إسلاميات - القرآن الكريم

معنى التأويل وضوابطه

(هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) (5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: ((هُوَ الَّذي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذينَ في‏ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْويلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ))(1).

الحديث يدور بإذن الله تعالى حول محورين: الأول معنى التأويل، الثاني ضوابط التأويل.

البحث الأول: معنى التأويل

المحور الأول: معنى التأويل، فانه مأخوذ من مادة الأَوْل والأول يعني الرجوع، فالتأويل يعني إرجاع اللفظ عن ظاهره إلى ما يؤول إليه من المعنى، والمعنى الذي يؤول إليه على أقسام ثلاثة فانه تارة يكون مبتدأَهُ ومصدرَهُ، وأخرى يكون منتهاه ومختتَمه، وثالثة يكون واقعَه وحقيقَته.

أنواع التأويل الثلاثة

فمن الأول: عِلَل الأحكام، فان المعروف إنا لا نعلم إلا حِكَم الأحكام وأما عللها فلا يعلمها إلا الله تعالى والراسخون في العلم ولذلك منعت الروايات المتواترة عن القياس معللة بان ((إِنَّ السُّنَّةَ إِذَا قِيسَتْ مُحِقَ الدِّينُ))(2) ((إِنَّ دِينَ اللَّهِ لَا يُصَابُ بِالْقِيَاس‏))(3) و((...كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ))(4) فالتأويل يشمل إرجاع الحكم (أو اللفظ الحامل للحكم) إلى ما يؤول إليه من علله ولكن ((وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)).

ومن الثاني: مآلات العباد ومصائرهم والرجعة والساعة والقيامة ونظائرها، إذ ((إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ))(5) و((يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا))(6) وغيرها وقوله تعالى: ((فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ))(7) على كلا التفسيرين للمستقر والمستودع، وغير ذلك.

ومن الثالث: حقائق الكثير من الأمور، كاللوح والقلم والعرش والكرسي والأيام فانها مما لا نعلم حقائقها إلا بالقدر وبالحدود التي وصلتنا من المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى: ((في‏ لَوْحٍ مَحْفُوظٍ))(8) ((وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ))(9) و((وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ))(10) و((خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ في‏ سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى‏ عَلَى الْعَرْشِ))(11) فما هو العرش؟ وما هي الأيام؟ وهل يراد بها ما أريد بها في الآية الأخرى التي وردت عن القيامة ((في‏ يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ))(12)، على انه لو أريد بها ذلك كان من تفسير القرآن بالقرآن فانه ((وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)).

ولذلك كله وغيره ورد في الحديث ((لَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَبْعَدَ مِنْ عُقُولِ الرِّجَالِ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ))(13) فانه بعيد عن عقول الرجال لتلك الجهات الثلاثة وغيرها أيضاً.

التأويل عند علماء اللغة

والمعنى الذي ذكرناه للتأويل هو المعنى الذي صار إليه علماء اللغة:

قال في لسان العرب: (الأَوْلُ: الرُّجُوعُ. آلَ الشيءُ يَؤُولُ أَوْلًا ومَآلًا: رَجَع. وأَوَّلَ إِليه الشيءَ: رَجَعَه. وأُلْتُ عَنِ الشَّيْءِ: ارْتَدَدْتُ. وَفِي الْحَدِيثِ:

مَنْ صَامَ الدَّهْرَ فَلَا صَامَ وَلَا آلَ أَي لَا رَجَعَ إِلى خير.

وَيُقَالُ: طَبَخْت النبيذَ حَتَّى آلَ إِلَى الثُّلُث أَو الرُّبع أَي رَجَع)(14)

وقال في مفردات الراغب: (التأويل: من الأوْل، أي الرجوع إلى الأصل، ومنه الـمَوْئِلُ للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه، عِلْماً كان أو فعلاً، ففي العلم نحو: ((وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ))(15) وفي الفعل كقول الشاعر: وللنَّوى قبل يوم البين تأويلُ.

وقوله تعالى: ((هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ))(16) أي بيانه الذي [هو] غايته المقصودة منه. وقوله تعالى: ((ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا))(17) قيل: أحسن معنى ترجمةً، وقيل: أحسن ثواباً في الآخرة)(18) وقال العاملي: (التفسير: بيان معنى ألفاظ الكلام. والتأويل: بيان ما يقصد منه ويؤول إليه. تقول: أوَّلتُه وتأولته تأوُّلاً وتأويلاً. وتقول: مآل الكلام وموئله. قال الله تعالى: ((وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلا جِئْنَاكَ بِالْحق وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا))(19) وقال عن القرآن: ((وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إِلا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)). وقال عن يوسف عليه السلام: ((وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ))(20). ((يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاىَ مِنْ قَبْلُ))(21). وقال في الخضر: ((سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا))(22).

والتأويل في هذه الآيات تأويلُ حَدَثٍ أو كلامٍ مضى، وقد يكون تأويل شيء سيأتي، كقوله عن يوسف: ((لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي))(23).

وقال عن البيع والتعامل: ((وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً))(24).

وقال عن ردّ الأخبار الهامة إلى أولي الأمــر: ((ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلاً))(25))(26).

ولكن قال في معجم مقاييس اللغة: (أَوَلَ: الْهَمْزَةُ وَالْوَاوُ وَاللَّامُ أَصْلَانِ: ابْتِدَاءُ الْأَمْرِ وَانْتِهَاؤُهُ)(27).

أقول: الأدق هو ما ذكره لسان العرب فإن ابتداء الأمر وانتهاءه ليس معنى الأول، بل هما ملزومان له فان آل أي رجع إلى مبتدأ الأمر أو إلى منتهاه، إذ كل رجوع لا بد له من ما يُرجع إليه من أمر ماضٍ أو أمر مستقبل أو حقيقة أو شبه ذلك، فالصحيح هو ما قاله بعد ذلك: (وَآلَ يَؤُولُ، أَيْ: رَجَعَ. قَالَ يَعْقُوبُ: يُقَالُ: " أَوَّلَ الْحُكْمَ إِلَى أَهْلِهِ "، أَيْ: أَرْجَعَهُ وَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ. قَالَ الْأَعْشَى: أُؤَوِّلُ الْحُكْمَ إِلَى أَهْلِهِ قَالَ الْخَلِيلُ: آلَ اللَّبَنُ يَؤُولُ أَوْلًا وَأَوُولًا: خَثُرَ. وَكَذَلِكَ النَّبَاتُ. قَالَ أَبُو زَيْدٍ: آلَ اللَّبَنُ عَلَى الْإِصْبَعِ، وَذَلِكَ أَنْ يَرُوبَ فَإِذَا جَعَلْتَ فِيهِ الْإِصْبَعَ قِيلَ آلَ عَلَيْهَا)(28) والظاهر ان تفسير الأوْل بالابتداء والانتهاء تفسير له بمعناه الاسم مصدري. فتدبر

وقال: (وَالْأَصْلُ الثَّانِي قَالَ الْخَلِيلُ: الْأَيِّلُ الذَّكَرُ مِنَ الْوُعُولِ، وَالْجَمْعُ أَيَائِلُ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ أَيِّلًا لِأَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى الْجَبَلِ يَتَحَصَّنُ)(29).

وجه الخطأ في تفسير ابن تيمية للتأويل

وبذلك كله اتضح الخطأ الذي وقع فيه علماء السلف من العامة حسبما نقله ابن تيمية عنهم، قال: (وأمّا التأويل في لفظ السلف فله معنيان:

أحدهما: تفسير الكلام وبيان معناه، سواء وافق ظاهره أو خالفه فيكون التأويل والتفسير عند هؤلاء متقارباً، أو مترادفاً...

وثانيهما: هو نفس المراد بالكلام، فإن الكلام إن كان طلباً كان تأويله نفس الفعل المطلوب، وإن كان خبراً كان تأويله نفس الشيء المخبر به)(30). ومقصوده من (نفس المراد بالكلام) أي وجوده العيني أو مصداقه فانه (نفس الفعل المطلوب) و(نفس الشيء المخبر به).

أقول: يرد عليه أولاً: ان المعنى الأول غلط لبداهة ان التأويل ليس مرادفاً للتفسير ولا مقارباً له في العرف ولا في اللغة ولا عند العلماء، ولذا تجدهم يختلفون في معنى التأويل دون التفسير(31) أو يفسرونه بتفسير مغاير تماماً لتفسيرهم للتفسير، كما سيأتي.

