إسلاميات - القرآن الكريم

الإنسان الرابح

من كتاب خواطري عن القرآن

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالْعَصْرِ: إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلاَّ: الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ، وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ)(1).

(العصر) اسم للزمان كلل، وهو: اسم للأصيل أيضاً.

وهذه السورة المباركة، من السور المفتتحة باليمين، للتأكيد على صحة ما فيها. واليمين بالعصر لـ :

1ـ أهميته، والتوجيه إليه، لجعله موضع دراسة وتحليل، والإفادة منه.

2ـ للتدليل على أن العصر شيءٌ مقدس، كالتين، والزيتون، والشمس وضحاها، والقمر إذا تلاها... باعتبار: أن كل الموجودات الكونية، أشاء مقدسة. لأنها أشياء مؤمنة بالله، وخاضعة لله. وإنها في سجود، وتسبيح، وصلاة ـ دائماً لله، ـ على ما يفهم من بعض السور.

ثم: إن اليمين بالعصر ـ لو أريد به مطلق الزمان ـ مناسبة لما في السورة، من الإلفات إلى أن الإنسان في خسارة مستمرة للعمر.

ولو أريد به الأصيل فقط، ففيه دلالة على: أن الإنسان يعيش عمراً يشبه الأصيل، في أنه معرض للزوال باستمرار. وأن طبيعته تشبه طبيعة الأصيل، التي تحمل في ذاتها دليل قصره، وإنذارها بالزوال.

(إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ): فكل إنسان في خسران مستمر للعمر، لأنه يفقد ـ يومياً حصة من رصيده، وورقة من كتاب حياته، وجزءً من أمده.

(إِلاَّ: الَّذِينَ آمَنُوا): فبالنسبة إليهم، ليس نقصان الزمان، خسراناً. لأن المؤمن خلق مرتبط بالله، مستمر في عمق المستقبل، قوي بارتباطه بالله، فلا يشكو التهافت والذوبان. ويتخطى جدار الموت، فالموت ـ بالنسبة إليه ـ مجرد انتقال تكاملي من بيئة إلى بيئة، ومن مناخ إلى مناخ. فالزمان ـ بالنسبة إليه ـ لا يعني شيئاً.

(وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ): فالإيمان والعمل الصالح مقترنان، لأن العمل الصالح تعبير عن جريان الإيمان في الجوارح، وعدم جموده في الذهن، فليس خاطرة غريبة في كيان الإنسان، وإنما هو منتشر فيه فكراً ولفظاً وحركة، لأنه صادق ومتمكن منه. ومن هنا: يقترن الإيمان بالعمل الصالح، في العديد من آي القرآن.

ذلك: أن المؤمن ـ إذا لم يمارس إيمانه ـ يتهافت إيمانه ويندثر، كما أن الحيّ ـ إذا لم يمارس حياته ـ تتهافت حياته وتندثر. فهما مقترنان.

(وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ): فالفرد المؤمن لا يتماسك ولا يستقيم إلا في المجتمع المؤمن، كما أن الشجرة لا تتماسك ولا تستقيم إلا في البستان. والمؤمن في مجتمع غير مؤمن غريب لا يداوم، كما أن الطائر الوحيد لا يقطع الأبعاد. فعلى كل مؤمن: أن يسعى لإيجاد المجتمع المؤمن، الذي يضفي هو عليه بإيمانه، ويضفي مجتمع عليه بإيمانه، ليتماسك ويستمر، ولذلك: تحرم الهجرة إلى بلاد الكفر، التي لا يستطيع المؤمن أن يقيم فيها شعائره. فالروح الجماعية لا توجد في الفرد، مهما كان قوياً.

(وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ): فالمثابرة على الإيمان ـ الذي هو الحق ـ يحتاج إلى الصبر. وليس إلى الصبر الطبيعي وحده، وإنما إلى الصبر الجماعي الذي يمده التواصي.

فكل مؤمن أوجد مجتمعاً مؤمناً، يوصيه بالحق والصبر، ويوصى فيهم الحق وبالصبر، فليس بخاسر. ومن لم ينجح في إيجاد مجتمع مؤمن كذلك، فهو في خسر.

وإذا لم ينجح في إيجاد المجتمع المؤمن الكبير، فعليه أن يوجد المجتمع المؤمن الصغير في: بيته، أو في معمله، أو في مكتبه...

الإنسان الرابح أيضاً

أولاً: العصر هو: الزمن، أو آخر النهار، وفي هذه الفاتحة مناسبة دقيقة مع ما يأتي، فالسورة تبحث في مقارنة الإنسان بالزمان. فالزمان في حركة دائمة، والإنسان ـ في كل لحظة ـ يخسر شيئاً من رأس ماله، فهو في خسران لا إرادي دائم. ولكنه يستطيع أن ينتصر على هذا الخسران، ويحول الزمان المتحرك المنصرم الفاني إلى شيءٍ خالد وثابت، ولكن بشرائط أربعة:

1ـ الإيمان.

