إسلاميات - القرآن الكريم

عصمة النبي الأكرم (ص)

من كتاب خواطري عن القرآن

(وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى)(1).

ـ 1 ـ

النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) بشر فيه نفخة من السماء، وفيه قبضة من الأرض.

ولكن: نفخة الله في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم تكن روحاً منه، كما كانت نفخته في عيسى بن مريم (عليه السلام):

(... وروح منه...)(2).

ولم تكن من روحه، كما كانت نفخته في آدم (عليه السلام):

(...وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي...)(3).

وإنما كانت نفخة الله في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نوراً اشتقه الله من نوره، كما في الحديث عنه: (أن الله أشتق نوراً من نوره، فأودعه في صلب آدم)(4).

ولم تكن قبضة من الأرض في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (من حزن الأرض وسبخها) ـ كما في سائر الناس ـ ، وإنما كانت من صفوة الأرض.

فنور الله يتحرك في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وصفوة الأرض تتحرك فيه، ولكن نور الله يحكم الأرض ويقننها. فمركب الأرض لم يعطل في النبي، وإنما بقي متحركاً بأقصى ما تتحرك الأرض في بشر فكانت بنيته الجسدية أقوى تتفجراً وأشد مناعة من غيره، وبمركب الأرض كان يأكل ويشرب وينام ويعاش... وتيار الأرض لم يشل في النبي، وإنما بقي الصراع فيه متحمساً بأعنف وأجمع ما يكن الصراع في بشر، ولكنه كان محكوماً بنور الله، لأن نور الله أقوى من مركب الأرض.

ولو عطل مركب الأرض في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وخبا فيه الصراع، لكان في عداد الملائكة الذين لا يمكن أن تكون لهم الأفضلية مهما عملوا، ولم تكن معنى لعصمته. وإنما نتجت أفضليته، من أقوائية حركة الأرض فيه وسيطرته عليها.

فنور الله في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كالسدِّ المكين الذي يستقبل الطوفان الساحق ليقهره، ويذلله في المجاري التي تحيي ميت البلاد. وهذه التركيبة جعلته تجربة قاسية إلى أبعد آماد الاحتمال، واحتماله لها ـ بنجاح ـ جعله نادراً إلى أعلى درجات الإمكان.

وذلك النور في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، هو هوية: (رسول الله) و(خاتم النبيين). وذلك النور هو الذي نظم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): فما يعبر عن مركب الأرض، (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) البشري، وما يتحرك بالغرائز المشحن بها، وما ينطلق عن عقلية الأرض، ولا عن علوم الأرض، قبل أن يزكيها تمحيص السماء. (إِنْ هُوَ): نطق النبي (إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى) به إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا تصنيف في أقواله: بأن هذا... صدر منه بصفته الرسمية، وذاك... صدر منه بصفته الشخصية، ولا استفهام عليها: هل هذا... وحي من قبل الله أم ليس وحياً؟ بل كلها... مقدسة، تؤخذ بصفتها وحياً قاطعاً يرفض التردد والتأمل.

وهذا... لا يعني أن كل حرف صدر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان وحياً مباشراً نزل به (جبرئيل) من الله، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن (جهازاً حاكياً) يوصل إلى مسامع الناس الوحي الذي يعجزون عن استقباله فما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مجرد أداة لاستقبال ذبذبات السماء، ولا كان مجرد صدىً لـ(جبرئيل)، وإنما كان أذكى الناس وأقدرهم عن استيعاب إرادة الله وتنظيرها.

وما كان الله ليحبط قدرات نبيه ويحوله إلى مجرد أداة، وإنما كان الله ليحرك مواهب نبيه الأمين. فرباه تربية لائقة به، ومنحه مقاييس الكون والحياة، ثم خوله صلاحية التحرك في نطاق تلك المقاييس: فقد (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى)، وألهمهم علماً أحاطه بكل ما يمكنه من استنباط ما يؤمن تقنين الحياة، وعصمه من الانهيار والارتباط حتى لا يزل بقصد أو بدون قصد. فليس كل قوله وحياً، وإنما انطلاقاً من موقع الوحي: وإلا لما كان (فعله) و(تقريره) حجتين إلى جانب (قوله)، وإلا لما كانت (السنة) إلى جانب (الكتاب). فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (حجة الله) على خلقه، لأنه الصيغة البشرية لإرادة الله، فلا يقول ولا يفعل ولا يقرر شيئاً إلا مطابقاً لإرادة الله، ومن هنا... وجدت السنة. ثم كان الكتاب: مدداً للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من جهة، وسنداً دستورياً للأجيال من جهة أخرى، ومعجزة خالدة للأبد من جهة ثالثة.

فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن ـ عند الله ـ أقل من (مجتهد) يربى تربية فقهية معينة، ثم يخوّل صلاحية إصدار الأحكام وفق اجتهاده. ولا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ عند الله ـ أدنى من (حاكم) يربى تربية قانونية معينة، ثم تخول صلاحية معالجة الأمور وفق اجتهادهم. وإلى هذا... يهدي الحديث الشريف: (إن الله أدب نبيه بتأديبه، ففوض إليه دينه، يحلل ويحرم)(5)، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو... هو... الذي يحلل ويحرم، ولكن لا تعبيراً عن هوى مركب الأرض فيه، وإنما تنظيراً للمقاييس المرتكزة في وجدانه بنور السماء. كما أن (المجتهد) هو الذي يصدر الأحكام، وكما أن (الحاكم) هو الذي يعالج الأمور، ولكن لا تنفسياً عن رغبة كيفية، وإنما تطبيقاً لتربية فكرية معينة.

ـ 2 ـ

س: التعبير عن (الهوى) مذموم، سواء أكان بالنطق أو بالفعل فلماذا تخصيص النطق؟

ج:

1ـ لعل المراد مطلق التعبير، وخصص النطق بالذكر لأنه أبرز وسائل التعبير.

2ـ لعل المراد النطق وحده، لأنه السبب: فالملتزم في كلامه يضطر إلى الالتزام في عمله، والمنفلت في كلامه ينفلت في عمله.

3ـ لعل المراد النطق دليلاً وغيره مدلولاً، إذ يمكن كتمان كل الأعمال أو تفسيرها، ولكن النطق هو العمل الذي يرفض الكتمان والتفسير.

وعلى العموم: لا يمكن فصل اللسان عن بقية الجوارح، لأنها ـ جميعاً ـ معبرات عن القلب: فمن انضبط قلبه انضبط لسانه وجوارحه، كلها، ومن أنساق قلبه أنساق لسانه وجوارحه كلها.

4ـ ربما يكون المقصود النطق وحده، لأن الآيات في مورد الرد على الذين كانوا يناقشون بعض أقوال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): أنها منه أم من الله؟

س: النطق عن الهوى، أو مطلق التعبير عنه، مختص بالرعاع الذي لا مسكة لهم من عقل أو دين. وأما أهل الحنكة والحكمة فيتحرجون منه، فكيف بأهل التقوى والمعرفة. وهو أدنى ما يشترط (عدول المؤمنين)، فليس مثله فضيلة لمثل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

ج:

1ـ الحكماء والمتقون قد يزلون فينطقون عن الهوى، وأهمية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه معصوم، فلا ينطق عن الهوى فنقل القرآن كلامهم ـ بعد إضافة حرف النفي عليه ـ للتطابق بين التهمة ودحضها.

الهوى إرادة النفس، سواء أكان المهوي محموداً أم مذموماً، وغلب عليه المذموم، فالذي يتبع إرادة نفسه لا يعني ـ حتماً ـ أن يكون على ضلال في كل شيء، لأن إرادة النفس كثيراً ما توجه إلى الخير، ولكنه معرض للسقوط، لأن الإنسان لا يحيط بكل جوانب الأمور. فإذا انطلق من إرادة الله يكون على خط سليم، وإذا أنطلق من إرادة نفسه يكون معرضاً للجواذب.

(فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ: فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ، أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ)(6).

(وَ) النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى)، وإرادة النفس التي تحددها مواهبه وثقافته الشخصية، رغم تفوقه في المواهب والثقافة. (إِنْ هُوَ) نطقه (إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى) إليه. فهو مسدد بالوحي، المعبر عن مصدر الواقع. فلا ينتابه: الخطأ، والسهو، والنسيان...

والوحي: اتصال مباشر، غير حاسي.

لأن الإتصالات ثلاثة:

1ـ اتصال بواسطة رسول، كاتصال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بواسطة (جبرئيل) أو غيره من الملائكة.

