس مستغرباً أن يكون الصدر قد عوتب على زيارة السعودية من قبل الدبلوماسيين الإيرانيين في العراق، حيث يُنظر إليه بشكل متزايد على أنّه تهديد لمصالح إيران الإقليمية.

ترمق الحكومة الإيرانية وحلفاؤها العراقيون، بما في ذلك المؤسسة الدينية الشيعية في النجف وكربلاء، بعين الريبة تحالف الصدر المتنامي مع الناشطين العلمانيين والوطنيين. وثمة الآن منافسة شرسة على الموارد والشرعية والجاذبية الشعبية بين الجماعات الدينية المتنافسة في مدن المزارات. الصدر وأتباعه ورجال الدين، مثل كاظم الحائري، وآخرون مرتبطون بأسرته الدينية وسياسته الناشطة، يشكّلون فصيلاً واحداً ينافس المرجعية، والأحزاب السياسية النخبوية مثل تيّار الحكمة الوطني، والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وحزب الدعوة، ومنظمة بدر. أحد الاختلافات الحاسمة بين هذه المجموعات هو مدى انتقادها للفساد السياسي ودور إيران في العراق. فلقد حدّدت هوية الصدر الشيعية الوطنية العراقية إلى حد بعيد الصراع الناشئ بالنسبة إلى الجماهير الشيعية العراقية، والتي تضع التيّار الصدري في مواجهة أولئك المرتبطين بإيران أو ينحدرون منها. ونتيجة لذلك، أصبحت "المرجعية" في العراق مستقطبة بشكل متزايد، ما يعكس السياسة الممزقة للبلاد. وبالنظر إلى التطوّر التكويني لنظامها السياسي، أصبحت الجهات الدينية ناشطة بشكل متزايد في الشؤون السياسية العراقية.

لاشكّ في أنّ النخب السياسية السنّية في العراق سترحّب بعلاقات الصدر المحسّنة مع الدول العربية السُنّية في المنطقة. وكان الصدر سبق أن ناقش الشراكة مع "الوطنية"، وهو ائتلاف سياسي سنّي في غالبيته بزعامة إياد علاوي. إنّ تشتت القيادات السياسية السنّية ما بعد الدولة الإسلامية والدوائر الانتخابية التي تدّعي تمثليها، جعل من الصعب على الصدر بناء الجسور مع نظرائه السنّة. مع ذلك، ثمة مؤشرات على أنّ الأمر يتغيّر، ما يبعث على الأمل في إمكانية إقامة التحالفات السياسية بعد الانتخابات في أيار/مايو. بالإضافة إلى ذلك، شجّع الصدر المرشّحين في الدوائر الانتخابية السنّية على الانضمام إليه لخوض هذه الانتخابات، وهو دليل على أنّ قائمة المرشّحين تمثّل شريحة واسعة من المجتمع العراقي.

وبما أنّ الجهود التي تبذلها السعودية لتحسين العلاقات مع العراق لن تمرّ من دون تحديات - وسيكون تدخّل إيران هو المعيار - فإنّ مجرد وجود رؤية طويلة الأمد للشراكة السعودية- العراقية يمكن أن يساعد على مواجهة نفوذ إيران بين النخب الدينية والسياسية. العديد ممن يعارضون هذا التقارب الأخير هم أيضاً خصوم الصدر الشيعة السياسيين. ونظراً إلى وجود إيران ونفوذها في العراق – ودورها في دعم أمن البلد، خصوصاً في مواجهة الدولة الإسلامية - فمن غير المحتمل أن تقطع النخب الشيعية في العراق العلاقات تماماً مع الجمهورية الإسلامية.

سياسة العراق الجديدة

تحاول سياسة الصدر معالجة الشروخ العديدة في الدولة والانقسامات في المجتمع. فمنذ العام 2003 وحتى الآن، لم تتم تلبية التوقعات العراقية لتحسين الأمن والرفاهية. وقد دفع شعور الصدر بالإحباط من السياسة العرقية-الطائفية إلى البحث عن شركاء غير طائفيين. وأصبحت قائمة "سائرون" الإنتخابية، المدعومة من التيّار الصدري والعلمانيين، تشكّل تهديداً حقيقياً لسلطة النخب الطائفية في العراق. لقد مزّق النظام السياسي التقسيمي المجتمع العراقي إلى مجتمعات مجزّأة بشكل متزايد، ما أفسح المجال أمام قيام الدولة الإسلامية. وقد اتّسعت الفجوة بين النخب الحاكمة في العراق والمحكومين، كما أُعيد تصميم مؤسسات الدولة، في إطار الحصص الطائفية، لخدمة مصالح الأحزاب السياسية، بدلاً من تقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية. وفي ظل فداحة هذه المشاكل، يدعو الصدر إلى طريقة جديدة لحكم العراق تركّز على الهويات غير الدينية وغير الطائفية.

سيحتاج العراق إلى تشكيل ائتلاف من الفاعلين المحليين والإقليميين للمساعدة على كسر حلقة عدم الاستقرار التي واجهتها منذ العام 2003. وقد تكون جهود الصدر الدبلوماسية الأخيرة بداية حملة لمواجهة هذه التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الضخمة. كما قد يكون وقوفه بحزم في صفّ الجماعات العلمانية المحلية ومتابعة شراكات إقليمية جديدة مجرّد بداية مسعاه لإعادة صياغة السياسة العراقية.

* يشغل مهيار كاظم حالياً منصب باحث مشارك في كلية لندن الجامعية، ويحمل دكتوراه من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية.

https://carnegie-mec.org

...........................

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق