إسلاميات - القرآن الكريم

خدمة الناس والوطن

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ) (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين الأبرار المنتجبين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم إلى يوم الدين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)(1) وقال جل اسمه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ)(2) وقال جل وعلا: (لِلَّذينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى‏ وَزِيادَةٌ)(3).

على ضوء هذه الآيات الكريمة التي تتحدث عن الإحسان، سنطرح، وبشكل موجز، مباحث أربعة: معنى الإحسان ومفهومه، نطاقاته وحدوده، الإحسان على مستوى الأداء الحكومي، الإحسان في منظومة الأحاديث الدينية..

معنى الإحسان ومفهومه

المبحث الأول: انّ الإحسان يعني كل برٍّ وخيرٍ وصلةٍ وفضلٍ ونِعمةٍ وعملٍ صالحٍ يصل منك إلى غيرك، وعلى هذا فان له معنى واسعاً جداً لا ينحصر بمثل إطعام الفقير أو بذل المال له، فان الإحسان يشمل:

- تقديم المشورة للآخرين مجاناً سواءً أكانت مشورة دينية أم دنيوية، سياسية أم اجتماعية، تجارية أم زراعية، عائلية أم شخصية، وكذلك تعليم الناس وإرشادهم مما يعني ان المعلم، وكذا من يقدم المشورة النافعة للناس، محسن ومشمول للآيات الثلاث السابقة وغيرها.

- غرس الأشجار والأزهار وتشييد الحدائق وتنظيف الشوارع وشق الترع والجداول والأنهار وحفر الآبار واستنباط العيون وشق الأنفاق وبناء الجسور، أي تلك التي يستفيد منها الآخرون قِلّة كانوا أم كثرة.

- بناء المساجد والحسينيات والمدارس والمكتبات وتأسيس دور النشر والفضائيات والإذاعات والمجلات التي تستهدف تثقيف الناس وهدايتهم أو عونهم على شؤون معيشتهم وإصلاح شأنهم.

- إصلاح ذات البين، وتزويج العزاب والعازبات، وتقديم القروض الخيرية غير الربوية، إضافة إلى توفير فرص العمل الملائم وتشغيل العاطلين.

- التواضع للآخرين واحترامهم.

- توفير الخدمات الكاملة: كالماء والكهرباء وشبكة الطرق والمواصلات و...

- الاهتمام بالبيئة والطبيعة بما يتركه ذلك من آثار إيجابية على حياة الإنسان والحيوان والنبات.

- وأخيراً: وليس آخراً، فانه يشمل حتى بناء المراكز الترفيهية أو المدن الرياضية وتخصيص مساحات للشباب والأطفال لممارسة الرياضة والترفيه السليم، وذلك كالسباحة والرماية وركوب الخيل مما نطق باستحبابه الشرع، بل ومطلق وسائل الترفيه غير المحرمة، مادامت تشغل الشباب وتعصمهم عن تصريف طاقاتهم الفائضة في المحرمات.

فهذه كلها أنواع ومصاديق للإحسان المحبوب للرحمن والمطلوب في القرآن.

الإطلاق الافرادي والأحوالي والازماني

المبحث الثاني: ان للإحسان المحبوب لله تعالى والمصرح به في قوله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) وفي قوله (وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) ثلاثة إطلاقات: الإطلاق الافرادي والإطلاق الاحوالي والإطلاق الازماني.

وتوضيحه: انه إذا قال مثلاً (أكرم العالم) دل بإطلاقه، ما لم يرد مقيِّد، على ان المراد كل عالم، وهذا إطلاق إفرادي، كما دل على ان المراد العالم في مختلف حالاته، سواءً أكان جالساً أم واقفاً، وفي حالتي الغنى والفقر، والقوة والضعف، بل وحتى: حالة كونه صديقاً وحالة تحولّه، أو كونه، عدواً، وهذا الإطلاق أحوالي، كما دل على حسن أو وجوب إكرامه في مختلف الأزمنة: ليلاً ونهاراً، في زمن السلم والحرب.. إلى غير ذلك.