ثانياً: ان المعنى الأول والثاني، لا ينطبق أي منها على التأويل في الآية الشريفة ((وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) لأنه على المعنى الأول سوف يعني ان التفسير أيضاً لا يعلمه إلا الله (على الوقف وهو المشهور عندهم، أو إلا الله والراسخون وهم الرسول ((صلى الله عليه و اله و سلم)) ومن أخذ منه بنقل صحيح) وعليه: فيجب إلغاء كافة التفاسير التي كتبوها إذ ((وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ)) أو حذف كل ما لم ينقلوه بسند صحيح عن الرسول ((صلى الله عليه و اله و سلم))، أي إلغاء كل تفسير لم يرد عنه ((صلى الله عليه و اله و سلم)) وإن طابق قواعد اللغة والعرف مادام التفسير هو التأويل وبالعكس ومادام الله يصرح بحصر علم التأويل به جل اسمه، فهذا عن المعنى الأول.

وأما المعنى الثاني، فمن البديهي اننا نعلم كثيراً مما ذكره في المعنى الثاني:

أ- فقوله (فان الكلام إن كان طلباً كان تأويله نفس الفعل المطلوب) يرد عليه: ان هذا مما لا ينطبق على آية ((وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) لوضوح اننا نعلم من قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ))(32) مفهومه كما نعلم مصداقه أي نفس الفعل المأمور به والمطلوب وهو العدل والإحسان، أما مفهومهما فواضح لدى العرف، وأما مصاديقهما فهي غالباً معروفة؛ ألا ترى انّ إكرام الضيف هو من الإحسان وانّ البر بالوالدين كذلك وانّ إعطاء الأجير أجرته المتعارفة من العدل وهكذا وكلها مصاديقه وهي نفس الفعل المطلوب، وهي مما يعلمه الكل، وليس من ((وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ))، وكذلك قوله: ((أَقِمِ الصَّلاةَ))(33) إذ نعلم مفهوم الصلاة كما نعلم مصداقها فان نفس الفعل المطلوب هو الصلاة.

ب- وقوله: (وإن كان خبراً كان تأويله نفس الشيء المخبر به) يرد عليه: انّ المسلمين كما فهموا من ((الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ))(34) معنى الآية وهي ان الروم سيغلبون بعد سنين، فانهم فهموا المصداق عندما رأوا المعركة ونتائجها بعد تلك السنين؛ لوضوح ان كل شخص يدرك ان هذا الجيش غلب وانتصر وان ذلك الجيش انهزم وخسر.

وعلى أيٍّ فان حاصل الإشكال الثاني هو ان هذين المعنيين لا ينطبقان على الآية الكريمة ((فَأَمَّا الَّذينَ في‏ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْويلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) وان الأول غلط، وان صح المعنى الثاني في بعض الآيات الأخرى كـ((يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاىَ مِنْ قَبْلُ))(35) ولذا فان الإشكال هو على المعنى الأول وعلى الحصر المستفاد من ظاهر كلامه، ولو انه تحرى الكلام الصحيح لقال: وأما التأويل في لفظ السلف فله معانٍ منها هذان المعنيان).

بل نقول: حتى المعنى الثاني مآله إلى الأول والرجوع فـ((تَأْوِيلُ رُؤْيَاىَ)) أي ما آلت إليه رؤياي وانتهت إليه.

وعلى أي فان المعنى العرفي واللغوي للتأويل هو ما ذكرناه، وهو ما التزم به مشاهير علماء العامة أيضاً، مع بعض الاختلاف، فمثلاً: قال ابن قدامة: (والتأويل صرف اللفظ عن الاحتمال الظاهر إلى احتمال مرجوح به لاعتضاده بدليل يصير به أغلب الظن من المعنى الذي دل عليه الظاهر )(36) وقال الفخر الرازي: (أَنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الرَّاجِحِ إِلَى مَعْنَاهُ الْمَرْجُوحِ فِي الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ لَا يَجُوزُ إِلَّا عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ الْعَقْلِيِّ عَلَى أَنَّ مَا أَشْعَرَ بِهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ مُحَالٌ، وَقَدْ عَلِمْنَا فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ الْمَرْجُوحِ جَائِزٌ عِنْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَعِنْدَ هَذَا يَتَعَيَّنُ/ التَّأْوِيلُ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ الرَّاجِحِ إِلَى مَعْنَاهُ الْمَرْجُوحِ إِلَّا بِوَاسِطَةِ إِقَامَةِ الدَّلَالَةِ الْعَقْلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الرَّاجِحَ مُحَالٌ)(37) لكن هذا الأخير أخص من التأويل لأن التأويل يصدق مع (قيام الدليل القاطع على ان ظاهره غير مراد) وإن لم يدل على انه محال.

