إسلاميات - القرآن الكريم

السائل والمسؤول

من كتاب خواطري عن القرآن

(لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون). الأنبياء: 23

يتصورون: أن الله تعالى قوي مقتدر، خلق الإنسان في الحياة، وفرض عليه أحكاماً معينة فرضاً، لمجرد ممارسة سلطانه كإله. ولما وجد أن الناس لا يخنعون تجاهه، خلق الجنة لمن أطاعه وخلق النار لمن عصاه، لمجرد أن أولئك استسلموا له، وهؤلاء تمردوا عليه.

فيصورون الله سبحانه وكأنه طاغوت مزاجي، يتمتع بقدرة مطلقة، فيتحكم كيفياً، كما لو كان واحداً من البشر، له عواطف البشر ونوازع البشر وقصور البشر، فيحاول أن يسد نقصه بطغيانه.

ويشجعهم على هذا التصور، جهلهم بمجموعة من الآيات والروايات:

مثل هذه الآيات: ((لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون)).

((قل: كلٌّ من عند الله))(1).

((فليعلمنَّ الله الذين صدقوا، وليعلمنَّ الكاذبين))(2).

((ومن يضلل الله، فما له من هاد. ومن يهد الله، فما له من مضل))(3).

((قل: من كان في الضلالة، فليمدد له الرحمن مداً))(4).

((إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً، ولهم عذاب مهين))(5).

((وإذا أردنا أن نهلك قرية، أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فدمرناها تدميرا))(6).

((ولولا أن يكون الناس أمة واحدة، لجعلنا لمن يكفر بالرحمن – لبيوتهم – سقفاً من فضة، ومعارج عليها يظهرون))(7).

((ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين))(8).

((ولو شاء ربك، لجعل الناس أمة واحدة))(9).

((ويوم نقول لجهنم: هل امتلأت؟ وتقول: هل من مزيد))(10).

((وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين))(11).

((فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله: ليعذبهم بها في الحياة الدنيا، وتزهق أنفسهم وهم كافرون))(12).

((ويرسل الصواعق، فيصيب بها من يشاء))(13).

ومثل هذه الروايات:

لولا أنني أستحيي من عبدي المؤمن، لم أترك عليه قطعة يستر بها عورته (14).

لو كان المؤمن على قطعة خشبة في بحر لجي، لبعث الله إليه شيطاناً يؤذيه (15).

إن الله – تعالى – قبض قبضة من الأرض بيمينه وقال: (هذه... للجنة ولا أبالي)، وقبض قبضة من الأرض بشماله وقال: (هذه... للنار ولا أبالي)(16).

من بخل بمالي على عيالي، أدخلته ناري ولا أبالي(17).

وعلى أساس هذا التصور، يؤسسون مجموعة من الأسئلة الاستنكارية، تمهيداً لاعتبار أصل: الألوهة فكرة خرافية، يلفها ضباب كثيف من: التناقضات، والتوترات، وكراهية الله للعباد، والجهل... والعياذ بالله.

كل ذلك: لضرب أصل فكرة الألوهة، وتعبيد الطريق أمام فكرة الإلحاد.

ونجيب على ذلك بما يلي:

1- هل في نظام الكون شيء من التناقض والتوتر، أو هو نظام فيه من الحكمة والعلم أكثر مما يستطيع استيعابه العقل البشري؟. وهل في نظام جسم الإنسان شيء من التناقض والتوتر، أم هو نظام فيه من الحكمة والعلم أكثر مما يستطيع استيعابه العقل البشري؟.

وإذا كان نظام الكون حكيماً عليماً، وإذا كان نظام جسم الإنسان حكيماً عليماً؛ فالذي نظم الكون وجسم الإنسان هو الذي أنزل الدين. وكما أننا لو لم نفهم شيئاً من نظام الكون أو جسم الإنسان نتهم أنفسنا بالقصور قبل أن نتهم النظام بالقصور، علينا أن نعمل الشيء ذاته لو لم نفهم شيئاً من الدين، لا أن نتسرع في الارتجال والانفعال فمنهم الدين ومصدر الدين، حتى كأننا نحاول أن نعتبر مصدر الدين غير مصدر الكون ونظامه.

2- إن هؤلاء يعاملون البشر من أمثالهم بأفضل مما يعاملون الله، فإذا وثقوا من خبير من الخبراء – طبيباً كان، أو مهندساً، أو فقيهاً، أو حاكماً، أو حتى محاسباً... – ثم وجدوا منه ما يوحي بالتناقض والتوتر؛ لا يعجلون النكير عليه إلا بعد أن يفكروا أكثر من مرة، ويحاسبوا أنفسهم أكثر من مرة (ونِعْمَ ما يعملون: لأن الخبير في اختصاصه أكثر دراية من غيره، وربما أقوى موهبة من غيره. ونسبة الخطأ والقصور عنده في اختصاصه، أقل من نسبتهما عند غيره في غير اختصاصهم) رغم أن أولئك بشر معرضون للخطأ والقصور؛ بينما يعجلون النكير على الله، حتى كأن الله معرض للخطأ والقصور أكثر من الخبراء العاديين.

