مونديال روسيا 2018 الذي توج فيه المنتخب فرنسي لكرة القدم بلقبه العالمي الثاني بعد فوزه الكبير على منتخب كرواتيا، في لقاء أقيم على ملعب لوجينكي في مدينة موسكو الروسية بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة كرواتيا كوليندا كيتاروفيتش ورئيس روسيا فلاديمير بوتين. كان وبحسب بعض المراقبين حدث مهم ومختلف لروسيا وفرنسا، حيث اعتبر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جاني إنفانتينو ان مونديال روسيا 2018، هو "أفضل كأس عالم على الاطلاق" مقارنة بالنسخ العشرين السابقة. وقال إنفانتينو "قبل أعوام قلت ان المونديال هذا سيكون الأفضل في التاريخ، ويمكنني ان أقولها اليوم بقناعة: هذه أفضل كأس عالم على الاطلاق".

واوضح رئيس الاتحاد الدولي ان "روسيا تغيرت، أصبحت بلدا حقيقيا لكرة القدم، ليس فقط مع كأس عالم نظمت على أعلى مستوى، لكن أيضا لأن كرة القدم باتت جزءا من الحمض النووي للبلاد بفضل أداء المنتخب الوطني وكل العمل الذي تحقق على مستوى البنى التحتية". وأضاف "كل شيء كان مذهلا وفعالا جدا". واعتبر إنفانتينو أن "إرث كأس العالم هذه سيرفع من تصنيف روسيا بين دول كرة القدم. ما تم بناؤه، تم بناؤه من أجل المستقبل"، مضيفا "ما تغير هو النظرة الى روسيا. نحو مليون شخص زاروا روسيا، موسكو وأيضا كل المدن الأخرى المضيفة، وأدركوا انهم في بلد جميل، مضياف، مستعد لأن يظهر للعالم كله ان الواقع ليس ما نعتقد أننا نعرفه". من جانبه قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن بلاده يمكن ان تفخر بتنظيم نهائيات كأس العالم لكرة القدم 2018. ونقلت وكالات انباء روسية عن بوتين قوله ”كان النهائي رائعا“.

اما فرنسا التي سعت الى تكريم فريقها الكروي، فقد اختلفت مظاهر الفرح التي تخللتها بعض الاشتباكات، اضافة الى بعض التصريحات الاعلامية المثيرة التي اتسمت بالعنصرية والتميز ضد لاعبي الفريق الفرنسي والذي اثار غضب بعض الشخصيات، وفي هذا الشأن أطلقت الشرطة الفرنسية الغاز المسيل للدموع وفرقت حشودا في شارع الشانزليزيه بعدما وقعت اشتباكات مع مجموعة صغيرة من الجماهير الجامحة هددت بإفساد الاحتفالات بفوز فرنسا بكأس العالم بعد تغلبها على كرواتيا خلال المباراة النهائية. وتدفق الملايين من الجماهير الفرنسية إلى الشوارع فرحين بعد صفارة النهاية فيما تجمع ألوف في الشارع الشهير بوسط العاصمة باريس.

واشتبك عدد صغير من الجماهير مع الشرطة ودمروا متاجر وممتلكات خاصة في الشارع. ورمى البعض الحجارة ومقذوفات أخرى على الشرطة التي ردت بإلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع. وقالت قناة (بي.إف.إم) التلفزيونية إن مسؤولي الأمن اتخذوا قرارا بتفريق الحشود. وأضافت أنه جرى الإبلاغ أيضا عن مشكلة وسط حشد صغير في مدينة ليون. وحشدت فرنسا قرابة 110 آلاف من قوات الأمن خلال الاحتفالات بالعيد الوطني المعروف باسم يوم الباستيل والمباراة النهائية في بطولة كأس العالم.

تكريم خاص

على صعيد متصل وبعد الفوز المثير ببطولة كأس العالم لكرة القدم.. قررت العاصمة الفرنسية باريس إطلاق اسم المدرب ديدييه ديشان على محطة لقطارات الأنفاق. وسيتقاسم الشاعر الشهير فيكتور هوجو اسمه على إحدى المحطات مع حارس مرمى الفريق وقائده هوجو لوريس. ومع عودة الفريق صاحب القميص الأزرق إلى بلاده حاملا كأس العالم قررت هيئة النقل في باريس تغيير أسماء ست محطات للأنفاق تكريما لمن ساهموا في صنع هذا الفوز.

وسيصبح الاسم الجديد لمحطة (نوتردام ديه شان) هو (نوتر ديدييه ديشان) تكريما لمدرب الفريق. وديدييه ديشان هو واحد من ثلاثة أشخاص فقط في تاريخ كأس العالم يحصل على الكأس مدربا بعد أن فاز به لاعبا إذ ساعد فريقه على تحقيق فوزه الأول في بطولة عام 1998. وسيصبح الاسم الجديد لمحطة (فيكتور هوجو) هو (فيكتور هوجو لوريس) تكريما لحارس المرمى وقائد الفريق الفائز. أما محطة (بيرسي) فسيصبح اسمها (بيرسي لي بلو) لتشابه بذلك (ميرسي لي بلو) التي تعني شكرا للزرق. وستبدل محطة (شارل ديجول-إيتوال) اسمها إلى (أون أه دوزإيتوال) التي تعني (لدينا نجمتان) فيما يشير لفوز البلاد مرتين بكأس العالم.

تعليقات عنصرية

”أفريقيا فازت بكأس العالم“.. جملة استشاط السفير الفرنسي في واشنطن غضبا عندما قالها المذيع الشهير تريفور نواه مقدم البرنامج الكوميدي الأمريكي (ذا ديلي شو). وترددت أصداء فوز فريق فرنسا متعدد الجنسيات على كرواتيا في نهائي كأس العالم لكرة القدم في مختلف أرجاء العالم واحتفت به فرنسا وأماكن أخرى باعتباره انتصارا للتنوع لكنه أثار تعليقات عنصرية في أماكن أخرى.

وخلال حلقة من البرنامج الذي يذاع على قناة (كوميدي سنترال) قال نواه وهو من جنوب أفريقيا إن ”أفريقيا فازت بكأس العالم“. وأضاف ”أفهم أن عليهم القول إن الفريق الفرنسي هو الفائز. لكن انظر لهؤلاء الرجال.. فأنتم لا تكتسبون لون البشرة هذا بمجرد التجول في جنوب فرنسا يا أصدقائي“. وهناك 15 من أفراد الفريق الفرنسي المؤلف من 23 لاعبا ينحدرون من أصول أفريقية تمتد من الكاميرون إلى الكونجو ومالي غير أن اثنين فقط منهم ولدا في أفريقيا وجاءا إلى فرنسا في طفولتهما المبكرة.

وينتقد ساسة من اليمين المتطرف في فرنسا فريق كرة القدم الوطني منذ فترة طويلة لأنه يضم العديد من اللاعبين السود ورغم ذلك أثارت كلمات نواه تعليقات غاضبة وبسببها وبخه السفير الفرنسي لدى الولايات المتحدة. وكتب السفير جيرار أرو في خطاب نشر على حساب السفارة الفرنسية على تويتر يقول ”بوصف (الفريق) بأنه فريق أفريقيا يبدو أنك تنكر عليه أنه فرنسي. هذا، حتى على سبيل المزاح، يعطي شرعية للفكر القائل بأن بياض البشرة هو السمة الوحيدة التي يعرف بها الفرنسي“. بحسب رويترز.

ورد نواه على السفير قائلا بعد أن قرأ خطابه في البرنامج ”عندما أقول أفارقة لا أقول ذلك لأنكر عليهم فرنسيتهم بل أقوله لأؤكد أنهم أفارقة مثلي“. وكان للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما رأيا آخر في فوز فرنسا بكأس العالم لكرة القدم فقال أثناء حفل تكريم نلسون مانديلا زعيم جنوب أفريقيا الراحل إن الأخذ بالتنوع يحقق ”مزايا عملية“. وأضاف ”وإذا كنت تشك في ذلك، اسأل فريق فرنسا لكرة القدم الذي فاز لتوه بكأس العالم“.

الفوز والاقتصاد الفرنسي

من جانب اخر قال وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير "نعم هناك إمكانية حقيقية أن ينمو اقتصاد فرنسا بـ0,2 بالمئة في الأشهر الثلاثة التي ستلي نهاية فعاليات كأس العالم". وقال لومير في تصريح للقناة الفرنسية الثانية: "لا يمكن لي أن أقدر بالتحديد النسبة الحقيقية التي سينمو بها الاقتصاد الفرنسي، لكن من المؤكد أن هذه النسبة سترتفع قليلا". وأضاف: "فيما يتعلق بالثلاثي الحالي (يوليو، أغسطس وأيلول) فهناك فرصة أن ترتفع نسبة الاستهلاك بـ0,2 بالمئة، مما سيجعل نسبة النمو ترتفع هي الأخرى من 1,8 بالمئة إلى 1,9 بالمئة".

وقد بدا تأثير كأس العالم 2018 على التجارة واضحا في المدن الفرنسية الكبرى مثل باريس، حيث ارتفعت نسبة التردد على المقاهي والحانات والمطاعم بشكل ملحوظ، فيما جهزت البلديات شاشات كبيرة في الأماكن العامة للسماح لمحبي الكرة المستديرة بمتابعة كأس العالم 2018. من جهة أخرى، ارتفعت أيضا نسبة شراء شاشات التلفزيون وبعض الأجهزة الإلكترونية حسب المحلل الاقتصادي لودوفيك سوبران، الذي قال في تصريح لجريدة "لوفيغارو" إنه "في حال فازت فرنسا بكأس العالم، فإن الفرنسيين سيصرفون أموالهم أكثر من المعتاد"، موضحا في الوقت نفسه أن "ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي خلال الصيف سيتبعه في فصل الخريف انخفاض ملحوظ في نسبة الاستهلاك".

وتجدر الإشارة إلى أن الناتج المحلي الخام قد ارتفع بنسبة 6 بالمائة في 1998 بسبب فوز فرنسا بكأس العالم من جهة وبفضل الكم الهائل من السياح والمناصرين الأجانب الذين تدفقوا من مختلف مناطق العالم لمؤازرة منتخباتهم التي كانت تلعب في فرنسا من جهة أخرى. أما على الصعيد السياسي، فيحاول الرئيس ماكرون أن يستغل حمى المونديال لتعزيز صورته لدى الفرنسيين لا سيما الذين ينتمون إلى الطبقات الوسطى والفقيرة، والذين يصفونه بـ"رئيس الأغنياء".

ويرى فريدريك دابي وهو نائب مدير معهد "إيفوب" لاستطلاعات الرأي أن "هناك إمكانية صغيرة أن ترتفع شعبية الرئيس ماكرون لدى الفرنسيين بعد فوز منتخب الديوك بكأس العالم، لكن هذه الشعبية لن ترتفع بشكل كبير ولن تحدث تغييرا كبيرا في الصورة التي يسعى الرئيس الفرنسي تسويقها لدى الفرنسيين. بحسب فرانس برس.

ويعتقد نفس المحلل أن كرة القدم "مهما كان الحب الذي نكنه لها، لا يمكن لها أن تخفي المشاكل الاجتماعية التي يعاني منها الفرنسيون، وعلى رأسها انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين ومشكلة الهجرة غير الشرعية". ويبقى جاك شيراك الرئيس الفرنسي الوحيد الذي استفاد سياسيا من الفوز الذي حققه المنتخب الفرنسي في كأس العالم عام 1998، حسب فريدريك دابي الذي أكد أن التعايش السياسي آنذاك بين جاك شيراك من اليمين ورئيس الحكومة ليونيل جوسبان من اليسار، هو الذي عزز مكانة شيراك السياسية في قلوب الفرنسيين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0