البحث الثاني: ضوابط التأويل

وأما ضوابط التأويل فقد اختلف فيها العلماء وسنشير إلى بعضها في هذا الدرس عسى ان نكمل لاحقاً بإذن الله تعالى.

فقد ذكر علماء العامة من الضوابط (السياق) كما ذكروا (القياس).

هل القياس دليل وضابط؟

أما القياس فقد قال موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامه المقدسي: (والدليل يكون قرينة، أو ظاهراً آخر، أو قياساً راجحاً. ومهما تساوي الاحتمالان وجب المصير إلى الترجيح، وكل متأول تحتاج إلى بيان احتمال اللفظ لما حمله عليه ثم إلى دليل صارف له وقد يكون في الظاهر قرائن تدفع الاحتمال بمجموعها وآحادها)(38).

الجواب

أقول: انّ القياس الراجح لا يصلح ولا يصح ان يكون دليلاً على التأويل ومرجعاً له، فمع قطع النظر عن أدلتنا على بطلان القياس وحرمته، فان مرجعية القياس الراجح تخالف صريح الآية الكريمة إذ يقول تعالى: ((فَأَمَّا الَّذينَ في‏ قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْويلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) فلا يجوز إتباع المتشابه وتأويله إلا بالعلم، لا بالرجحان الظني ((وَما يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)) فالعلم هو المدار وعليه الاعتبار ولذا قال تعالى: ((وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْني‏ مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً))(39).

هل السياق دليل وضابط؟

وأما السياق، فقد قال ابن القيم الجوزية: (السياق يرشدُ إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالَّة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته. فانظر إلى قوله تعالى: ((ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ))(40)، كيف تجدُ سياقَه يدُلُّ على أنه الذليلُ الحقيرُ)(41).

الجواب

أقول: السياق لا يصلح دليلاً على التأويل، فمع قطع النظر عن أدلتنا على عدم حجيته في الكتاب العزيز إذ ((إِنَّ الْآيَةَ يَكُونُ أَوَّلُهَا فِي شَيْ‏ءٍ وَآخِرُهَا فِي شَيْ‏ءٍ وَهُوَ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ مُتَصَرِّفٌ عَلَى وُجُوهِ))(42) فان السياق كثيراً ما لا يورث إلا الظن و((وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْني‏ مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً))(43) و((إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ))(44) فكان عليه ان يقيد بالسياق بالمورث للعلم. بعبارة أخرى: السياق إن ولّد ظهور عرفياً كان ذلك الظهور حجة، دون ما لو لم يولده؛ إذ لا يوجد دليل من آية أو رواية على حجية السياق، نعم إذا ولّد الظهور فان الظهور حجة عقلائية.

معنى ((ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ))

بل نقول: ان دليله وهو (فانظر إلى قوله تعالى: ((ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ))، كيف تجدُ سياقَه يدُلُّ على أنه الذليلُ الحقيرُ) عليه، لا له؛ إذ:

أولاً: لم نستدل على ذلك بالسياق بل بمناسبات الحكم والموضوع.

ثانياً: إنما قادنا إليه، لو سلّمنا، المضمون والمحتوى أو قرينة المقام، لا السياق.

أو نقول: الدالّ هو مجموع ما ذكر في النقطتين.

ثالثاً: بل نقول: الأمر بالعكس؛ فان الظاهر من الآية الكريمة ان المراد هو نفس المعنى الظاهر من العزيز الكريم لا المعنى الذي تجوز به (عن الذليل الحقير بالعزيز الكريم)، توضيحه: انه يحتمل في الآية احتمالان:

الأول: ما استظهره هو وجعل السياق دالاً عليه وهو: ان الله تعالى يقول لمن يعذبه في جهنم (ذق العذاب فانك أنت الذليل الحقير الآن). ولكن نقول هذا المعنى لا لطف فيه ولا روعة ولا بلاغة بل هو معنى عادي متداول.

