اعتبر الإمام الشيرازي أن قوة الهوية تنبع من قدرة المجتمع على التعايش؛ فالوطن القوي هو الذي يستوعب جميع مكوناته تحت سقف العدالة. دعا إلى نبذ التبعية للغرب، والاعتزاز بالموروث القيمي للأمة، مما يعزز الشعور بالفخر الوطني لدى الأجيال الصاعدة. رأى أن تمكين المواطن من حقه في إبداء الرأي...

في اليوم الثاني من شوال تمر الذكرى السنوية لرحيل المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1347-1422هـ / 1928-2001م)

توطئة تعريفية لمفهوم الهوية الوطنية:

تعد الهوية الوطنية حجر الزاوية في بناء الدولة، وهي الوعي الجمعي الذي يربط الأفراد بأرض وتاريخ ومصير مشترك. إلا أن هذا المفهوم لا يظل ساكناً؛ بل يخضع لعمليات "تصعيد" أو تكثيف تظهر بوضوح في الأزمات الكبرى أو التحولات الجذرية. يهدف هذا المقال إلى رصد آليات تصعيد الهوية وكيف تتحول من شعور انتماء هادئ إلى محرك أساسي للفعل السياسي والاجتماعي.

مفهوم تصعيد الهوية الوطنية

يقصد بتصعيد الهوية تلك الحالة التي يتم فيها شحن الرموز الوطنية وتكثيف حضورها في الفضاء العام والخاص. في هذه الحالة، يتراجع الانتماء الفرعي (القبلي، الطائفي، أو المهني) لصالح الهوية الجامعة، وتصبح "المصلحة الوطنية" المعيار الوحيد لتقييم السلوكيات والقرارات.

محفزات التصعيد (لماذا تتصاعد الهوية؟)

تشير الدراسات السياسية إلى عدة عوامل تدفع المجتمعات نحو تصعيد هوياتها:

التهديدات الخارجية: تعد الأزمات الأمنية أو النزاعات الحدودية أقوى محفز لتلاحم الصف الداخلي. هنا تعمل الهوية كآلية دفاعية.

العولمة والفوبيا الثقافية: كفعل عكسي لتيارات العولمة الجارفة، تلجأ المجتمعات إلى "تنميط" هويتها الخاصة لحمايتها من الذوبان الثقافي.

الأزمات الاقتصادية: غالباً ما يؤدي الضغط الاقتصادي إلى العودة للجذور والبحث عن "السيادة الوطنية" كحل للمشاكل المعيشية.

آليات تصعيد الهوية في العصر الرقمي

لم يعد التصعيد يقتصر على الخطابات الرسمية والمناهج الدراسية، بل اتخذ أشكالاً جديدة:

الوطنية الرقمية: عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتم تداول الرموز الوطنية (الأعلام، الأناشيد، التاريخ) بشكل مكثف يعزز "السيادة الافتراضية".

الدبلوماسية الثقافية: استخدام الفنون والرياضة لتعزيز صورة الدولة، مما يرفع من سقف الفخر الوطني لدى الأفراد.

تصعيد الهوية الوطنية في فكر السيد محمد الشيرازي

يعد الفكر الإسلامي المعاصر منبعاً غنياً للتنظير في مفاهيم الانتماء والمواطنة، وبرز المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي (قدس سره) كأحد أبرز المفكرين الذين عالجوا قضية الهوية الوطنية من منظور جامع، يمزج بين الأصالة الدينية والمتطلبات الواقعية للشعوب.

أولاً: مفهوم الهوية عند السيد الشيرازي

لم يكن الوطن في فكر السيد الشيرازي مجرد حدود جغرافية صماء، بل هو مسرح للقيم والأخلاق. لذلك، فإن تصعيد الهوية يعني عنده الارتقاء بفكر الفرد ليكون عنصراً بناء في جسد الأمة، مرتبطاً بترابه من خلال مسؤوليته الشرعية والإنسانية.

ثانياً: الركيزة التطبيقية للهوية

تتجلى الدراسة التطبيقية لتصعيد الهوية في فكره عبر نقاط جوهرية:

ترسيخ السلم الاجتماعي: اعتبر الإمام الشيرازي أن قوة الهوية تنبع من قدرة المجتمع على التعايش؛ فالوطن القوي هو الذي يستوعب جميع مكوناته تحت سقف العدالة.

