في وقت جلّ همنا ان نخرج من هذه الازمة، هناك من يستثمر هذا الوقت بالتفكير وايجاد منفذ للخروج من الجائحة بتطوير الذات وتقديم الافضل، وهذا ما نحن اليوم بحاجة إليه، علينا ان ننجز اعمالنا بكلّ دقة وتميز ونطور عملنا الذي نقوم به وان لا يكون مجرد انجاز بلا ثمر ولا تدبر، لذا علينا ان نفكر "خارج الصندوق" وان لا نكون مكبلين بما يدور حولنا، لعلّ أزمة فيروس كورونا الجديد تكون شعلة الابتكار.

لا نستطيع أن نخفي أن خطورة الفيروس تتجاوز نطاق الإجراءات والتأثيرات الصحية إلى مجالات أوسع، إذ يُخشى أن تتحول هذه الأزمة الصحية إلى أزمة اقتصادية عالمية، والتقدم والتطور المعلوماتى الذى يشهده العالم الآن بقدر ما ساهم فى خلق فرص للبلدان والشعوب، إلا أنه افرز جملة من التحديات السلبية والآثار العابرة للحدود ومن ذلك عولمة الأزمات والأوبئة والإرهاب والتأثيرات المالية والاقتصادية، فانتشار وباء فى بلد من البلدان يفرز حالة من الذعر فى بلدان أخرى، وكيف الحال إذا كان الوباء بالصين "مصنع العالم".

الإبداع وقت الأزمات.. والنتيجة؟

في كثير من الأحيان يكون الإبداع هو السبيل الوحيد لمواجهة الأزمات بمختلف أشكالها؛ حيث يلجأ المسؤولون في مختلف القطاعات عند حدوث أزمة كبيرة إلى العصف الذهني على مستوى الجماعة والفرد للخروج بالحلول الإبداعية التي تُساعد في التخلص من الأزمة، وفي هذا الصدد نطرح سؤالًا مهمًا: هل هناك إبداع وقت الأزمات؟ بكل تأكيد لا يُمكن إدارة أي أزمة سوى بالإبداع، فهو الخيار الأمثل.

تُعد الأزمات فرصة حقيقية قادرة على تغيير كل مجريات الأمور وتحويلها إلى الأفضل، وعادة ما تكون الفرصة متخفّية على شكل أزمة، فلو أمعنا النظر في بعض المجالات المختلفة، الطبية والاقتصادية والجهات الحكومية والخدمات المدنية، نجد أن هذه الجهات تلجأ دائمًا إلى الأساليب الإبداعية وقت الأزمات، لا سيما أنها تعتمد في الأساس على تدريب الموارد البشرية، لوضعها على أُهبة الاستعداد لمواجهة الأزمات، تعتبر الأزمات التحدي الأكبر الذي يواجه الشركات أو المؤسسات التجارية، فإما أن تفضي في النهاية إلى فشلها وانضمامها إلى قائمة الشركات والمؤسسات التي انتهت رحلتها بالفشل، أو إلى نجاحات أكبر وأعظم مما كانت، وعادة تكون كلمة السر الوحيدة وقت الأزمات هي الإبداع، فلا مجال لاستخدام الطرق التقليدية للتعامل مع الأزمة؛ لأن نتائجها حتمًا تؤدي إلى الفشل والمصير المجهول، لذا يُمكننا القول إن كلًا من الإبداع والتفكير الجماعي والجهد الاستثنائي يحقق المعجزات.

لا شك في أن التفكير المستقبلي هو أحد أهم مقومات شخصية القرن الواحد والعشرين، ففي الوقت الراهن وفي ظل الأزمة التي يعيشها العالم خلال هذه الفترة بعد تفشي جائحة كورونا، تواصل الجهات البحثية والمعامل المركزية الليل بالنهار للخروج بالحلول الإبداعية التي تُساعد في التخلص من هذه الأزمة، فمثل هذه الأزمات تحتم على جميع القطاعات والمؤسسات أن توجه اهتماماتها إلى تعزيز ثقافة الإبداع بين الأفراد وفرق العمل والموظفين.

عندما كان العالم يواجه حربًا عالمية ثانية والتي كانت تُعتبر من أكبر الأزمات على مر التاريخ، توجه الروسي ميخائيل إلى المستشفى بعد إصابته في هذه الحرب بعملية عصف ذهني أدت إلى ابتكاره تصميم الكلاشنكوف، وأصبح هذا السلاح من أشهر الأسلحة في العالم، ومن القصص المعروفة أنه عندما كان "نيوتن" يدرس في جامعة كامبريدج، وكانت لندن تعاني من تفشي الطاعون سنة 1665، قرر الانعزال في مكان في الريف يبعد مسيرة ساعة عن المدينة، وبقي هنالك مدة 18 شهرًا، انكب خلالها على إجراء البحوث والدراسات حتى توصل إلى نظرية الجاذبية، وهناك أيضًا مجموعة من مشاهير العالم خرجوا من رحم الأزمات بإنتاجات أكثر إبداعًا خلدها التاريخ، وفي ظل الأزمة الحالية تعمل الكثير من الشركات في مختلف أنحاء العالم على ابتكار منتجات جديدة للمساعدة في محاربة جائحة كورونا أو تسهيل الحياة لمن يعملون من البيت وللعاملين في المستشفيات أو العالقين في الحجر الصحي.

أهمية الإبداع

بلا شك أن الإبداع يُمكن الفرد من رؤية ما لا يراه الآخرون، ويختلف الإبداع من شخص إلى آخر ولكل شخص نقطة يبتكر فيها، ومن الضروري أن يصل الإنسان لنقطة إبداعه، فالشخص المبدع دائمًا يفتح الكثير من الآفاق للنجاح؛ حيث يُساهم بشكل كبير في توفير الكثير من المنتجات الجديدة في الأسواق، إذن يُمكننا القول إن الإبداع من أهم العوامل المؤثرة في تقدم وتطور الشركات أو المؤسسات التجارية، وكذلك المجتمع ورفعة شأنه، لم يكن الإبداع مقتصرًا أبدًا على مجال بعينه، فجميع المجالات تحتاج إليه.

ابتكارات واختراعات

دفع انتشار وباء كورونا العديد من الشركات والعاملين في مختلف القطاعات إلى ابتكار واختراع المئات من الأدوات الجديدة خلال الأسابيع الماضية لمساعدة الناس على مواجهة أخطار الفيروس والوقاية منه، المصمم ستيف بروكس صاحب شركة دي.دي.بي ليمتد لصناعة الأثاث المكتبي في غرب لندن، فكر كثيرا في طريقة لفتح باب السيارة دون لمس المقبض، وابتكر مشبكا صحيا صغيرا بما يكفي لوضعه في الجيب وهو مصنوع من مادة مصمتة غير مسامية مما يسهل تنظيفه، وأعلن أن شركته تلقت طلبا من جهاز الصحة الوطنية في ويلز لتصميم أداة لدفع الأبواب دون لمسها باليد

وأطلقت شركة كاد كراود لتصميم المنتجات في كاليفورنيا، مسابقة مدتها شهر لابتكار وسائل عملية تيسر الحياة في زمن الكورونا، وتلقت الشركة حوالي 65 اقتراحا من بينها عبوة لرش المطهر يتم تثبيتها على المعصم وقفازات نصفية للضغط على الأزرار بالأنامل وأداة لفتح أبواب السيارات دون لمس المقبض لمن يركبون سيارات الأجرة، وتعمل الشركات الجديدة على تعديل تكنولوجياتها، ففي سياتل طور الشقيقان جوزيف وماثيو تولز وصديقهما جاستن إث الذين يملكون شركة ناشئة تسمى سلايتلي روبوت سوارا يهدف إلى تقليل الاضطرابات قهرية المتمثلة في كشط الجلد وقضم الأظافر ونتف الشعر، وعندما أعلنت مدينتهم سقوط أول ضحايا الفيروس فيها، قاموا بتعديل هذا التصميم لتصنيع سوارا جديدا ذكيا أطلقوا عليها إيموتاتش يصدر أزيزا عندما تقترب يد حامله من وجهه.

وقال ماثيو تولز في مقابلة "كان لدينا المنهاج وكان عندنا البرنامج والجهاز نفسه وغيرنا الغرض لكي يصبح لمس الوجه"، موضحا انهم قاموا بصناعة 350 جهازا واعداد موقع إلكتروني، خلال أسبوع، وان مشكلتهم، حاليا، تكمن في السرعة التي يمكن أن يزيدوا بها الإنتاج، من ناحية أخرى، توصلت شركة يو.آي باث الرومانية لبرمجيات الأجهزة الآلية، إلى وسيلة لتخلص الممرضات في مستشفى جامعة ماتر ميزريكورداي في العاصمة الأيرلندية دبلن من عملية تسجيل البيانات التي تستغرق وقتا، وتحويل عملية تسجيل نتائج فحوص الفيروس إلى عملية آلية وتأمل الشركة تكرار هذه العملية في مستشفيات أخرى.

أما شركة سيلا وهي شركة أمريكية متخصصة في الذكاء الاصطناعي وتصنع أجهزة رصد الأسلحة للمدارس ونوادي القمار فقد أعادت استخدام برمجياتها التحليلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي لقياس حرارة الأفراد من الجبهة وإطلاق إنذار إذا تم اكتشاف ارتفاع درجة الحرارة، وقال آرا غازاريان مدير قطاع التكنولوجيا بالشركة إن برنامج الشركة يتلقى صورا من كاميرا حرارية ويمكن استخدامه في المباني العامة مثل المستشفيات والمطارات ومكاتب الشركات، مؤكدا أن حكومة دولة في أمريكا الجنوبية طلبت 5000 رخصة لاستخدام هذا النظام في المباني العامة وشبكة المواصلات، ولكنه امتنع عن ذكر اسم الدولة.

مهارات ما بعد الأزمة

لا شك أن العالم قبل أزمة كورونا ليس كالعالم بعدها، فكثير من القناعات قد ترسخت، والعديد من وجهات النظر قد تغيرت، وذلك عند الحديث حول الكثير من الأمور لا سيما التكنولوجيا والتطور التقني والإعتماد على الذكاء الإصطناعي في حياتنا اليومية والعملية، فالعالم مستقبلا سيعمل بكل ما أوتي من علم وموارد من أجل الإستعداد لمثل هذه الأزمات، وهناك جوانب عديدة لهذا الإستعداد لكن ما أود الحديث عنه معكم اليوم هو أحد الجوانب المهمة والمتعلق بتطوير المهارات التي يتطلبها المستقبل، حيث مع التوسع في فترات منع التجول أمامنا متسع من الوقت للعمل من الآن على تطوير بعض المهارات التي تساعدنا على النجاح والإزدهار في الواقع الجديد.

1- الإبداع، حيث أن البشر لديهم القدرة على الإبداع والتخيل وإبتكار الأشياء الجديدة، فالإبداع يعزز من الإبتكار، ولا شك أننا حالياً وفي المستقبل في أمس الحاجة إلى الأفراد القادرين على الإبداع في إبتكار الحلول التي تتماشى مع التغيرات والتطورات، ستسعى المنشآت إلى توظيف وترقية الموظفين المبدعين، ومن المهم أن تعلم أن الإبداع ليس قاصراً على الفنانين ولكن يمكن تحسين وتعزيز الإبداع في حياتنا جميعاً.

2- المهارات التقنية، حيث سيتجه العالم إلى الإعتماد أكثر على التكنولوجيا في جميع نواحي الحياة، لذا على كل فرد منا أن يعمل على الوصول إلى مستوى معين من فهم التكنولوجيات الجديدة مثل الذكاء الإصطناعي.

3- المرونة والتكيف، فمع التطورات المتسارعة لشكل وكيفية القيام بالأشياء المختلفة من حولنا، علينا أن نتكيف باستمرار ونتعلم الأشياء الجديدة، فما كان جديدأ منذ خمس سنوات أصبح اليوم قديماً ولا يصلح، وما نتعلمه اليوم سيصبح قديماً بعد عدة سنوات، لذا نحتاج جميعاً إلى تعزيز مهارة المرونة والقدرة على التكيف مع التطور ومع الواقع المتجدد، فمن لا يتجدد يتبدد، وفي رأيي أن هذه المهارة ظهرت أهميتها في هذه الأزمة بصورة كبيرة، فالتكيف مع طريقة الحياة الجديدة تتطلب أفراداً لديهم قدراً كبيراً من المرونة في قبول طرق جديدة للقيام بالأشياء.

4- التفكير النقدي، مع زيادة المشكلات الملحّة من حولنا نحتاج أكثر إلى الأفراد الذين لديهم مهارة التفكير النقدي، الأفراد القادرين على التقييم الموضوعي للمشكلة من أجل الوصول إلى أفضل حل لها.

5- مهارات التواصل والإتصال، ستكون القدرة على تبادل المعلومات والمحتوى بشكل واضح وسلس مهارة حيوية ومطلوبة في المستقبل، فمع تدفق عمليات وإجراءات التواصل والإتصال علينا أن نكون قادرين على إيصال رسائلنا بشكل صحيح من خلال قول الكلمات الصحيحة والنغمة الصحيحة للصوت ولغة الجسد.

هذه بعض من المهارات لا بد من كل فرد أن يعمل على تحسينها وتعزيزها، هناك بالطبع مهارات أخرى، علينا مشاركتها معاً لضمان مستقبل أفضل.

........................................................................................................................
المصادر
- اليوم السابع
- مونت كارلو
- البيان
- صحيفة مال الاقتصادية
- بوابة الأخبار
- الوطن

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

15