2ـ العمل الصالح.

3ـ التواصي بالحق.

4ـ التواصي بالصبر.

ثانيا: فالمؤمن إذا عمل الصالحات، يبقى بتلك الصالحات ما بقيت. ففي الحديث: (إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية، وولد صالح يستغفر له، وكتاب علم ينفع به)(2)، وكل ما من قبيل هذه الأمثلة الثلاثة: كاختراع مستمر، وتلميذ يمدد في حياته الدينية، وفكرة ينتفع بها...

فالإنسان إذا أعطى، يبقى ببقاءِ عطاءه، سواء أكان: في صيغة مؤسسة خيرية، أو في صيغة تربية صالحة، أو في صيغة أفكار وأحلام تنير الدرب أمام الإنسان. فهو ـ بإحدى هذه الثلاث ـ يحيا حياة حقيقة معطاءة، وإن استحال جسمه في ذرات التراب.

كما يمكنه أن يكتب لنفسه الموت الحقيقي، بأن ينقطع عن العطاء، ويتحول إلى أخذ، فيفقد إرادة الحياة، وينجرف مع الشارع، فإنه ميت حقيقي، وإن كان يتموج مع الأحياء ألم يقل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (... فالحياة في موتكم قاهرين، والموت في حياتكم مقهورين)(3) .

فما دام الإنسان يملك إرادة التغيير ـ وهي أجلى ظواهر الحياة ـ فهو حي. وإذا خسر إرادة التغيير، واستسلم للمغيرات، فانساق، وسمح للشارع أن يدخل في: مجتمعه، أو في بيته، أو في عائلته، أو في نفسه... فقد خسر الحياة.

وهكذا... فالمؤمن الذي يعمل الصالحات، لا يخسر شيئاً بانصرام الزمان، وإنما يحوله إلى عمل ثابت غير منصرم، فهو خالد ينمو وينتشر. بينما غير المؤمن، يخسر ـ كل لحظة ـ قسطاً من رأسماله، حتى يفنى رأسماله كله، ولا يبقى شيء منه، فينتهي.

(وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ): فالإنسان الفرد، مهما أوتي من قوة الإرادة وصلابة الإيمان، لا يستطيع أن يبقى مقاوماً لكل عوامل التغيير المتحكمة فيه، وإنما عليه أن يحول إيمانه الفردي إلى عمل جماعي، بأن: يؤسس مجتمعاً إيمانياً، يكون بمثابة الدرع التي تردع كثيراً من عوامل التغيير، قبل أن تتحكم فيه.

المؤمن، إن لم يحول إيمانه إلى مجتمع، يكون كالبطل الواقف على الرمال المتحركة، كلما تحرك غاص فيها. وأما إذا وجد المجتمع المؤمن، فإنه يصبح كالمحارب الرابض في خندقه، لا تصل إليه القواتل، إلا احتمالاً بنسبة الضعف في استحكاماته.

فالمؤمن، إذا أوصى غيره بالحق والصبر، يتركز في عمقه الإيمان بالحق والصبر. فمن يحمل الآخرين على جناحه، يقول جناحه.

وإذا أوصاهم الآخرون بالحق والصبر، يلافون نقاط ضعفه، ويعوضونه عن نقائصه، فيصمد.

فالمؤمن، في المجتمع المؤمن جزء في مجموعة متداعمة: تتلافى ضعف بعضها، وتتركز في الدفاع عن بعضها. وذلك: كالطائر في سربه.

أما إذا بقي وحيداً: فإن عوامل التغيير، ونقاط ضعفه، تتغلب عليه ـ ولو شيئاً قليلاً ـ وتعرض إيمانه للضمور والتلاشي.

فللإيمان ثلاثة شرائط:

1ـ العمل الصالح: لأن الإيمان ـ كأية طاقة ـ إذا لم يمارس يتضائل وينتهي.

2ـ التوصية بالحق والصبر: لأن الإيمان، إذا لم يمتد إلى الآخرين، لا يكون إيماناً متحركاً، فلا يكون إيماناً كاملاً. بل جامداً، ناقصاً، لا خير فيه.

3ـ قبول الوصية من الآخرين بالحق والصبر: لأن الإنسان ـ مهما كمل ـ تبقى فيه نقاط الضعف، التي تحوجه إلى تسديد الآخرين. فإذا ظن أنه أصبح في غنى عن تسديد الآخرين، فقد أقر نقاط ضعفه، وثبتها، وحرم نفسه من التكامل.

والمؤمن ـ بهذه الشروط ـ هو الذي يأخذ من الزمان أداة تعينه على خلوده، ولا يسمح للزمان أن يسلل ـ كل لحظة ـ منه لبنة حتى يتركه رمماً.

....................................
(1) ـ سورة العصر: الآية 1 ـ 3.
(2) ـ كنزل الأعمال ـ خ (43655).
(3) ـ نهج البلاغة ـ خطبة(51).

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1