2ـ اتصال بواسطة كلام يخلقه الله في بعض المظاهر الكونية، كالكلام الذي سمعه (موسى بن عمران) (عليه السلام) من الشجرة.

3ـ اتصال بدون واسطة محسوسة، لا نعرفه بالضبط، فلا نستطيع أن نسميه (اتصالاً روحياً) كما لا نستطيع اعتباره (اتصالاً جسمياً). كل ما نعرف: أنه يختلف عن الإتصالين الأوّل والثاني، لأنه أردف بهما في قوله تعالى:

(وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ: وَحْياً، أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)(7).

وهذا الاتصال ليس مهم مبهماً يتم في اللاشعور، ولا ضبابياً كالرؤيا. وإنما هو واضح بينّ، وربما أجلى من الإتصالات الحاسية، ولذلك: ورد ـ في الآية السابقة ـ قبل مرادفيه. ويمكن الاستدلال عليه بالحديث المشهور: (الرؤيا... جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)(8).

والوحي من فيض الله، فهو مستمر لا ينقطع، وموجود في مجالاته كما أن النور موجود في مجالاته ولكن المخلوقات الأرضية ليست مؤهلة لاستقباله، وربما يبلغ مخلوق لحظة متفوقة من الصفاء تؤهله لاستقبال الوحي، كالنماذج التالية:

(أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى...)(9).

(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ...)(10).

(وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ...)(11).

(...وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها...)(12)...

وقلما يوجد في المخلوقات من تنتظم لحظاته المتفوقة حتى يستقبل الوحي بانتظام، كالأنبياء والملائكة المقربين، ولذلك: يصبحون وسائط بين الله ومخلوقاته.

أما أن يوجد إنسان يعيش ـ دائماً ـ لحظة التفوق القصوى، بحيث يكون دائِم الاتصال بالله، ويتابع الوحي بلا انقطاع، فمثل هذا الإنسان لم يوجد منه إلا فرد واحد هو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لم ينقطع، فلم ينطق إلا تعبيراً عن وحي.

ـ 3 ـ

(الوحي) ليس بإرسال رسول، ولا هو من قبيل التكلم من وراء حجاب، لأنه مرادف لهما، وإنما هو نوع من الاتصال يتم بواسطة ـ لا نعلمها بالضبط ـ يمكن أن نسميها اتصالاً غير حاسي. وهذا الاتصال ليس اتصالاً مبهماً يتم في اللاشعور، وإنما هو واضح وصريح، وربما أجلى من الإتصالات الحاسية.

و(الوحي) من فيض الله، فهو مستمر لا ينقطع:

ولكن قد يتفق أن يبلغ مخلوق لحظة متفوقة الصفاء، تؤهله لاستقبال (الوحي) مرة واحدة، مثل قوله تعالى:

(أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى...)(13).

(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ...)(14).

(وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ...)(15).

(...وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها...)(16)...

وقلما يوجد في المخلوقات من تنتظم لحظاته المتفوقة حتى يستقبل (الوحي) كثيراً، كالأنبياء والملائكة المقربين ولذلك: يصبحون وسائط بين الله ومخلوقاته.

أما أن يوجد إنسان يعيش ـ دائماً ـ لحظة التفوق القصوى، بحيث يكون دائِم الاتصال بالله، ويتابع (الوحي) بلا انقطاع، فمثل هذا الإنسان لم يوجد منه إلا فرد واحد هو النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لم ينقطع، فلم يتكلم بشيء إلا تعبيراً عن (وحي).

...................................
(1) ـ سورة النجم: 3 ـ 5.
(2) ـ سورة النساء: آية 171.
(3) ـ سورة الحجر: آية 29.
(4) ـ بحار الأنوار ـ ج 15 ـ ص7.
(5) ـ بحار الأنوار ـ ج17 ـ باب(13) حديث 4 و 10.
(6) ـ سورة الحج: آية 31.
(7) ـ سورة الشورى: آية 51.
(8) ـ بحار الأنوار ج58 ص191 ح61.
(9) ـ سورة القصص: آية 7.
(10) ـ سورة المائدة: آية 111.
(11) ـ سورة النحل: آية 68.
(12) ـ سورة فصلت: آية 12.
(13) ـ سورة القصص: آية 7.
(14) ـ سورة المائدة: آية 111.
(15) ـ سورة النحل: آية 68.
(16) ـ سورة فصلت: آية 12.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2