إسلاميات - القرآن الكريم

مؤشرات الفقر والهجرة وسوء توزيع الثروة

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) (13)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المصطفى محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَيَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(1).

مؤشرات حاكمية منهج العدل والإحسان أو الظلم والعدوان

البحث يدور حول مؤشرات حاكمية منهج العدل والإحسان في البلاد، أو العكس: حكومة مناهج الظلم والإساءة والعدوان، ذلك ان أهم سؤال قد يفرض نفسه على الفكر البشري هو: انه بعيداً عن الشعارات والإعلام، فهل هذا المجتمع، كالمجتمع العراقي أو الإيراني أو السوري أو المصري أو الهندي أو الباكستاني يتجسد فيه منهج العدل والإحسان أو لا؟ أو هل هذه الأمة، كالأمة الإسلامية، أو في دوائر أضيق: هذه العشيرة، أو النقابة، أو الأسرة يتمثل فيها جوهر العدل والإحسان أو لا؟

وأهمية المؤشرات تكمن في ان العالم اليوم أصبح يغصّ بالإعلام والإعلام المضاد وبالشعارات الرنانة والمظاهر البرّاقة والصور المشرقة، والمؤشرات تصلح ان تكون مرجعيات حَكَمية، لا تقبل التكذيب والتدليس وشواهد صدق على هذا الرأي أو الرأي الآخر، فهي كواشف عن بواطن الأمور، وهي بعبارة أخرى: براهين إنيّة يجري فيها الانتقال من المعلول إلى العلة بدون لبس أو شك أو ريب أو ترديد.

المؤشرات الكمية والمؤشرات الكيفية

والمؤشرات على نوعين: مؤشرات كمية ومؤشرات كيفية، وسوف نقتصر ههنا على الإشارة إلى بعض المؤشرات الكمية التي تشهد بوضوح شديد على مدى حاكمية منهج العدل والإحسان في بلد ما من عدمها، ومن المهم جداً في هذا السياق الإلفات إلى مدى ضرورة اعتماد لغة الأرقام واستنطاقها في استكشاف حقائق الأمور وتمييز المعلن عن المستور، كمنهج علمي وأخلاقي في الوقت نفسه، فإذا أراد شخص ما ان يستكشف اتجاهات مسيرته العلمية أو الأخلاقية المستقبلية ومنحاها العام فان أفضل مؤشر لذلك هو ان يقوم بدراسة ما تكشف عنه لغة الأرقام في أيامه المواضي عبر تجسيدها في صيغة رسوم بيانية، فإذا لاحظ مثلاً ان قوّته الغضبية أستثيرت طوال الأسبوع الماضي مراراً كثيرة، وانه قد استجاب لها وانقاد واستسلم سبع مرات قبل سبعة أيام مثلاً، ثم ارتفعت لتبلغ ثمان مرات قبل ست أيام ثم تسع مرات قبل خمس أيام وهكذا فان ذلك مؤشر مقلق عن مدى الخطورة التي تشكلها عليه قوته الغضبية في الأيام والأسابيع القادمة إذ ان الماضي مرآة المستقبل، عكس ما لو كشف العدّاد عن مسيرة تنازلية وعن تصاعد قدرته على السيطرة على قوته الغضبية بمرور الأيام، وفي مقابل ذلك إذا لاحظ ثبات الأعداد والنسبة فانه يندرج حينئذٍ في قوله (عليه السلام): ((مَنِ اعْتَدَلَ يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ))(2).