الاستقلال الثقافي: دعا (قدس سره) إلى نبذ التبعية للغرب، والاعتزاز بالموروث القيمي للأمة، مما يعزز الشعور بالفخر الوطني لدى الأجيال الصاعدة.

الشورى والمشاركة: رأى أن تمكين المواطن من حقه في إبداء الرأي هو أقصى درجات تصعيد الانتماء؛ لأن الإنسان حينما يشعر بكرامته، يزداد تمسكاً بهويته.

ثالثاً: الرؤية الوطنية

إن رؤية السيد محمد الشيرازي للهوية الوطنية تتجاوز الشعارات الزائفة؛ فهي عملية تربوية وسياسية تهدف إلى صناعة نموذج حضاري يستمد قوته من الإيمان، ويترجمها إلى خدمة الأوطان ورفعة الشعوب.

رابعاً: مظاهر التطبيق العملي لتصعيد الهوية

لم يقف السيد الشيرازي عند التنظير الذهني، بل حدد مسارات عملية لتعزيز هذه الهوية، منها:

أ- بناء المؤسسات المدنية: آمن بأن الهوية تقوى عندما ينخرط الفرد في عمل جماعي تطوعي يخدم أبناء جلدته، مما يحول الشعور بالانتماء إلى سلوك يومي ملموس.

ب- الاقتصاد الحر والاكتفاء الذاتي: ربط السيد بين كرامة الهوية وقوة الاقتصاد؛ فالمجتمع الذي يأكل مما يزرع ويلبس مما يصنع، يكون أقدر على حماية قراره الوطني وثوابته الثقافية.

ج- إحياء التاريخ والرموز: دعا إلى استحضار نماذج البطولة والعلم من تاريخ الأمة، ليكون ذلك حافزاً للشباب في مواجهة الاستلاب الفكري.

خامساً: القيمة الأخلاقية للمواطنة

تصعيد الهوية عنده يرتبط بـ "القانون الأخلاقي"؛ فالمواطن الصالح هو من يرى في خدمة الآخرين قربة إلى الله تعالى، وبذلك تلتحم الهوية الوطنية بالهوية الدينية في وحدة انسجامية فريدة، تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرق.

الخاتمة

وفي الختام، يتبين لنا:

1- أن تصعيد الهوية الوطنية في فكر السيد محمد الشيرازي ليس مجرد ترف فكري، أو هتافات تعبر الاسماع؛ بل هو مشروع حضاري متكامل، يسعى إلى صياغة الإنسان بنفس رسالي، يجمع بين طهر السجادة وإتقان البناء.

2- إن هذه الدراسة التطبيقية تكشف عن عمق الرؤية التي زاوجت بين قيم السماء ومتطلبات الأرض؛ فصار الوطن في هذا الفكر أمانة تصان بالعدل، وتزهر بالحرية، وتقوى بالعلم.

3- ولعل أثمن ما نستقيه من هذا المعين، هو أن الهوية الحقة تبدأ حينما يكون المواطن سيد قراره، وخادم بيئته، ومعماراً في صرح أمته الكبيرة.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

................................

ثبت المصادر والمراجع:

أولاً: كتب السيد محمد الشيرازي (قدس سره)

• السيد محمد الشيرازي، السياسة من واقع الإسلام، دار العلوم، بيروت.

• السيد محمد الشيرازي، الفقه: كتاب الدولة الإسلامية، مطبعة سيد الشهداء، كربلاء.

• السيد محمد الشيرازي، السبيل إلى إنهاض المسلمين، مؤسسة الفكر الإسلامي.

• السيد محمد الشيرازي، الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه.

ثانياً: المراجع العامة والدراسات:

• مجموعة من الباحثين، الفكر السياسي عند الإمام الشيرازي، مركز الدراسات الاستراتيجية.

• عبد الحسين شعبان، المواطنة والهوية: رؤى نقدية في الفكر المعاصر.

• محمد جواد مغنية، الإسلام والدولة (للمقارنة النظرية).

اضف تعليق