الكتابة عن السلطة


مايكل يونغ

 

يناقش عالم الاجتماع حازم قنديل، في مقابلة، مضمون كتبه التي تدرس جماعة الإخوان المسلمين وتتحرّى طبيعة التنافسات داخل الأنظمة الاستبدادية.

حازم قنديل أستاذ محاضر في علم الاجتماع السياسي، وزميل في كلية سانت كاترين في جامعة كامبريدج. ويدرس علاقات القوّة في الثورة والحرب، مركّزاً على الشرق الأوسط، وأوروبا الغربية، وأميركا الشمالية. في رصيده ثلاثة كتب، آخرها "The Power Triangle: Military, Security, and Politics in Regime Change" (مثلّث القوّة: الجيش، والأمن، والسياسة في تغيير الأنظمة) (مطبوعات جامعة أوكسفورد، 2016). وقبل ذلك، ألّف "Inside the Brotherhood" (داخل الإخوان") (دار نشر "بوليتي"، 2014) الذي يتناول جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر، وطريقة تعامل أعضائها مع بعضهم البعض، بالإضافة إلى عمل تنقيحي مهم عن مصر مابعد الثورة بعنوان "Soldiers, Spies, and Statesmen: Egypt’s Road to Revolt" (جنود، وجواسيس، ورجال دولة: طريق مصر إلى الثورة)، والذي يحلّل فيه الفترة الممتدة بين العامين 1952 و2012 في الدرجة الأولى كصراع على السلطة في مصر بين المؤسسات السياسية، والجيش، والأجهزة الأمنية، وهي مايشير إليه في أحدث كتبه بـ"مثلّث القوّة".

طلبت مدوّنة "ديوان" من قنديل مناقشة مؤلّفاته وتفسير لماذا، كما كتب، "لدى علماء الاجتماع التزام خاص بفضح التحالفات القائمة بين القوى من خلال كشف تقلّبها التاريخي"، وكيف أنّه "على الرغم من صلابتها الظاهرة، تبقى هذه التحالفات في تبدّل دائم".

مايكل يونغ: ما الذي دفعكم إلى الكتابة عن المواضيع التي تطرّقتم إليها في كتبكم؟ ولماذا البحث في التفاعل بين قطاع الأمن، والجيش، والسياسة؟

حازم قنديل: في الفقرة الافتتاحية لكتاب "مثلّث القوة"، اقتبستُ من المؤلف غور فيدال لأؤكد أنّي "لا أكتب عن الضحايا بقدر ما أكتب عمّن يحوزون على القوّة، ومَن يمارسونها، ومَن يستخدمونها ضد أناس آخرين". لقد ركّزت جلّ الأبحاث الاجتماعية التي أجريت منذ نهاية الستينيات على الطرف الذي تطبّق عليه السلطة، أو أولئك الذين يحاولون الانقلاب عليها، أي الحركات الاجتماعية والإيديولوجية، والنقابات، والمجتمع المدني، والشباب، والداعين إلى مساواة الجنسين، وسكان الأزقّة المُعدمين، وغيرهم من المجموعات التي تعتبر ملح هذه الأرض. لاشكّ أن منح مَن لا صوت لهم فرصة للتعبير هو أمر قيّم، لكن، في خضم سيرورة التنفيذ، يبدو أنّ دراسة أصحاب السلطة باتت مُهملة أو مرفوضة بكونها نخبوية أو عتيقة نوعاً ما.

من الواضح أنّه كان من المستحيل تجاهل هؤلاء في دراسة الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط وأماكن أخرى. لكن حتى هناك، تم التركيز على النخبة الحاكمة التي احتكرت السلطة السياسية، والاقتصادية، ومارست قوة الإكراه. وقد قُدّمت هذه الطبقة على أنها كتلة متّحدة إلى حدّ كبير، وطُرحت الخلافات وحروب النفوذ البيروقراطي جانباً. ويُعد مفهوم "الدولة العميقة" الرائج اليوم أحدث أوجه هذا الانبهار بتبسيط الأنظمة. وفي كل مرّة تكبّد فيها أحدهم عناء تحليل الأنظمة، كان يتم وضع الحكام السياسيين في جانب، والطبقة الاقتصادية الحاكمة (التي تُعتبر الطبقة الحاكمة الحقيقية) أو النخب الثقافية (لتسليط الضوء على خطر "خيانة المثقفين" المريعة) في الجانب الآخر.

نادراً ما كان أحد يأخذ في عين الاعتبار التوتّرات بين أصحاب السلطات السياسية والقهرية. والأندر كان الجهد المبذول للتعمّق في التنافسات في القطاع الإكراهي، بين الجيش والأجهزة الأمنية. هذا على الرغم من أنّ إدارة الناس، والدفاع عنهم، والسيطرة عليهم تقع في صميم أي نظام. على النقيض من ذلك، فإنّ وجود السلطتين الاقتصادية والثقافية، ومهما كان حجم مركزيتها، مستحيل من دون شعب "محبوس".

كنت آمل في معالجة بعض أوجه هذا القصور. إذ اني أعتقد، أوّلاً، أعتقد أنّ أفضل طريقة لتحقيق تراكم المعرفة هي تضافر برامج بحثية مختلفة للكشف قدر الإمكان عمّا لايزال غير معروف للعالم الاجتماعي. ومع كل ما أُنجز حول الخاضعين إلى مختلف الأنظمة، أو بعبارات أخرى المحكومين من قبل الأنظمة، اعتقدت أنه قد يكون من المفيد لفت الإنتباه إلى الأنظمة في حد ذاتها. في الواقع، لايمكن لفهم علاقات القوّة أن يكتمل من دون تناول طرفي هذا الطيف.

ثانياً، كان من الصعب إقناعي بأنّ أصحاب السلطة متحدّين بكل هذه السلاسة. فامتلاك أي شكل من أشكال القوّة يعتبر موقعاً خطيراً، لأنّ القلق على خسارته دائم، كما أنّ فاقدي القوّة ليسوا مصدر التهديد الوحيد، إنّما أيضاً الحلفاء الأقوياء الذين قد يرغبون في إضافة مصدر قوّة جديد.

على سبيل المثال، نجد أصحاب السلطة السياسية حيث يؤمّم الأقوياء الأصول الاقتصادية لوضعها قيد سيطرتهم، ربّما رغبة منهم في الحصول على مصدر قوّة خاص بهم للتفوّق على الجميع. تعد الانقلابات أوضح مثال على محاولة أصحاب القوّة العسكرية السيطرة على نخب أخرى، وكثيراً ما قد يصبح بعض الأقوياء متهوّرين ويفسدون الأمر بالنسبة إلى الجميع. ويجد الدكتاتوريون الطاعنون في السن أنفسهم مطروحين جانباً على يد شركائهم القدامى في السلطة من أجل إنقاذ النظام.

قلّما يُلاحَظ هذا الاضطراب على المستويات العليا من المجتمع، لأنّ لدى أصحاب السلطة مصلحة في إظهار صورة الوحدة، وتسوية خلافاتهم بهدوء. وهكذا كمنت مهمّتي في كشف الاضطراب الكامن تحت سطح الأنظمة المستقرّة الهادئ ظاهرياً. لماذا؟ لأنّ التغيير عادةً يأتي من هنا.

يونغ: لما علاقات القوّة متقلّبة ومُلتهبة إلى هذا الحد؟

قنديل: نادراً ما تُهزم الأنظمة من الخارج، بفعل تمرّد مسلّح أو اجتياح أجنبي. أكثر الأسباب شيوعاً للتغيير هو ظهور الاختلافات طويلة الأمد في داخل النظام، سواءً حفّزتها معارضة محليّة أو ضغط خارجي. ومع كل تغيير، تتكوّن سلطة جديدة، ما يؤدي إلى نشوب جولة جديدة من الصراع والتنسيق بين الأقوياء. إنها قضية لانهاية لها. ولهذا السبب، تتغيّر الأنظمة باستمرار، سواءً بطريقة سريعة ودراماتيكية (ما نصفه بالثورات)، أو تدريجياً (ما نصنّفه إصلاحاً)، أو من خلال مفاوضات طويلة الأمد (ما قد يبدو للمراقب المتسرّع مرونة مذهلة).

أردت أن أستكشف كيف يمكن لتحليل يستند إلى ما أشير إليه بـ"مثلّث القوّة" أن يكون، مركّزاً على السياسة، والجيش، والأمن، وآخذاً في الحسبان الطبقات الاجتماعية، والقوى الإيديولوجية، والجغرافيا السياسية، من خلال دراسة تأثيرها على علاقات القوّة بين هذه المؤسسات الثلاث. توجد الأسس النظرية لهذا النموذج التحليلي في "مثلّث القوّة"، ويليها فحص استمر لعقود عدّة حول كيفية تشكيل وإعادة تشكيل الأنظمة باستمرار في إيران، وتركيا، ومصر.