وكذلك الحال في دراسة مؤشر الأرقام عبر رصد المرء لعدد الصفحات التي طالعها قبل ثلاثين يوماً ثم قبل تسعة وعشرين يوماً.. وهكذا يوماً فيوم حتى هذا اليوم، بعد افتراض ان المحتوى كان بمستوى واحد، فان ذلك قد يكشف عن مستقبله العلمي كعالم متميز أو متوسط المستوى أو ضعيف الحال، وهكذا إذا سجل الإنسان عدد المرات التي اغتاب بها الناس، لا سمح الله، أو كذب فيها أو آذى زوجته وأولاده وأصدقاءه، كل يوم على امتداد أسبوع أو شهر أو سنة، فانه بذلك، وعبر استنطاق الأرقام والسؤال عن معطيات الأعداد، يمكنه ان يستكشف مدى التحول البطيء أو السريع أو الثبات، في ملكاته النفسانية وحالاته الروحية وفي منهجيته في التعامل مع نفسه وأسرته وزملائه ومجتمعه وفوق ذلك في تعامله مع ربه، بل ان ذلك يلقي الضوء على شاكلته النفسية ونوعها وربما، في المدى المتوسط أو الطويل، على مدى مرونتها وقابليتها للتغيير والتطور أو الانحطاط والتدهور.

وأما المؤشرات الكواشف عن شاكلة المجتمع ونوعيته في جهة حاكمية العدل والإحسان أو الضد من ذلك، فهي: الهجرة، سوء توزيع الثروات، الفقر السكني وغيره، البطالة، التضخم.

الهجرة كظاهرة عامة

أولاً: الهجرة، ذلك ان من البديهي ان كل إنسان يحب بلاده بالفطرة وان الإنسان لا يهاجر عن بلده، عادةً، إلا مضطراً لسبب قاهر أو لداع قوي جداً، فإذا وجدنا ان الهجرة من بلد ما تحولت إلى ظاهرة عامة، كشف ذلك عن ان هناك ثمت مشكلة ما في البلاد، واما إذا وجدنا النخب الفكرية تقع في طليعة المهاجرين من البلاد، من محامين ومهندسين وأطباء وكُتّاب وأساتذة، فان ذلك يكشف عن مدى عمق المأساة والفاجعة التي تعصف بذلك البلد وتتهدد أمنه العلمي واستقراره الاجتماعي والسياسي.

ويكفي ان نستحضر، في هذه العجالة، بعض المؤشرات الرقمية، فقد كشف تقرير صادر عن جهة رسمية(3) ان أعداد المهاجرين من مصر والعاملين في خارج البلاد، بلغت عام 2017، عشرة ملايين ومأتين وسبعة وأربعين ألف مهاجر؟ وذلك حسب تقديرات وزارة الخارجية المصرية، وهو رقم مذهل حقاً..

ألا يكشف ذلك بوضوح عن افتقاد هذا البلد لمقومات العيش السليم وابتعاده عن مجتمع العدل والإحسان وعن ارتفاع نسبة الفقر والبطالة والقمع ومصادرة الرأي، حتى يضطر هذا الجمهور الكبير الكبير إلى التخلي عن أرض أبائه وأجداده بحثاً عن لقمة العيش أو عن بعض نسمات الحرية؟

بينما كشف مساعد الرئيس الإيراني للشؤون العلمية والتكنولوجية(4) عن ان اثنين وثلاثين ألفاً إلى أربعين ألفاً من خريجي الجامعات الإيرانية يهاجرون سنوياً من إيران إلى خارج البلاد، مع ان خريجي الجامعات يشكلّون أمل المستقبل ومع ان البلاد قد انفقت عليهم الكثير الكثير منذ مرحلة الابتدائية حتى التخرج من الجامعة، ثم إذ وصلوا إلى مرحلة الإثمار والإنتاج، غادروا البلاد؟ وكذلك الحال، تقريباً، في الكثير من الدول الإسلامية..

