مع قرع جرس المدرسة، تتجه أنظار آلاف العائلات محملة بالأمنيات بـعام مليء بالنجاح، غير أن هناك هاجساً يرافق الأسر يتعلق بالطريق الذي يسلكه الطفل يومياً... فالمجتمع اعتاد على مشاهد أصبحت مألوفة نتيجة تكرارها، لكن الاعتياد لا يعني أنها أصبحت آمنة؛ وما يراه البالغ أمراً بسيطا قد يكون مصدر خطر حقيقي لطفل لا يمتلك الخبرة أو القدرة على التعامل مع موقف طارئ...
مع قرع جرس المدرسة إيذانا ببدء عام دراسي جديد، تتجه أنظار آلاف العائلات إلى المدارس، محملة بالآمال والأمنيات بأن يكون عام أبنائها مليئا بالنجاح والتفوق، غير أن هناك هاجسا آخر يرافق كثيرا من الأسر مع كل صباح دراسي، هاجس لا يتعلق بالكتب أو الامتحانات أو الدرجات، وإنما بالطريق الذي يسلكه الطفل من منزله إلى مدرسته ثم عودته إليها بعد انتهاء الدوام.
والحديث هذه المرة عن ظاهرة انتشار الكلاب السائبة التي باتت حاضرة في عدد من الأحياء السكنية والشوارع الفرعية والمناطق القريبة من المدارس، لتضيف خطرا جديدا إلى قائمة المخاطر التي قد تواجه الأطفال في طريقهم اليومي.
قد يبدو المشهد للوهلة الأولى عاديا بالنسبة إلى البعض، مجموعة من الكلاب تتجول في شارع أو تقف عند زاوية أحد الأزقة، لكن بالنسبة إلى طفل يحمل حقيبته المدرسية ويسير بمفرده، قد يتحول هذا المشهد خلال لحظات إلى حالة من الرعب، خصوصا عندما تكون الكلاب متجمعة أو تتحرك باتجاهه.
وتتضاعف المشكلة في المناطق التي لا توجد فيها خطوط نقل مخصصة للتلاميذ، فهناك أطفال يضطرون يوميا إلى قطع مسافات طويلة سيرا على الأقدام للوصول إلى مدارسهم، ثم العودة إلى منازلهم بعد ساعات من الدراسة، بعضهم يبدأ رحلته في ساعات الصباح الباكر، وبعضهم يعود في أوقات تشهد حركة محدودة في الشوارع، ما يجعل وجود الكلاب السائبة في مساراتهم اليومية أمرا يستحق معالجة عاجلة.
ولا تكمن الخطورة في احتمالية تعرض الطفل للعض فقط، فمجرد مطاردة الكلاب له قد تكون كافية لوقوع حادث خطير، الطفل الخائف قد يركض دون أن ينتبه إلى السيارات أو الدراجات أو الحفر الموجودة في الطريق، وقد يسقط أرضا أثناء محاولته الهرب، وقد يصاب نتيجة التدافع أو الخوف.
كما أن تكرار هذه المشاهد يمكن أن يترك أثرا نفسيا لدى بعض الأطفال، فيصبح الطريق إلى المدرسة مرتبطا لديهم بالخوف بدلا من أن يكون جزءا طبيعيا من حياتهم اليومية.
ولذلك فإن انتشار الكلاب السائبة ومسؤولية معالجة هذه الظاهرة لا تقع على عاتق جهة واحدة، فالبلديات والجهات المحلية مطالبة بتكثيف جولاتها الميدانية، ورصد أماكن تجمع الكلاب السائبة، واتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من وجودها في المناطق السكنية، خصوصا بالقرب من المدارس ومداخل الأحياء والشوارع التي يستخدمها الأطفال.
كما أن الجهات البيطرية والصحية مطالبة بالمشاركة في وضع آليات مهنية للتعامل مع هذه الظاهرة، بما يضمن حماية المواطنين والحفاظ على الصحة العامة، مع اعتماد الإجراءات الإنسانية والآمنة التي تنسجم مع القوانين والتعليمات النافذة.
وفي المقابل، يمكن للمدارس أن تؤدي دورا مهما في رصد المشكلة، فالإدارات المدرسية تعرف بصورة مباشرة الطرق التي يسلكها الطلبة، ويمكنها تحديد النقاط التي تشهد تجمعات للكلاب السائبة وإبلاغ الجهات المختصة عنها بصورة منتظمة، وقد يكون من المفيد إنشاء آلية واضحة وسريعة للتواصل بين المدارس والبلديات، بحيث لا تبقى الشكاوى مجرد مطالب فردية تنتظر الاستجابة.
أما الأهالي فهم أيضا أمام مسؤولية مهمة، تتمثل في متابعة أبنائهم قدر الإمكان، والإبلاغ عن أماكن تجمع الكلاب السائبة، والتنسيق مع المدارس والجهات المحلية عند وجود خطر متكرر، ويمكن للأسر التي تسكن في مناطق بعيدة عن المدارس تنظيم ذهاب الأطفال وعودتهم بصورة جماعية، خصوصا للتلاميذ في الأعمار الصغيرة، إلى حين معالجة المشكلة في مناطقهم.
وفي الوقت ذاته يجب ألا يغيب عن المشهد ملف النقل المدرسي، فوجود وسائل نقل آمنة للتلاميذ يمكن أن يقلل بصورة كبيرة من تعرض الأطفال للمخاطر الموجودة في الطرق، خصوصا في المناطق التي تتباعد فيها المدارس عن الأحياء السكنية، ولذلك فإن دراسة توفير خطوط نقل مدرسية للمناطق الأكثر حاجة يمكن أن تكون جزءا من الحل، لا سيما عندما يتعلق الأمر بالأطفال في المراحل العمرية المبكرة.
لكن مواجهة المشكلة تحتاج أيضا إلى معالجة أسباب استمرارها، فانتشار النفايات وبقايا الأطعمة في بعض المناطق يمكن أن يوفر مصادر غذاء للحيوانات السائبة ويسهم في تجمعها بالقرب من الأحياء والمناطق المأهولة، ولهذا فإن تحسين إدارة النفايات، ورفع المخلفات بصورة منتظمة، والحفاظ على نظافة الشوارع، تعد إجراءات مساندة لأي حملة تهدف إلى الحد من انتشار الكلاب السائبة.
ولا ينبغي انتظار وقوع حادث مؤلم حتى تتحرك الجهات المختصة، فالمعالجة الوقائية دائما أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بالأطفال، وكل تجمع للكلاب بالقرب من مدرسة أو على طريق يستخدمه التلاميذ يجب أن ينظر إليه بوصفه حالة تستوجب المتابعة، لا مشهدا عابرا يتكرر كل يوم حتى يصبح جزءاً من الواقع المعتاد.
لقد اعتاد المجتمع العراقي خلال السنوات الماضية على كثير من المشاهد التي أصبحت مألوفة نتيجة تكرارها، لكن الاعتياد على المشكلة لا يعني أنها أصبحت مقبولة أو آمنة، وما يراه الشخص البالغ أمرا بسيطا قد يكون مصدر خطر حقيقي لطفل لا يمتلك الخبرة أو القدرة الجسدية على التعامل مع موقف طارئ.



اضف تعليق