3- يجد البشر الحرية في اتباع الدين أو عدم اتباعه، كما يجد الحرية في اتباع نظام الكون أو عدم اتباعه، فهو حر في الانقياد لأحكام: الصدق، والأمانة، والتوحيد، والعبادة... كما هو حر في الانقياد لأحكام: الجاذبية، والطاقة، والقدرة، والنظافة... غير أن الكون يعجل الانتقام ممن يتمرد عليه، والدين لا يعجل الانتقام ممن يتمرد عليه:

فالذي لا يعترف بالجاذبية، ويحاول الانتقال من شاهق إلى شاهق بلا وسيلة مقاومة للجاذبية، فيجتاز هذا الشاهق إلى ذاك؛ يسقط ويتحطم. والذي لا يعترف بالكهرباء، فيعبث بأسلاكها العارية، ستمتصه الكهرباء، وتقذفه هيكلاً من رماد. والذي لا يعترف بالقدرة، فيحاول أن يحمل طناً من حديد؛ سوف يصاب بالفتق وانخلاع المفاصل. والذي لا يعترف بالميكروب، سرعان ما يضر به المرض.

بينما الذي لا يعترف بالصدق فيكذب على المتعاملين معه، ولا يعترف بالأمانة فيخون الحقوق والحرمات، ولا يعترف بالتوحيد فيعبد آلهة من الأرض، ولا يعترف بالعبادة فيسترسل في عفويته المادية؛ لا يعاقبه الدين بتلك السرعة التي يعاقب بها الكون المتمردين على نظامه، وإن كانت سلبيات هذه التمردات تنعكس عليه.

فرغم الحرية التي يجدها البشر تجاه التكوين والتشريع معاً، خاضعاً للتكوين أكثر من خضوعه للتشريع لهذا الفارق.

وبما أن التكوين يعجل الانتقام، يفهم كل إنسان فلسفة أحكامه بسرعة، ويقتنع بها، فلا يحاول الخروج عليها إلا في فترات فقدان الأعصاب. ويحمل الآخرون سلبيات مخالفة التكوين على المخالف لا على الله، فيقولون: (كان يعرف نتيجة المخالفة، فلماذا خالف؟!) فيما التشريع –حيث لا يعجل الانتقام– لا يفهم الناس فلسفة أحكامه بسرعة، فلا يقتنعون بها، ويحاولون الخروج عليها كلما وجدوها تزاحم رغبة من رغباتهم، ويحاولون أن يحملوا سلبيات مخالفة التشريع على الله، وإيجاد التبارير للمخالف.

لأن البشر معتاد على الاعتراف –وحتى الإيمان– بالقوة المهيمنة ولو بغير حق، وغير معتاد على الاعتراف –مجرد الاعتراف– بالحق إذا لم يكن مهيمناً. ويسعى –عن طريق المناقشة، وإظهار عدم القناعة– إلى إبطال الدين، لإراحة ضميره، وإبعاد اللوم عن نفسه، ظناً منه بأن هذه المحاولات تغير الواقع، بينما الواقع قائم مفروض، يجري أحكامه على المطيع والعاصي، والجاهل والعالم.

فالتشريع –كالتكوين– لا يغيره الجهل أو التجاهل، والقناعة أو عدم القناعة. فالجاهل إذا لم يتعلم، وغير المقتنع إذا لم يسع إلى الاقتناع؛ إنما يعرض نفسه، وستنعكس عليه سلبياته.

لذلك، ورد في الحديث: (يقال يوم القيامة للعاصي: لماذا لم تعمل؟! فإذا قال: لم أعلم، قيل له: هلا تعلمت؟!)(18).

تماماً... كما لا يعذر الجهل أو التجاهل للتكوين، فإذا تناول أحد السم وقال: (لم أعلم)؛ لم ينقذه قوله هذا من التأثر بالسم.

وما دام التشريع إرشاداً إلى الجزء غير المنظور من الواقع القائم، فالمتسائل بصدق يعطى الجواب حتى القناعة. وأما المتسائل بعناد، فيقال له: (هذا... الواقع، وإذا لم يعجبك فافعل ما تريد).