فأين يكمن الخلل؟ هل في الطلاب أنفسهم؟ أم في النظام الحاكم على الجامعات؟ أم في النظام السياسي الحاكم؟ أم في المجتمع نفسه؟ أم في الحكومة؟ أم في العلماء والقادة والموجهين؟ أم في الأسر والعوائل؟ أم في عدم توفر مستقبل علمي ووظيفي للطلاب؟ أم في تدهور الوضع المعيشي؟ أم في التأثيرات أو الضغوط الخارجية؟ أم في ذلك كله كمجموع، مع اختلاف النسب؟ كل ذلك مما ينبغي ان يدرس إلا ان الذي يكشف ذلك عنه، وغيره مما سبق وسيأتي من الأرقام من شتى الدول، إجمالاً هو ان هذا المجتمع ليس مجتمع العدل والإحسان والفضل والإيمان بشكل عام وبالمعنى الاسم مصدري من غير ان ينفي ذلك كثرة المحسنين في هذا البلد أو ذاك أو تحقق العدالة في مجاميع محددة هنا وهناك، إلا ان الكلام عن الطابع العام والمجموع من حيث المجموع.

كما كشف صندوق النقد الدولي عن ان أعداد الأطباء والمهندسين الإيرانيين الذين هاجروا إلى أمريكا وحدها، بلغت حاجز المأتين وخمسين ألف طبيب ومهندس!!، وهو رقم مذهل بكل المقاييس، ومن الواضح ان إلقاء اللوم على عوامل خارجية وإهمال دراسة العوامل الداخلية، لا يزيد الطين إلا بَلّةً والمشكلة إلا رسوخاً والنار إلا اشتعالاً والمرض إلا استفحالاً كيف وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):

دواؤك فيك وما تشعر-----وداؤك منك وما تنظر

وتحسب أنك جرم صغير-----وفيك انطوى العالم الأكبر

وأنت الكتاب المبين الذي-----بأحرفه يظهر المضمر(5)

الفقر السكني

ثانياً: الفقر السكني

ومن المؤشرات الواضحة، الفقر بمختلف تمثلاته، ولنكتف ههنا بالإشارة إلى احدى تجسيداته وهو الفقر السكني:

ففي العراق: وحسب الإحصاء الرسمي فان العراق يعاني من نقص حاد جداً في عدد الوحدات السكنية، بل وحسب إحصاء معتبر فان النقص في عدد الوحدات السكنية (المملوكة لأصحابها) بلغ ثلاثة ملايين وثلاثمائة ألف وحدة سكنية! وإذا افترضنا ان متوسط عدد العوائل هو ستة أفراد فهذا يعني ان حوالي عشرين مليون عراقي يفتقدون السكن رغم كونه واحداً من أهم أساسيات الحياة الكريمة، وهي مأساة بكل المقاييس.

وفي إيران: فان 40% من الشعب الإيراني يقعون تحت خط الفقر السكني، وأما في العاصمة طهران فترتفع النسبة إلى 70%، بل ذكرت الإحصاءات الرسمية ان متوسط عدد السنين التي يحتاجها الزوجان لكي يمتلكا مسكناً هو ثلاثة وثلاثون سنة! إضافة إلى ان ثلاثة ملايين أسرة تعيش تحت خط الفقر المدقع مما يقارب عشرين مليون إنسان، وأما الذين يعيشون تحت خط الفقر فأكثر بكثير.

المؤشرات في كافة البلاد الإسلامية

والغريب اننا إذا قمنا بجولة في كافة أرجاء الدول الإسلامية، وجدنا المشاكل هي المشاكل: هجرة متزايدة، فقر ذريع وفقر سكني مذهل وذلك رغم ان البلاد الإسلامية تتمتع بأراضي شاسعة وبثروات مذهلة، ورغم وضوح قوله تعالى: (وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ)(6) و(هُوَ الَّذي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَميعاً)(7) إلا ان المشكلة التي ابعدتنا عن مجتمع العدل والإحسان، هي ان الحكومات، متذرعة بحجة وأخرى، ارتأت احتجاز أراضي الله (الموات) التي خلقها لعباده وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ((الْأَرْضَ لِلَّهِ وَلِمَنْ عَمَرَهَا))(8) و((عَادِي الْأَرْضِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي فَمَنْ أَحْيَا مَوَاتاً فَهِيَ لَهُ))(9) فمنعت عباد الله من إحياء أراضي الله، وأحوجتهم إلى طرق أبواب الدوائر والانتظار في طوابير طويلة وملأ الأوراق والسجلات ودفع الرسوم والضرائب، والدوران في حلقة البيروقراطية المفرغة.. وهكذا اثقلت الحكومات كاهلها بمسؤوليات لها أول من دون ان يكون لها آخر، ومنعت عباد الله من حقوقهم الفطرية – الإلهية، وزادت بذلك نسبة الفقر السكني، والفقر المطلق، والبطالة والتضخم، كما فصّلنا وجوه ذلك كله في كتاب (الأرض للناس لا للحكومات) وكتاب (بحوث في الاقتصاد الإسلامي المعاصر) فأصبح مجتمعنا بذلك مصداق قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) ويخشى ان نكون ممن قال فيه تعالى: (وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)(10).