الثاني: ما نستظهره وهو انه تعالى يقول: (ذق العذاب فانك أنت العزيز الكريم) أي العزيز في الدنيا الكريم على قومك، والمشتق حقيقة فيما انقضى عنه المبدأ إذا كان بلحاظ حال التلبس بل حتى لو قلنا بالمجاز بعلاقة ما كان، فأنت العزيز الكريم في الدنيا ذق العذاب والهوان الآن.. فهذا ما دل عليه المضمون والمقام ومناسبات الحكم والموضوع والاعتبار لا السياق. إضافة إلى انه صريح تفسير القمي: (ثم يقال له‌ ((ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ‌)) فلفظه خبر و معناه حكاية عمن يقول له ذلك- و ذلك أن أبا جهل كان يقول: أنا العزيز الكريم، فتعيّر بذلك في النار)(45) وكذلك تفسير نور الثقلين، وفي التبيان (يعني عند نفسك وقومك)(46) وفي الصافي: (ذق إنك أنت العزيز الكريم أي وقولوا له ذلك استهزاء به.

القمي وذلك أن أبا جهل كان يقول أنا العزيز الكريم فيعير بذلك في النار.

وفي الجوامع روي أن أبا جهل قال لرسول الله ((صلى الله عليه و اله و سلم)) ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني وقريء إنك بالفتح أي لأنك)(47).

الصافي: الألفاظ موضوعة للحقائق والأرواح!

فهذا كله من جهة ومن جهة أخرى، فقد فتح بعض المفسرين الباب بمصراعيه أمام التأويل حيث ابتكر فكرة اعتبرها مما ينفتح منه ألف باب، وإجمالها: ان الألفاظ لم توضع لقوالب مدلولاتها بل وضعت للروح السارية فيها وإن كانت في ضمن قالب معين، فان هذه الروح قد تكون لها قوالب متعددة فيكون استعمال ذلك اللفظ في كل تلك القوالب على نحو الحقيقة لا المجاز نظراً لاتحاد الروح والقالب فاستعمال الموضوع لأحدهما، وهو الروح وإن كانت في ضمن قالب معين(48) ولنسمّه القالب الأول، في الآخر وهو القالب الثاني أو الثالث، ليس استعمالاً في غير الموضوع له.

ولننقل كلامه على طوله ليتضح جيداً مرامه، ثم نبسط القول في مناقشته:

قال في مقدمة تفسير الصافي: (أقول: وتحقيق القول في المتشابه وتأويله يقتضي الإتيان بكلام مبسوط من جنس اللباب وفتح باب من العلم ينفتح منه لأهله ألف باب. فنقول وبالله التوفيق: إن لكل معنى من المعاني حقيقة وروحاً وله صورة وقالب وقد يتعدد الصور والقوالب لحقيقة واحدة وإنما وضعت الألفاظ للحقائق والأرواح ولوجودهما في القوالب تستعمل الألفاظ فيهما على الحقيقة لاتحاد ما بينهما، مثلاً لفظ (القلم) إنما وضع لآلة نقش الصور في الألواح من دون أن يعتبر فيها كونها من قصب أو حديد أو غير ذلك بل ولا أن يكون جسماً ولا كون النقش محسوساً أو معقولاً ولا كون اللوح من قرطاس أو خشب بل مجرد كونه منقوشاً فيه وهذا حقيقة اللوح وحده وروحه.

فإن كان في الوجود شيء يستطر بواسطتة نقش العلوم في ألواح القلوب فأخلق به أن يكون هو القلم فان الله تعالى قال (علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) بل هو القلم الحقيقي حيث وجد فيه روح القلم وحقيقته وحدّه من دون أن يكون معه ما هو خارج عنه.

وكذلك (الميزان) مثلاً فإنه موضوع لمعيار يعرف به المقادير وهذا معنى واحد هو حقيقته وروحه وله قوالب مختلفة وصور شتى بعضها جسماني وبعضها روحاني كما يوزن به الأجرام والأثقال مثل ذي الكفتين والقبان وما يجري مجراهما، وما يوزن به المواقيت والارتفاعات كالأسطرلاب، وما يوزن به الدواير والقسي كالفرجار، وما يوزن به الأعمدة كالشاقول، وما يوزن به الخطوط كالمسطر، وما يوزن به الشعر كالعروض، وما يوزن به الفلسفة كالمنطق، وما يوزن به بعض المدركات كالحس والخيال، وما يوزن به العلوم والأعمال كما يوضع ليوم القيامة، وما يوزن به الكل كالعقل الكامل إلى غير ذلك من الموازين.

وبالجملة: ميزان كل شيء يكون من جنسه ولفظة الميزان حقيقة في كل منها باعتبار حده وحقيقته الموجودة فيه وعلى هذا القياس كل لفظ ومعنى)(49).