و(الْإِحْسانِ) في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) مطلق إفرادياً فيدل على حسن كل نوعٍ نوعٍ أو فردٍ فردِ من أفراد وأنواع الإحسان السابقة وغيرها، ولذلك فان الإحسان حتى إلى المسيحي والبوذي وغيرهما، مندوب شرعاً قال تعالى: (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطينَ)(4) وورد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ((الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ فَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْفَقُهُمْ لِعِيَالِهِ))(5) حيث تستوقفنا بقوة كلمة ((الْخَلْقُ كُلُّهُمْ ))وليس المسلمون فقط، إضافة إلى ان الإحسان للآخرين يقرّبهم، طبيعياً، إلى الدين؛ ولذلك كان أئمة الهدى (عليهم السلام) يصِلون حتى من قطعهم وينفقون حتى على المسيحي وغيره (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكيناً وَيَتيماً وَأَسيراً * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُريدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً)(6).

كما انه مطلق أحوالياً، فيدل على حسن الإحسان لكل فرد في كل حالاته: حرّاً كان أم اسيراً أم سجيناً، عالماً أم جاهلاً، غنياً أم فقيراً.. الخ، ومطلق إزمانياً أيضاً فان الإحسان للإنسان حَسَنٌ في كافة الأزمان.

الإحسان على مستوى الحكومات

المبحث الثالث: الإحسان على مستوى المسؤولين والحكام، واللطيف الملفت في الأمر ان الإحسان المستحب على مستوى الأفراد، لهو واجب على مستوى الحكومات؛ لأنه يترقى من كونه إحساناً مستحباً إلى كونه مسؤولية واجبة، وهكذا نجد ان الأمثلة السابقة: إعمار المدن وتنظيفها، توفير الكهرباء، توفير فرص العمل للناس و...، قد تكون مستحبة على آحاد الناس، لكنها واجبة على الحكومات، وذلك كلما دخل في دائرة العقد الاجتماعي بناءً على ان الحكومة من دائرة العقد الاجتماعي، وكذلك بناءً على انها، فقهياً، وكالة أو ولاية مطلقة أو مشروطة للفقيه أو لعدول المؤمنين أو هي ولاية شورى الفقهاء، فانه على كل الأقوال والمباني فانّ مِن مسؤولية الحاكم شرعاً عمران البلاد كما فصّلنا ذلك في كتاب بحوث في الاقتصاد الإسلامي المقارن وكتاب (ملامح العلاقة بين الدولة والشعب) انطلاقاً من قوله تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فيها)(7) وقوله: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها)(8) وغيرهما.

وهكذا نجد ان الحكومة إذا لم توفر الكهرباء للناس على مدار الـ24 ساعة، فهي آثمة، وإذا لم توصِل نسبة البطالة إلى الصفر وتقوم بتشغيل جميع العاطلين، فهي جائرة، وإذا لم تقم بتعبيد الطرق وشق الأنهار وتشييد الجسور و...، فقد سقطت عن الشرعية مادامت قادرة مهملة.

ولعل مما يوضح الصورة جيداً عن حال الحكومات، ان نقوم بالمقارنة بين الحاكم والمسؤول وبين الأب أو الأم، أو بين البيت وبين المدينة، فانك إذا دخلت داراً فوجدت الأطباق مبعثرة في كل مكان ووجدت الغبار يعلو كل شيء، والأطفال ممزقة ثيابهم يعبثون بكل شيء في المنزل والزجاج مكسوراً و...، فانك ستعلم بان الأم مهملة وان الأب مقصّر أو هما ميّتان! كذلك إذا دخلت بلداً، ولنفرضه العراق أو مصر أو السودان أو المغرب أو الهند أو غيرها، فوجدت الطرق غير مرصوفة، والمدن والأزقة والأسواق والشوارع متسّخة، والكهرباء تنقطع بين حين وآخر، علمت بان الحكومة مهملة مقصرة وظالمة!

وكذلك إذا وجدت العاطلين عن العمل منتشرين في كل مكان، وقد ورد في إحصاء ان نسبة البطالة في العراق بلغت 40% وهي نسبة مذهلة حقاً، وإذا سلطنا الأضواء على البطالة المقنّعة والبطالة الناقصة أيضاً إضافة إلى البطالة الصريحة، لوجدنا عجباً!