سوء توزيع الثروات

ثالثاً: سوء التوزيع

ومن المؤشرات البالغة الدلالة على ان المجتمع ليس مجتمع العدل والإحسان، سوء توزيع الثروات وقد قال الإمام علي (عليه السلام): ((فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِهِ غَنِيٌّ‏))(11).

ويكفي ان نعلم مثلاً ان حاكم احدى البلاد العربية الخليجية يمتلك حسب بعض الإحصاءات خمسة عشر مليار دولاراً! وان أسرته تمتلك مائة وخمسين مليار دولاراً!

وان الحاكم اليمني السابق المعزول قدرت ثروته بما بين خمسة وثلاثين ملياراً إلى ستين مليار دولاراً!

وفي المقابل نجد عشرات الملايين من العرب ومآت الملايين من المسلمين لا يمتلكون حتى لقمة العيش ولا يحصلون حتى على دولار أو دولارين باليوم الواحد وقد قيل: (ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيّع).

ويكفي، فوق ذلك، ان نلقي نظرة على كافة البلاد الإسلامية، بل وحتى الديمقراطية الغربية، لنجد ان القصور المتناثرة على رقاع واسعة من مناطق شاسعة تتعايش جنباً إلى جنب مع بيوت الصفيح والعشيش وما يسمى بـ(الچپرة) والمنازل الآيلة للسقوط والخيم بل وحتى العيش في المقابر، مصر مثالاً(12)، والشوارع، الهند مثالاً آخر.

ومن الأسباب ان حكام البلاد الإسلامية ((يَخْضَمُونَ مَالَ اللَّهِ خِضْمَةَ الْإِبِلِ نِبْتَةَ الرَّبِيعِ)) فليس لهم حينئذٍ من المستقبل إلا كما كان لعثمان ((إِلَى أَنِ انْتَكَثَ عَلَيْهِ فَتْلُهُ وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ وَكَبَتْ بِهِ بِطْنَتُهُ))(13) كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام).

وتبرز أمام ذلك كله الصور المشرقة من حكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين حيث نختار منها صورتين:

نموذج من حكومة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)

الصورة الأولى: المعبِّرة عن طريقة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في توزيع الثروات والأموال، والتي تقع في مقابلها طريقة المستأثرين بالحكم من بعده:

روى علي بن إبراهيم، انه: ((لَمَّا أَمَرَ عُثْمَانُ بِنَفْيِ أَبِي ذَرٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى الرَّبَذَةِ، دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ، وَكَانَ عَلِيلًا مُتَوَكِّئاً عَلَى عَصَاهُ، وَبَيْنَ يَدَيْ عُثْمَانَ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ قَدْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضِ النَّوَاحِي، وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَطْمَعُونَ أَنْ يَقْسِمَهَا فِيهِمْ،

فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِعُثْمَانَ: مَا هَذَا الْمَالُ؟

فَقَالَ عُثْمَانُ: مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ حُمِلَتْ إِلَيَّ مِنْ بَعْضِ النَّوَاحِي أُرِيدُ أَنْ أَضُمَّ إِلَيْهَا مِثْلَهَا ثُمَّ أَرَى فِيهَا رَأْيِي؟

فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا عُثْمَانُ أَيُّمَا أَكْثَرُ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، أَوْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: بَلْ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ،

فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: أَمَا تَذْكُرُ أَنِّي أَنَا وَأَنْتَ دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) عِشَاءً فَرَأَيْنَاهُ كَئِيباً حَزِيناً، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ(14) يَرُدَّ عَلَيْنَا السَّلَامَ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَيْنَاهُ فَرَأَيْنَاهُ ضَاحِكاً مُسْتَبْشِراً، فَقُلْنَا لَهُ: بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، دَخَلْنَا عَلَيْكَ الْبَارِحَةَ فَرَأَيْنَاكَ كَئِيباً حَزِيناً، وَعُدْنَا إِلَيْكَ الْيَوْمَ فَرَأَيْنَاكَ ضَاحِكاً مُسْتَبْشِراً،

فَقَالَ (صلى الله عليه وآله): نَعَمْ كَانَ [قَدْ بَقِيَ‏] عِنْدِي مِنْ فَيْ‏ءِ الْمُسْلِمِينَ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ لَمْ أَكُنْ قَسَمْتُهَا، وَخِفْتُ أَنْ يُدْرِكَنِي الْمَوْتُ وَهِيَ عِنْدِي، وَقَدْ قَسَمْتُهَا الْيَوْمَ فَاسْتَرَحْتُ))(15)

نماذج من حكومة الإمام علي (عليه السلام)

الصورة الثانية: المعبِّرة عن طريقة الإمام علي (عليه السلام) في توزيع الأموال والثروات:

عن هلال بن مسلم الجحدري، قال سمعت جدي جرة أو جوة قال‏: ((شَهِدتُ عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ (عليه السلام) اُتِيَ بِمالٍ عِندَ المَساءِ، فَقالَ: اِقسِموا هذَا المالَ. فَقالوا: قَد أمسَينا يا أميرَ المُؤمِنينَ! فَأَخِّرهُ إلى غَدٍ. فَقالَ لَهُم: تَقبَلونَ(16) لي أن أعيشَ إلى غَدٍ؟ قالوا: ماذا بِأَيدينا! قالَ: فَلا تُؤَخِّروهُ حَتّى تَقسِموهُ، فَاُتِيَ بِشَمعٍ، فَقَسَموا ذلِكَ المالَ مِن تَحتِ لَيلَتِهِم))(17)

كما روي كُلَيْبٍ الْجَرْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: ((كُنْتُ عِنْدَ عَلِيٍّ (عليه السلام) فَجَاءَهُ مَالٌ مِنَ الْجَبَلِ فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ حِبَالًا وَصَلَهَا بِيَدِهِ وَعَقَدَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ أَدَارَهَا حَوْلَ الْمَتَاعِ، ثُمَّ قَالَ: لَا أُحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُجَاوِزَ هَذَا الْحَبْلَ، قَالَ: فَقَعَدْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحَبْلِ، وَدَخَلَ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَقَالَ: أَيْنَ رُءُوسُ الْأَسْبَاعِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَجَعَلُوا يَحْمِلُونَ هَذَا الْجُوَالِقَ إِلَى هَذَا الْجُوَالِقِ، وَهَذَا إِلَى هَذَا. حَتَّى قَسَمُوهُ سَبْعَةَ أَجْزَاءٍ، قَالَ: فَوَجَدَ مَعَ الْمَتَاعِ رَغِيفاً فَكَسَرَهُ سَبْعَ كِسَرٍ، ثُمَّ وَضَعَ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ كِسْرَةً ثُمَّ قَالَ: هَذَا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيهِ إِذْ كُلُّ جَانٍ يَدُهُ إِلَى فِيهِ.