المناقشات

يقول: يمكن ان نناقش هذه النظرية بوجوه خمسة:

الجزئي لا كاسِب ولا مكتسَب

أولاً: انّ الجزئي لا يكون كاسباً ولا مكتسباً، أي الجزئي بما هو جزئي لا يكسب جزئياً آخر ليشاركه في حكمه ولا يكسبه جزئي آخر، بعبارة أخرى: الاستقراء الناقص ليس حجة(50) فلو فرض ان (القلم) و(الميزان) وبعض الأمثلة الأخرى كانت كما قال، فإن ذلك لا يشكل دليلاً على ان وضع كل الألفاظ كذلك.

ونظريته مجرد دعوى بلا دليل

ثانياً: انه هل يقصد من (ان الألفاظ إنما وضعت...) كون وضع واضعي اللغات كذلك؟ أي: يعرب بن قحطان مثلاً أو الحكماء الذين وضعوا اللغة على امتداد التاريخ (ويلحق بهم في العصر الحديث: مجاميع اللغة الموجودة في العواصم العلمية، كالقاهرة ودمشق وبغداد حيث تضع الألفاظ لكل معنى مستجد)، أو يقصد ان الله تعالى وضع الأسماء واللغات كذلك؟ وذلك حسب اختلاف المباني؟

فإن قصد الأولين: ورد عليه: انّه أين الدليل على انهم وضعوا الألفاظ كما قال؟ فأي مؤرخ ذكر ذلك؟ وأي لغوي قال انه إنما وضع الألفاظ للحقائق والأرواح... إلخ بل نقول: ان الأمر بالعكس إذ لا تجد لغوياً من شتى اللغات، ودونك كتب اللغة وفقه اللغة ومجاميع اللغة، يقول ذلك. ولو كان لبان لأن المعنى الذي ذكره أمر غريب غير مألوف بل لعله يندر من يتصوره!

وإن قصد ان الله تعالى وضع الأسماء والألفاظ كذلك، فهو تقوّل على الله تعالى بغير علم ((آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ))(51) فأية آية أو رواية دلّت على ذلك؟

ولا يصح في أعلام الأشخاص ولا في أسماء الأجناس

ثالثاً: انه هل يقصد ان أعلام الأشخاص وأسماء الأجناس، هي جميعاً كذلك؟

أ- فإن قَصَد شمول مدعاه لأعلام الأشخاص ورد عليه: بداهة ان قوله تعالى ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ)) و((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) يراد فيهما، كغيرهما، من لفظ الجلالة (الله) العلم لواجب الوجود وحده أي للذات المعينة المستجمعة لصفات الجمال والجلال، ولا يراد به، والعياذ بالله، الروح السارية أو الجامع أو ان اللفظ موضوع لحقيقته وروحه دون قالبه! أو مع قالبه! وكذلك قوله ((وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ))(52) لوضوح انه يراد به الشخص الخاص المولود في ساعة خاصة في زمن خاص وليس ان هذا الشخص الخاص قالب للموضوع له، والموضوع له يشمل كل ما وجد أو يوجد في ضمن قوالب أخرى!.

بل نقول: من البديهي اننا نضع اسم زيد مثلاً لمولودنا هذا بروحه وجسمه، وليس للروح السارية أو للجامع أو لحقيقته من دون جسمه، أو لقالبه الخاص ولكن على نحو سبيل البدل مع سائر القوالب! أو فقل ان زيد موضوع للمجموع المركب من روحه وجسده.

ب- وان قَصَد أسماء الأجناس ورد عليه: انه ليس الأمر كذلك بالبداهة، ألا ترى ان (الشجر) مثلاً موضوع لهذا القالب بما يحمله من روح وليس موضوعاً لروحه والقالب مجرد طفيلي أو موضوع له على سبيل البدل مع قوالب أخرى وإنما يطلق عليه لاتحاده معه؛ إذ على كلامه فان الشجر موضوع لروح الشجر وحقيقته غير المقيدة بقالب الشجرية، والروح والحقيقة غير المقيدة بقالب الشجرية هي (الجسم الحساس النامي غير المتحرك بالإرادة) فعليه: يكون إطلاق لفظ الشجر على النخل وعلى الوردة وعلى نفس أوراق الأشجار حقيقة، لأنها جسم نام حساس غير متحرك بإرادته، وكذا حال أية روح وموضوع له تصورته مجرداً عن قالب الشجرية.