بل الأمر كذلك حتى في البلاد المتقدمة فان نسبة البطالة فيها قد تبلغ 8 أو 10%(9) وهذا يعني الملايين من العاطلين رغم ما حبى الله تعالى به تلك البلاد من ثروات هائلة لم تعرف لها البشرية مثيلاً على مر التاريخ، وقد أوضحنا في (بحوث في الاقتصاد الإسلامي المقارن) ان من الممكن اقتصادياً الوصول بالبطالة إلى الصفر وان المنهج الغربي خاطئ وان سياساتهم الاقتصادية المسيَّسة أو الخاطئة هي التي تقف وراء عدم تصفير البطالة.

الإحسان على ضوء الأحاديث الدينية

المبحث الرابع: الإحسان وخدمة الناس في منظومة الأحاديث الدينية، ولا نبالغ ان إذا قلنا ان الروايات الواردة في خدمة الناس وقضاء حوائجهم، تبلغ المآت بل وتتجاوز ذلك.. ولنقتصر في هذا البحث الموجز على بعضها:

فقد قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: ((مَنْ قَضَى لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ حَاجَةً كَانَ كَمَنْ خَدَمَ اللَّهَ عُمْرَهُ))(10) وسنعرف بعض أهمية ذلك وعظمته إذا عرفنا ان خدمة الله جل اسمه لثانية واحدة، لو قبلت، تستدعي دخول الجنة، إذ ورد ان الله لو قبل من عبده عملاً واحداً لأدخله به الجنة.

وقال صلى الله عليه واله وسلم: ((مَنْ قَضَى حَاجَةً لِأَخِيهِ كُنْتُ وَاقِفاً عِنْدَ مِيزَانِهِ، فَإِنْ رَجَحَ وَإِلَّا شَفَعْتُ لَهُ))(11) وهذا يعني انك إذا انفقت على فقير أو أسير أو يتيم أو آويت طريداً أو دافعت عن مظلوم وأخرجته من السجن مثلاً، أو غير ذلك فان ميزانك حتى لو لم يرجح لكثرة السيئات، فإن النبي صلى الله عليه واله وسلم سيتدخل بشفاعته ويُثقل كِفّة ميزان الحسنات الخفيفة أصلاً لتدخل الجنة حتماً!

وعن الإمام الصادق عليه السلام ((وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً، لَقَضَاءُ حَاجَةِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَتَنْفِيسُ كُرْبَتِهِ، أَفْضَلُ مِنْ حَجَّةٍ وَطَوَافٍ، وَحَجَّةٍ وَطَوَافٍ حَتَّى عَقَدَ عَشَرَةً، ثُمَّ خَلَا يَدَهُ وَقَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ، وَلَا تَمَلُّوا مِنَ الْخَيْرِ، وَلَا تَكْسَلُوا))(12)

ومن عرف أجر الطواف والحج، وخُبُر صعوبة الحج ومشاقه وتكاليفه، عرف مدى الأجر المذهل الذي قرره الله تعالى لقضاء حاجة امرء مسلم ولو كانت بإقراضه مبلغاً أو تزويجه امرأة أو حتى غسله الأطباق وكنسه المنزل كمساعدة منه لأهله!

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

.............................................
(1) سورة القصص: الآية 77.
(2) سورة النحل: الآية 90.
(3) سورة يونس: الآية 26.
(4) سورة الممتحنة: الآية 8.
(5) عبد الله بن جعفر الحميري، قرب الإسناد، مكتبة نينوى ـ طهران، ص56، وعنه بحار الأنوار: ج5 ص314.
(6) سورة الإنسان: الآية 8-9.
(7) سورة هود: الآية 61.
(8) سورة الأعراف: الآية 56 و58.
(9) كما في الولايات المتحدة الأمريكية.
(10) ابن أبي جمهور الاحسائي، عوالي اللآلئ، دار سيد الشهداء عليه السلام ـ قم، ج1 ص374.
(11) ابن أبي جمهور الاحسائي، عوالي اللآلئ، دار سيد الشهداء عليه السلام ـ قم، ج1 ص374.
(12) الشيخ الطوسي، الأمالي، دار الثقافة للنشر ـ قم، ص694، وعنه بحار الأنوار: ج66 ص405.

اضف تعليق