قَالَ: ثُمَّ أَقْرَعَ عَلَيْهَا فَجَعَلَ كُلُّ رَجُلٍ يَدْعُو قَوْمَهُ ‌فَيَحْمِلُونَ الْجُوَالِقَ))(18).

وعن مسلم البجلي قال: ((أَعْطَى عَلِيٌّ (عليه السلام) النَّاسَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ثَلَاثَةَ أَعْطِيَةٍ، ثُمَّ قُدِّمَ عَلَيْهِ خَرَاجُ أَصْفَهَانَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اغْدُوا فَخُذُوا، فَوَاللَّهِ مَا أَنَا لَكُمْ بِخَازِنٍ. ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِ الْمَالِ فَكُنِسَ وَنُضِحَ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: يَا دُنْيَا غُرِّي غَيْرِي. ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِحِبَالٍ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْحِبَالُ فَقِيلَ جِي‏ءَ بِهَا مِنْ أَرْضِ كِسْرَى. فَقَالَ اقْسِمُوهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ))(19).

ومن الطبيعي بعد ذلك كله ان يكون الناتج هو تحول المجتمع في عهدهما صلوات الله عليهما إلى مجتمع العدل والإحسان في كافة ما كان يرتبط بشؤون الحكم والحاكم والحكومة، حقيقةً، وعلى سبيل المثال ينقل السيد الوالد في الفقه الاقتصاد: (وفي رواية: إن الإمام علياً (عليه السلام) وفّر في مدة حكمه لكل عائلة داراً، كما وفّر الرزق لهم، حتى لم يكن يعلم هل أن هناك فقير أم لا؟ فقال (عليه السلام): ((وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ وَلَا عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ))(20))(21) وللبحث صلة بإذن الله تعالى.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم
http://m-alshirazi.com

......................................
(1) سورة النحل: الآية 90.
(2) الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي ـ قم: ج4 ص381.
(3) الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
(4) آقاي ستاري، حسب موقع اقتصاد أونلاين.
(5) الديوان المنسوب إلى الإمام علي (عليه السلام): ص175.
(6) سورة الرحمن: الآية 10.
(7) سورة البقرة: الآية 29.
(8) ثقة الإسلام الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص279.
(9) ابن ابي جمهور الاحسائي، عوالي اللآلئ، دار سيد الشهداء (عليه السلام) ـ قم: ج1 ص44.
(10) سورة طه: الآيات 124-126.
(11) نهج البلاغة: الحكمة 328.
(12) وحسب تقرير فانه يعيش في المقابر حوالي مليوني إنسان مصري يفتقدون أبسط مقومات الحياة، من ماء وكهرباء ومدارس وغير ذلك.
(13) نهج البلاغة: الخطبة الشقشقية.
(14) لَعَلَّ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ كَانَتْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ التَّحِيَّةِ.
(15) علي بن إبراهيم القمي، تفسير القمي، دار الكتاب ـ قم: ج1 ص51-52.
(16) القَبالة : الكفالة، وقَبُل ـ بالضم ـ: إذا صار قَبيلاً؛ أي كفيلاً (لسان العرب: ج11 ص544 «قبل») .
(17) الأمالي للطوسي: ص 404 ح 904، تنبيه الخواطر: ج 2 ص173، المناقب لابن شهر آشوب: ج 2 ص95 عن سالم الجحدري وفيه إلى «حَتّى تقسموه».
(18) إبراهيم بن محمد الثقفي، الغارات، دار الكتاب ـ قم: ص34، وعنه وسائل الشيعة: ج15 ص114.
(19) إبراهيم بن محمد الثقفي، الغارات، دار الكتاب ـ قم: ص54. وعنه بحار الأنوار: ج34 ص351.
(20) نهج البلاغة: الكتاب 45.
(21) السيد محمد الحسيني الشيرازي، موسوعة الفقه / الاقتصاد، دار العلوم للتحقيق والطباعة ـ بيروت: ج108 ص64.

اضف تعليق