يونغ: تضمّن كتابكم الأوّل "جنود، وجواسيس، ورجال دولة" مقاربة مبتكرة لتاريخ مصر مابعد الثورة. ما فكرتكم الأساسية في هذا الكتاب، وما الذي دفعكم إلى التطرّق بهذه الطريقة إلى موضوع سبق أن قُتِل بحثاً؟

قنديل: للإجابة على سؤالكم الأوّل، أوجزت بعض ميولي النظرية. قد تشكّون في أنّني ببساطة فرضت هذه الميول فرضاً على مصر، لكن كما هي الحال غالباً، تأتي غالبية أدواتي النظرية من قراءة معيّنة للتاريخ. لقد وجدتُ صعوبة في الحفاظ على أسطورة مصر جمال عبد الناصر، أو مصر حسني مبارك، عندما عاينت الكثير من التوتّر بين رؤساء المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية. كان هناك القدر نفسه من المنافسة والتعاون بين هؤلاء الشركاء الذين يُفترض أنّهم مقرّبين، ولا يمكن تفسير تغيير النظام خلال العقود التي درستها، بما في ذلك ثورة 2011، من دون الإشارة إلى هذه العلاقة التي يحكمها الصراع.

يونغ: في الواقع، يبدو جمال عبد الناصر في كتابكم مختلفاً عن الصورة الظاهرة غالباً في كتب التاريخ، كما أنّ نقاط ضعفه واضحة جداً. وهو لايبدو ذلك البطل القومي العربي الذي كان يُتصوّر، بقدر مايتمظهر كشخص عالق بين براثين صراع بين مؤسسات كبرى، أطلق بنفسه العنان للكثير منها. من هذا المنطلق، هل يُعتبر كتابكم محاولة لتقويض القراءة القومية العربية للتاريخ المصري المعاصر؟ وكيف كانت الأصداء في مصر؟

قنديل: لا يبدو عبد الناصر بطلاً قومياً كاسحاً بقدر ما يظهر إنساناً يسعى إلى الحفاظ على موقعه في بنية سلطوية متقلّبة. فقد تعاطف الكثير من القرّاء معه، كما خفّ لوم منتقديه الشرسين عندما أدركوا أنه لم يكن فائق القوة كما كانوا يعتقدون، فيما أدرك المعجبون به مدى صعوبة وظيفته.

يونغ: جادلتم بأنّه خلال حكم أنور السادات وحسني مبارك، بدأنا نرى صعود قوى الأمن - بإدارة وزارة الداخلية - على حساب الجيش المصري. ما السبب؟

قنديل: في غالبية الأنظمة التي تصنعها الانقلابات، يبرز الجيش كأقوى مؤسسة. وتعتبر مصر في العام 1952 مثالاً نموذجياً لذلك، إذ تطلّب الأمر انتكاسات متتالية لإسقاط الضباط قليلاً في التسلسل الهرمي للسلطة. كانت هزيمة حزيران 1967 في الحرب ضد إسرائيل الأكثر وضوحاً، لكن الأمر كذلك بالنسبة إلى أدائهم السيّئ ضد العدوان الثلاثي في العام 1956، ودورهم في فشل الوحدة مع سورية، والحرب الدموية غير الحاسمة في اليمن. كان ضرورياً بالنسبة إلى القيادة السياسية في الفترة الممتدة بين العامين 1967 و1973 ألا يؤدي نجاح الحملة العسكرية في تحرير سيناء إلى دفع الضباط مجدّداً نحو القمّة. وكان الهدف من توسيع قطاع الأمن وتمكينه جزئياً، هو إحداث توازن مع الجيش. وضع عبد الناصر استراتيجية القوّة هذه، وطبّقها السادات، غير أنّها خرجت عن السيطرة في عهد مبارك. وأدت الرئاسة المترهّلة، والحزب الحاكم الآخذ في الانقسام وقصور الأداء، إلى إضعاف المؤسسة السياسية، ما سمح للسلطة الأمنية بالصعود من دون رقابة. وعشية ثورة 2011، تحوّلت مصر إلى دولة بوليسية.