وبعبارة أخرى: يرد عليه النقض بما لا يتناهى من الأسماء:

فعلى مبناه يجب ان يكون (القمر) موضوعاً لا لهذا الجرم السماوي بعينه، بل لروحه ولا يكون جرمه إلا مجرد قالب لها أو الموضوع له مجرد قالب على سبيل البدل مع أي قالب آخر، فيجب ان يكون إطلاق القمر على الزهرة وزحل وبلوتون وكل فلك سيار، حقيقة، وأن يقال انه الموضوع له، أو يقال انه موضوع للجسم المنير، فهذا جوهره وروحه، فيكون موضوعاً حقيقة لكل مصباح وشمعة بل لكل وجه منير، فعندما يقال مثلاً وجهها قمر، لا يكون مجازاً على مبناه بل يكون حقيقة لأنه الموضوع له!

كما يجب على مبناه ان يكون الأسد موضوعاً للمفترس، فانه جوهر الأسد وروحه وحقيقته، فيكون استعماله في الذئب وغيره حقيقة لأن القالب فقط تغير والقالب ليس موضوعاً له بل الجوهر أو القالب وإن كان موضوعاً له لكنه كما سبق، موضوع له على سبيل البدل من قسائمه.

كما ويجب ان يكون الإنسان في ((وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ))(53) موضوعاً لجوهر الإنسان وجوهره فلسفياً هو الكائن الحي العاقل، فيجب ان يكون المراد من ((وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ)) الملائكة أيضاً والجن كذلك وأي موجود عاقل آخر، لأن قالب الإنسان ليس هو الموضوع له! أو يقال: جوهره، لغوياً، هو الانس، على رأي، فهو موضوع لكل ما يأنس بشيء فيشمل أنس الملائكة مثلاً بذكر الله تعالى!

ويجب ان يكون المراد من قوله تعالى: ((أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا))(54) هو جوهر الصلاة وهو الخضوع والخشوع والعطف كما في (صلّت(55) على جسم الحسين ((عليه السلام)) سيوفهم، فغدا لساجدة الظبا محرابا) فيكون المراد أخضع لله تعالى في هذه الأوقات الخمسة ولو بالسباحة في البحر في هذه الأوقات إذا قصدت بها الإطاعة فانها أمر مستحب فتخضع بها لله تعالى وتصلي بها إليه!، أو يراد بها حتى الزراعة والصناعة والتجارة والنجارة و... لأنها كلها واجبات كفائية يشكّل العمل بها خضوعاً لله تعالى.

بل ننقض عليه بان مبنى كلامه هو الذي قاد أبا حنيفة إلى الرأي العجيب التالي وإن لم يعلم هو بهذا المبنى! قال الغزالي:(ومثاله تأويل أبي حنيفة في مسألة الأبدال حيث قال - عليه الصلاة والسلام -: ((في أربعين شاة شاة))(56) فقال أبو حنيفة: الشاة غير واجبة، وإنما الواجب مقدار قيمتها من أي مال كان، قال: فهذا باطل؛ لأن اللفظ نص في وجوب شاة، وهذا رفع وجوب الشاة فيكون رفعا للنص، فإن قوله: ((وَآتُوا الزَّكَاةَ))(57) للإيجاب، وقوله - عليه السلام -: ((في أربعين شاة شاة)) بيان للواجب، وإسقاط وجوب الشاة رفع للنص)(58).

كلامه مبني على أصالة الماهية

رابعاً: ان كلامه كله مبني على أصالة الماهية إذ عليها يوجد جنس وفصل وصورة وقالب وحقيقة وروح، أما على أصالة الوجود فكل ذلك من السالبة بانتفاء الموضوع!

كلامه غير صحيح حتى في (القلم) نفسه

خامساً: بل كلامه غير تام حتى في (القلم) نفسه فانه وإن صح في الجملة بالنسبة إلى قلم القصب والحديد وشبه ذلك، لكن تعميمه وإطلاقه غلط كقوله (فإن كان في الوجود شيء يستطر بواسطتة نقش العلوم في ألواح القلوب فأخلق به أن يكون هو القلم فان الله تعالى قال (علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم) بل هو القلم الحقيقي حيث وجد فيه روح القلم) وإلا لوجب ان يكون إطلاق القلم على المعلّم والمدرّس والأستاذ حقيقة لأنه بواسطته تسطر العلوم في قلوب المتعلمين وأمخاخهم! مع انه لا يوجد عاقل في أية لغة من اللغات يطلق القلم على المعلم حقيقة، بل ان إطلاقه حتى مجازاً مستهجن! ولوجب ان يكون إطلاق القلم على عين الإنسان وحاجبه إذا أشار بهما إلى مكان فأرشد السائل إليه، حقيقة!