وتلك التعابير القرآنية والروائية التي أثبتناها مع السؤال، كلها تعابير تعجيزية، لتكبيت المتعنتين. ونجد في القرآن تعابير أقسى منها:

((من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب إلى السماء، ثم ليقطع، فلينظر: هل يذهبن كيده ما يغيظ؟!))(19).

((يا معشر الجن والإنس! إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض، فانفذوا. لا تنفذون إلا بسلطان * فبأي آلاء ربكما تكذبان؟! * يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس، فلا تنتصران))(20).

4- بالإضافة إلى: أن كل تلك الآيات والروايات – ونظرائها – صحيحة، ونترك بيان كل واحدة منها لموردها من القرآن، ونكتفي ببيان الآية التي نسير في ظلها:

((لا يُسأل عما يفعل، وهم يُسألون)).

فالسؤال الجاد –وهو سؤال غير الجاهل– نوع من المحاسبة، والمحاسبة لا تكون إلا نتيجة تعاقد.

فمثلاً:

إذا تضارب رجلان، فكان لأحدهما مال وضعه تحت تصرف الآخر لاستثماره بشكل معين؛ فإن لصاحب المال أن يحاسب الآخر، لمعرفة ما إذا كان ملتزماً بصيغة العقد أم لا؟! وأما صاحب رأس المال، فليس مسؤولاً من قبل المضارب، لأنه صاحب رأس المال.

والحاكم يُسأل عما يفعل من قبل الشعب، لأن الشعب صاحب المصلحة الحقيقية، وينتخب فرداً معيناً وفق دستور معين –وهذا هو التعاقد بينهما–، ثم يضع تحت تصرف ذلك الفرد كل قدراته، فيكون من حقه أن يحاسب ذلك الفرد، لمعرفة ما إذا كان ملتزماً بصيغة العقد أم لا؟ فالحاكم مسؤول بهذا الاعتبار. أما الشعب ذاته، فليس مسؤولاً كاملاً من قبل حاكمه، لأن الشعب هو صاحب المصلحة الحقيقية والحاكم هو المضارب.

من كل ذلك نعرف: – طبقاً لتعابيرنا الاقتصادية والسياسية – أن المالك لا يكون مسؤولاً، وإنما المتصرف وفق عقد معين هو المسؤول.

وبما أن الله – تعالى – هو مالك كل شيء، وقد وضع بعض الأشياء تحت تصرف الناس وفق عهد معين:

((وإذ أخذ ربك من بني آدم – من ظهورهم – ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم: أ لست بربكم؟! قالوا: بلى... شهدنا))(21)، وفي نهج البلاغة – عند بيان فلسفة بعثة الأنبياء إلى الناس –: (... ويذكروهم منسيَّ نعمته)(22)؛ فمن حقه –وحده– أن يسأل الناس جميعاً عن مدى التزامهم بذلك العقد وعدم التزامهم، وليس من حقهم أن يسألوه عن شيء، لأنهم لم يملكوا شيئاً ليضعوه تحت تصرفه وفق عقد معين. فهو يسألهم عن عقده معهم قبل أن يضع تحت تصرفهم هذه الدنيا، أما هم: فعن أي شيء يمكنهم أن يسألوه؟!

((لا يسأل عما يفعل))، لأنه يفعل كل ما يفعل بممتلكاته. ((وهم يسألون)) عما يفعلونه بممتلكات غيرهم، التي وضعت تحت تصرفهم بعقد معين، لم يلتزم به أكثرهم.

...............................................
(1) سورة النساء: الآية 78.
(2) سورة العنكبوت: الآية 3.
(3) سورة الزمر: الآيتان 36 – 37.
(4) سورة مريم: الآية 75.
(5) سورة آل عمران: الآية 178.
(6) سورة الإسراء: الآية 16.
(7) سورة الزخرف: الآية 33.
(8) سورة السجدة: الآية 13.
(9) سورة هود: الآية 118.
(10) سورة ق: الآية 30.
(11) سورة البقرة: الآية 31.
(12) سورة التوبة: الآية 55.
(13) سورة الرعد: الآية 13.
(14) انظر الجواهر السنية، لمحمد بن الحسن الحر العاملي، ص 160.
(15) انظر بحار الأنوار، ج 64، الباب 12، ح 56 – 61.
(16) انظر بحار الأنوار، ج 5، باب الطينة والميثاق، ص 230.
(17) انظر الأمالي، للشيخ الطوسي، ص 531.
(18) بحار الأنوار – ج 7 – ص 285 – باب ما يحتج الله به على العباد يوم القيامة – ح 1.
(19) سورة الحج: الآية 15.
(20) سورة الرحمن: الآيات 33 – 35.
(21) سورة الأعراف: الآية 172.
(22) نهج البلاغة – الخطبة(1).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

9