يونغ: هل قلبت ثورة العام 2011 الموازين، بحيث صار الجيش اليوم يحكم مصر على حساب قوى الأمن؟

قنديل: منذ العام 1952، بقي الجيش شريكاً في الحكم في مصر، إلا أنّه منذ السبعينيات بدأ يوضع جانباً تدريجياً. وجدت القيادة العليا في ثورة العام 2011 فرصة ذهبية للالتفاف على شركائها الجامحين والعودة إلى القمّة. وفي غضون وقت قصير، تم تفكيك المؤسسة السياسة، وأعني بها رئاسة مبارك و"الحزب الوطني الديمقراطي" الحاكم، غير أنّ الأجهزة الأمنية شكّلت تحديّاً أكبر. أوّلاً، كانت هذه أقوى مؤسسة في البلاد، وثانياً اتضح فوراً بالنسبة إلى الضباط العسكريين أنّه لاغنى عن قوّة مسلّحة ذات خبرة في وقت الثورة. لم يرغب الجنرالات في تغيير النظام، بل ببساطة في إعادة تشكيله تحت قيادتهم. كان الاستقرار يتطلّب جرعة فعّالة من القمع المحلّي، لكن هذا لم يكن مجال خبرتهم لأكثر من ثلاثة عقود. ففي الواقع، آخر مرّة استُخدمت فيها القوّة العسكرية ضد انتفاضة مدنية كانت في كانون الثاني/يناير 1977.

تعود مصر الآن إلى حالة تذكّرنا بأواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات، ضابط سابق يشغل منصب الرئاسة ويحكم من خلال حكومة تكنوقراط بدلاً من حزب حاكم، بالإضافة إلى الازدواجية في داخل الجهاز القمعي، حيث تتقاسم المؤسسات المدنية والعسكرية (وتتنازع على) عبء السيطرة الداخلية. ويحاول الجيش قيادة وتوجيه الحياة الاقتصادية نحو مايعتبره غايات وطنية، في ظل اقتصاد هجين (أو مُربَك). وهناك نخبة اقتصادية قديمة -وهذه المرّة رأسماليين احتكاريين وليس أصحاب الأملاك- تتأرجح بين الدعم والعرقلة. وبخلاف أولئك الذين يصرّون على أنّ الثورة المضادّة التي نظّمتها "الدولة العميقة" أحبطت محاولة الثورة المصرية، تقودني مقاربتي إلى الاستنتاج أنّ النظام لايزال غير مستقرّ إلى حدٍّ كبير. فالسياسة في حالة تبدّل، فيما تحافظ المؤسسات العسكرية والأمنية على توازن صعب في قمّة السلطة.

يونغ: في "جنود، وجواسيس، ورجال دولة"، انتقدتم بشدّة تجربة الإخوان المسلمين في السلطة في مصر حتى العام 2013. ماذا كان خطؤهم القاتل؟ وهل يمكن أن تعود الجماعة كقوّة سياسية؟

قنديل: على المهتمين بالإخوان المسلمين أن يكملوا نقاشي حول ممارساتهم في "جنود، وجواسيس، ورجال دولة" بكتابي الثاني "داخل الإخوان". كان الأوّل مهتمّاً فقط بكيفية تأثير الإخوان على توازن السلطة بين المؤسسات السياسية، والعسكرية، والأمنية منذ العام 1952 حتى اليوم.

لقد كان دورهم متّسقاً إلى حد كبير، إذ حاولوا دائماً التحالف مع أولئك الذين يعتقدون أنّهم الأقوى، وانتهى بهم الأمر إلى قضاء معظم وقتهم كمعارضة مُضطهدة لأنّهم استُغلّوا قبل أن يتم التخلّص منهم بسرعة في سلسلة من ألعاب السلطة.

يتساءل المراقبون عمّا إذا كان الإخوان المسلمون سيشهدون ولادة جديدة. ربّما، غير أنّ التاريخ يُظهر أنّهم لم يؤدّوا دوراً سياسياً إلا عندما احتاجهم أصحاب السلطة، لكن للانخراط في لعبة سلطة أخرى. وهذا يتعلّق بحقيقة أنّهم لم يتقنوا أبداً لعبة السلطة، بغضّ النظر عن أي مدى كانوا يظنّون أنفسهم ماكرين وبراغماتيين. ومع ذلك، يفسّر "داخل الإخوان" لماذا لم يكن ممكناً لهم التصرّف إلّا بهذه الطريقة. لم يكن الأمر حتمياً - أشياء قليلة في التاريخ تكون هكذا - إلّا أنّ الجماعة كانت تتصرّف وفقاً لطبيعتها، بالنظر إلى البنية والثقافة الغريبتَيْن اللتين أصفها في الكتاب.