بل نقول: وكذلك الحال في (الميزان) أيضاً فانه، رحمة الله، خَلَط بين المعنى اللغوي له فانه موضوع لكل ما يوزن به شيء، والمعنى العرفي المصطلح الموضوع لما له قالب خاص، فهو كمن يقول (الحائط) اللغوي موضوع لما يحيط بالشيء إذاً فإطلاق الحائط على البطانية التي تدثرت بها أو الثوب الذي أحاط بجسمي حقيقة! وللبحث تتمة إن شاء الله تعالى.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

.............................................
(1) سورة آل عمران: الآية 7.
(2) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران، ج1 ص57.
(3) المصدر.
(4) المصدر: ص44.
(5) سورة لقمان: الآية 34.
(6) سورة النازعات: الآيات 42-44.
(7) سورة الأنعام: الآية 98.
(8) سورة البروج: الآية 22.
(9) سورة إبراهيم: الآية 5.
(10) سورة الحاقة: الآية 17.
(11) سورة الأعراف: الآية 54.
(12) سورة السجدة: الآية 5.
(13) أحمد بن محمد بن خالد البرقي، المحاسن، دار الكتب الإسلامية ـ قم: ج2 ص300، بحار الأنوار: ج89 ص91.
(14) ابن منظور، لسان العرب، دار صادر ـ بيروت، ج11 ص32.
(15) سورة آل عمران: الآية 7.
(16) سورة الأعراف: الآية 53.
(17) سورة النساء: الآية 59.
(18) مفردات الراغب الاصفهاني مع ملاحظات العاملي، ط2 2018 ص88.
(19) سورة الفرقان: الآية 33.
(20) سورة يوسف: الآية 6.
(21) سورة يوسف: الآية 100.
(22) سورة الكهف: الآية 78.
(23) سورة يوسف: الآية 37.
(24) سورة الإسراء: الآية 35.
(25) سورة النساء: الآية 59.
(26) مفردات الراغب الاصفهاني مع ملاحظات العاملي، ط2 2018 ص89.
(27) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، دار الفكر، ج1 ص158.
(28) المصدر.
(29) المصدر.
(30) ابن تيميه، الفتاوي، الإكلييل، 13/288
(31) أو يختلفون فيه بغير ما يختلفون في ذاك.
(32) سورة النحل: الآية 90.
(33) سورة الإسراء: الآية 78.
(34) سورة الروم: الآيات 1-3.
(35) سورة يوسف: الآية 100.
(36) ابن قدامة، روضة الناظر وجنة المناظر، مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، ج1 ص508.
(37) الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج7 ص140.
(38) ابن قدامة، روضة الناظر وجنة المناظر، مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، ج1 ص509-510.
(39) سورة النجم: الآية 28.
(40) سورة الدخان: الآية 49.
(41) ابن قيم الجوزية، أبو عبد الله، محمد بن أبي بكر، بدائع الفوائد، دار الكتاب العربي، بيروت، 4/169.
(42) أحمد بن محمد بن خالد البرقي، المحاسن، دار الكتب الإسلامية ـ قم: ج2 ص300، بحار الأنوار: ج89 ص91.
(43) سورة النجم: الآية 28.
(44) سورة النجم: الآية 23.
(45) علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، دار الكتاب ـ قم، ج2 ص292.
(46) الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، احياء التراث العربي ـ بيروت، ج4 ص96.
(47) الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت، ج4 ص410.
(48) حين الوضع.
(49) الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت، ج1 ص31.
(50) والحجة هو الاستقراء المعلل الذي يخرج في واقعه عن الاستقراء إلى القياس لأنه إذا استكشفنا العلة فتكون هي المعممة المخصصة، لا الجزئيات.
(51) سورة يونس: الآية 59.
(52) سورة آل عمران: الآية 144.
(53) سورة العصر: الآية 1-2.
(54) سورة الإسراء: الآية 78.
(55) أي انحنت وانعطفت عليه.
(56) الترمذي 3/17/621.
(57) سورة البقرة: الآية ٤٣.
(58) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، المستصفي، دار الكتب العلمية، ص198.

اضف تعليق