أَنَّى لَكَ هَذَا دعوة قرآنية لمحاسبة الفرد والأسرة والمجتمع، وردّ الأفكار والسلوكيات والحقوق والنعم إلى ميزان القرآن. يبدأ الإصلاح من تنقية العقل والخلق والمال، ثم ينتقل إلى سؤال الأبناء والزوج والأسرة عن مصادر التصرف والاختيار، وصولًا إلى ثقافة مجتمعية تحفظ الحقوق، وتبني التعارف والتقوى، وتوازن بين الرحمة والشدة...

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(1)

نظرًا لما يقاسيه المجتمع من جرّاء ابتعاده عن المعين المبين للمنهج الحق، وحثًا على تدبّر كتاب الله في شهر البركات، واستلهامًا من نص الآية المزيّنة لهذه الورقة، انطلقنا بمعالجة ظواهر اجتماعية سببها غفلتنا عن الآية الكريمة، فسمّينا مقالتنا: «أَنَّى لَكِ هَذَا».

تطرح المقالة قضايا مجتمعنا وأسرتنا وأفرادنا، كلٌّ بحسب مسؤوليته في عرض تصرفاته على القرآن، ثم تقويمها، وأخذ الطريق الأنجع والأمثل لحلّ مشاكلنا الفردية والأسرية والاجتماعية من القرآن الكريم. نتسلسل فيها من الإدارة المعرفية الفردية إلى الإدارة التربوية الأسرية، وصولًا إلى الإدارة الثقافية للمجتمع الإسلامي.

الفرد بما هو فرد

نسأل الفرد: أَنَّى لَكَ هَذَا من أفكار ومعتقدات وقيم وأخلاقيات وسلوكيات؟ فإن وجد لها وجهًا قرآنيًا حثّ عليه الله أُخذ به، وإذا كان فيها وجه نهى الله عنه تُرك.

1- الأفكار: قل لي بربك: من أين لك فكرة التحرر من الدين؟ هل هي نتاج غربي استقبله عقلك من قنوات الشبكات العنكبوتية التي اصطادتك؟ أم هي جاهلية ثانية ورثتها مما كان يُعبد؟ أعطاك عقلًا لتعرفه به من نفسك ومعجزات جسمك، لكنك اخترت تكبيل فكرك بخيوط العنكبوت الذي اصطادك. أَنَّى لَكَ هَذَا؟ ارتدِ قبعة مفلترة لا تسمح لكل الأفكار أن تخترق عقلك، فلعلها فيروس يقتل خلايا ضميرك، ويحوّلك إلى دمية اعتادت تلقي معلومات تُبرمج عليها ممن هبّ ودبّ. إن كنت موردًا عقلك فكرًا، فمرّره عبر تصفيات كتاب ربك، فما وافق فخذ، وما طُرح فاطرح.

2- الأخلاق: أَنَّى لَكِ سيدتي أن تكوني خليلة لهذا وصديقة لذاك؟ هل وجدتِ مصداقًا له في نساء الأنبياء أو الصالحين؟ كوني جوهرة لا يمسها إلا المطهّرون، علّمي من حولك أن يقبلك عقلًا يحاوره، لا جسدًا يُمتعه، فكلنا أرواح صُبّت في قوالب جسدية، هدفها أن تسمو بمكارم الأخلاق.

3- الحقوق: أَنَّى لَكَ هَذَا أمواله؟ هل حاسبنا أنفسنا قبل المحاسبة وأدّينا الحقوق؟

«الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه، وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نفسَهُ هَواهَا وتمنَّى على الله».

في داخلنا إضاءة تُسمّى الضمير، إن أبصرت دعمت صاحبها بالحياة، وإذا تلاشت فلا حياة. قرآننا منهج حياة يعلمنا كيف نسمو بما نتزكى من أموالنا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(2).

4- النعمة: أَنَّى لَكَ هَذَا؟ نسأل النفس البشرية: أَنَّى لَكِ هذه القدرات؟ وهل عرفتِ المنعم، وأدّيتِ حق شكر النعمة؟ هل استفدتِ من عقلك أم خدّرته؟ هل أنت ممن نُعتوا بأولي الألباب، أم أنت ممن قال عنهم القرآن: ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]؟ هل كنت عبدًا شكورًا؟ أم كنت ممن إذا أُنعِم عليه أعرض ونأى بجانبه؟

الحمدُ لله أقصى مَبلَغِ الحمدِ

والشكرُ لله مِن قبلٍ ومِن بعدِ

الحمدُ لله عن سَمعٍ وعن بَصَرٍ

الحمدُ لله عن عقلٍ وعن جسدِ

الفرد في الأسرة

اسأل ابنك وبنتك: أَنَّى لَكَ هَذَا؟ فقد سأل زكريا: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ [آل عمران: 37].

وعلّمهما كما علّم لقمان ابنه، وقال له: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: 16]. علّم ولدك القرآن، والقرآن يعلّمه كل شيء، واسأله وتابعه، واسألها واسأله: من أين جاء بهذه الحوائج، حتى ولو كان قلمًا صغيرًا؟

الزوجة تسأل: أَنَّى لَكَ هَذَا؟ ومصداقه آسية امرأة فرعون؛ لتسأل الزوجة زوجها عن لقمة الحلال قبل تناولها، ولتسأل ولدها عن الفرعون الذي ترعرع في داخله، ولم يكن من نتاجها: من أين لك هذا؟

البنت تسأل: أَنَّى لَكَ هَذَا؟ فلتسأل الشابة أباها: لماذا قبلت بهذا الخاطب لي؟ إني احتذيت ببنت شعيب حين قالت: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾(3)، فبمن احتذيت حين فضّلت من لم يزده ماله إلا خسرًا؟ أسألك يا والدي عن صهر الرسول وزوج البتول: ماذا كان يملك حتى فضّله رسول الله على أغنياء أصحابه الذين طلبوا سيدة النساء زوجًا لهم؟ أَنَّى لَكَ أن تطلب غالي المهور؟ أفي سنّة نبيك وجدتها؟ أم هي جاهلية ابتدعتها مجتمعاتنا التي شيّأت المرأة حتى صارت سلعة تُباع وتُشترى؟

كانت هذه أسئلة طرحها فرد يتيم في هذا المجتمع، آنس بالقرآن منبعًا ومنهجًا، وسنتابع هذا اليتيم فكرًا كيف يخوض غمار حرب عندما يدخل المجتمع.

الفرد في المجتمع

فليسأل الشعب رموزه وممثليه: أَنَّى لَكَ هَذَا؟ ومصداقه سؤال الشعوب أنبياءهم في القرآن.

فليسأل المثقفون من يروّج أفكارًا خارجة عن الدين والأخلاق التي تربينا عليها: أَنَّى لَكُمْ هَذَا؟ لا نريد ما يأتي من الغرب في الجملة، ولا نريد ما وجدتم عليه آباءكم.

ليسأل الجار جاره، ولتسأل الشعوب بعضها، ولنصل إلى كلمة سواء بيننا وبينهم: أَنَّى لَنَا هَذَا من نزاع وخلاف لم يكن موجودًا؟

أَنَّى لَكَ هَذَا؟ لتكن ثقافة تدير مفاصل الدولة والمجتمع، لتُحفظ الحقوق، وتُراعى الحرمات، ويعود المجتمع إلى ما أسس له القرآن الكريم.

أَنَّى لَكَ هَذَا: قوانين للفرد والأسرة والمجتمع

للفرد

1- قانون الاعتزال للفرد، ومصداقه انعزال إبراهيم (عليه السلام) عن قومه ليعيد صياغة ذاته: أَنَّى لَكَ هذه العزلة؟

2- الإقدام في الحق ولو كنت منفردًا: أَنَّى لَكَ هذا الإقدام؟ ومصداقه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾.

3- قانون السكوت: أَنَّى لَكِ هذا الصمت؟ ومصداقه: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. سيدتي، اصمتي كما صمتت مريم.

4- قانون: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾(4).

كن أنت سالمًا، صالحًا.

للأسرة

1- ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾(5).

أَنَّى لَكَ هَذَا؟ أعدلٌ؟ أم تفريق؟ أم ظلم؟ أم هناك قانون سيجزي الله الصابرين؟

2- ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾(6). أَنَّى لَكَ هَذَا؟ قانون الأبوة الحنونة والمربية.

3- أَنَّى لَكَ هَذَا؟ قانون الأخوة: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾. فحوى القانون يقول لك: كن هارون، ولا تكن كإخوة يوسف.

4- أَنَّى لَكَ هَذَا؟ قانون رعاية الكبير للصغير: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾. الأخت هي الأم الثانية، لها دورها، وللأم دور في أن تفوّض لابنتها بعض المهام لتدرّبها على أن تكون أمًا للمستقبل.

للمجتمع

1- أَنَّى لَكَ هَذَا؟ من أين تأتي النعم لشعوب دون غيرها؟ البركة والإيمان، ومصداقه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾(7).

2- أَنَّى لَكَ هَذَا؟ قانون التعارف والتقوى، ومصداقه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(8). نتعارف على أساس التقوى، ونتحاور عقولًا، لا تحرّكنا المتغيرات، سواء كان ذكرًا أم أنثى، عربيًا أم أعجميًا، من ديني أو غير ديني، من مذهبي أو غيره، من جنسيتي أو غيرها. المهم أن يكون مبنى التعارف للتكامل والرقي، والتقييم على أساس التقوى هو دور الله عز اسمه، ووظيفتنا التعارف لا التقييم؛ فالله يزكي الأنفس.

3- أَنَّى لَكَ هَذَا؟ قانون: مع مَن؟ الأكثرية أم الأقل؟ ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾(9). ليس دائمًا الحق مع الأكثر، فإن أتباع الرسل كانوا قليلًا، وبدأ الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(10).

4- أَنَّى لَكَ هَذَا؟ قانون أشداء أو رحماء؟ ومصداقه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾(11).

متى سأكون رحيمًا، ومع مَن؟ ومتى أكون شديدًا، ومع مَن؟ ذلك هو التوازن الذي يجعلك مستخلفًا لله، الذي هو أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة، وأشد المعاقبين في موضع النكال والنقمة. إذا حكمنا هذا القانون مجتمعيًا كان لنا في الحياة قصاص، وكنا من أولي الألباب.

الجمع والختام

من أين لك هذا؟ جوابه: هذا من فضل ربي.

بدأنا بمحاسبة أنفسنا، وأسرنا، ومجتمعنا تحت شعار: أَنَّى لَكَ هَذَا؟

ثم جعلنا سلوكنا تحت منهج الله، فتعلمنا من القرآن، بفضل ربنا، قوانين تجعلنا صالحين.

ماذا تعلمنا؟ «رحم الله امرأً علم من أين، وإلى أين، وفي أين».

النتيجة هي: لا تنسَ حظك من الدنيا، والعاقبة للمتقين، والجنة موطنك السعيد.

* جامعة كربلاء - كلية العلوم الإسلامية

..........................................

الهوامش

(1) سورة آل عمران: 37.

(2) سورة التوبة: 103.

(3) سورة القصص: 26.

(4) سورة المائدة: 105.

(5) سورة إبراهيم: 37.

(6) سورة يوسف: 87.

(7) سورة الأعراف: 96.

(8) سورة الحجرات: 13.

(9) سورة الأعراف: 102.

(10) سورة الأنفال: 64.

(11) سورة الفتح: 29.

اضف تعليق