تضمّنت معالجات سابقة للإخوان المسلمين تواريخ تنظيمية عدّة، لكن كل دراسة سياسية أو اجتماعية صادفتها كانت مهتمّة بتفاعل الإخوان مع محيطهم، أي مع الحكام، والمجتمع المدني، وقضايا الجندر، وأحزاب المعارضة، والقوى الخارجية، وما إلى ذلك. من ناحية أخرى، يُعد "داخل الإخوان" محاولة لفهم مَن هم الإخوان المسلمون كأشخاص: كيف يتم تجنيدهم، واندماجهم في المجتمع، وتلقينهم. أردت أن أنظر إلى الكيفية التي يتعاطون فيها مع بعضهم البعض، وكيف أنّ إيديولوجياتهم ليست نظرة عالمية عائمة يمكن استيعابها من خلال منهج تاريخ الأفكار، بل هي مجموعة من القواعد والممارسات التي لا تتحقق إلا من خلال المواضيع والشبكات الاجتماعية التي تنتجها.

يونغ: تعملون حالياً على كتاب عن حروب الولايات المتحدة، في كوبا، وفييتنام، والعراق في العامين 1991 و2003، و"الحرب على الإرهاب" بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر العام 2001، وأخيراً الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. لماذا اخترتم هذا الموضوع؟ أليست مروحة هذه القضايا واسعة؟

قنديل: أردت متابعة اهتمامي بالصراع بين السياسيين والضباط والجواسيس في سياق مختلف تماماً. تناولت أعمالي السابقة كيف صارع هؤلاء للاحتفاظ بالسلطة في الأنظمة الاستبدادية. الآن، أنا مهتم بالتوترات المتصاعدة بينهم عندما يحاولون تنفيذ مشروع مشترك في بيئة ديمقراطية. المشروع المشترك هو "الحرب"، وحصوله في "نظام ديمقراطي" يعني أنّ تأثير الرأي العام حاد وفوري.

لكن هذا ليس كل شيء، لأنّ اهتمامي الأكبر هذه المرّة هو "الثالوث الآخر"، الذي وصفه كارل فون كلاوزفيتز بأنّه التفاعل المعقّد بين العقل السياسي، والفرصة العسكرية، والمشاعر العامة في زمن الحرب. من خلال مسح سريع، يتبيّن أنّ دراسات الحروب في الأنظمة الديمقراطية تنقسم تقريباً على طول هذه الخطوط. ويصف العديد من العلماء السياسيين عملية صنع القرار السياسي بأنّها انحراف مسار عرضي يقوم به جنرالات حمقى في القوات البحرية، لا يرفعون نظرهم عن ساحة المعركة. وهذه الساحات هي عادة مجال العمل الرئيس للمؤرّخين العسكريين الذين يحالون إيضاح إلى أي مدى يمكن للأمور أن تصبح فوضوية على الأرض، فتذهب الخطط السياسية حتماً أدراج الرياح. بدورهم، يهتم علماء الاجتماع كثيراً بالإرادة الشعبية، وكيف يحشدها (ويتلاعب بها) التجمّع العسكري- الصناعي وكياناته السياسية، وكيف تدافع عن نفسها، عادة عبر حملات مناهضة للحرب. لكن برأيي، ما كان يحاول كلاوزفيتز قوله هو أن هذا "الثالوث العجيب" عادةً ما يكون على وئام لدى الذهاب إلى الحرب، قبل أن يقع في حالة من الفوضى بسبب الحرب نفسها، وضبابها، والاحتكاكات، وعدم القدرة على التنبؤ بالنتائج.

يتعلّق بحثي الجديد بالاضطراب الذي يحدث في العلاقة بين السياسيين وممارسي العنف وعامة الناس، عندما تخرج الحروب عن السيطرة في الأنظمة الديمقراطية. وتساعدني الولايات المتحدة ما بعد الحرب على تشكيل هذا النمط، بسبب الحروب العديدة والأعمال الحربية التي انخطرت فيها، من كوبا وفيتنام إلى الشرق الأوسط.

http://carnegie-mec.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (وجهات نظر)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك