آراء وافكار - دراسات

الغزو الثقافي عبر وكالات الانباء

وكالات الأنباء الدولية رأس الحربة في الصراعات الفكرية بين الدول

هل ثمة اختراقات واسعة للأطر الثقافية والحضارية التي كانت حتى الأمس القريب من خصوصيات الأمم والشعوب؟، فقد لاحظنا تمسكاً بالخصوصية في مؤتمرات عالمية مهمة معنية بالثقافة وحقوق الإنسان، في مرحلة التسعينيات من القرن العشرين، وليس سهلاً تصور ردود أفعال المتضررين من هذه الثورة العالمية الجديدة.

وفي ضوء هذه الثورة، يجب الاعتراف بالفرق الشاسع بين البلدان الصناعية الكبرى والدول النامية ومنها الوطن العربي، إن أجمالي الناتج الوطني في هذه البلدان الصناعية مستند إلى حقائق العلم بينما لا تمثل المواد الخام أكثر من ( 15%) من هذا الناتج، في المقابل نلاحظ ارتكاز الاقتصاد العربي على تصدير المواد الخام بعيداً من المهارات النوعية والتطوير التقني(1).

إن الاستعمار الثقافي ينمو في النظام الإعلامي؛ فنحن نرى شروط النتاج الثقافي وشخصيته يتقرران في مركز سوق عالمية واحدة تفرض نتاجها على العالم، وحيث يكون هناك خطر في قبول مبدأ حرية انسياب المعلومات في عالم لا تتساوى فيه الإمكانيات التقنية والمادية، وبالتالي في عالم تكون فيه الدول الصغيرة والفقيرة معتمدة ـ بصورة كبيرة ـ على الدول الكبيرة في تقنية انسياب معلوماتها(2).

إن السيطرة الإعلامية الهائلة للإنتاج الأمريكي وظهور مخاوف أوروبية من انفراده المطلق على السوق الإعلامية الأوروبية بل والعالمية (كما ظهر في مفاوضات الغات عام 1997 بشأن التعريفة على مواد الاتصال) تعرض البنى الحضارية والقيمية لمجتمعات الجنوب والمجتمع العربي على وجه الخصوص لهزات عنيفة وتجعل فئات شعبية واسعة مسحورة بالقيم الوافدة . وقد أضاف احتكار عدد محدد من الشركات متعددة الجنسيات لإنتاج تقنيات الاتصال وتسويقها والإعلام تأثيراً سلبياً آخر في المضمون الثقافي والترفيهي والقيم الجمالية والمعايير الأخلاقية التي تحلها هذه التقنيات(2).

التحديات التي ترافق الغزو الثقافي

إن التحدي الذي تواجهه دول الجنوب ومنها بلدان الوطن العربي يتمثل بالغزو الفكري والاختراق الحاد للمعلومات مما جعلها تفقد الكثير من استقلالها لتصبح تحت هيمنة الثقافة الأجنبية .. فضلاً عن حاجتها إلى إيصال صوتها إلى العالم الخارجي لتأكيد هيبتها ونشر أفكارها لتكون بها وسائلها الإعلامية القوية القادرة على حماية أمنها الوطني وحصانة شعوبها من التيارات الفكرية الأجنبية، وتعد مجابهة الخلل الناجم عن تخلف وسائل الإعلام ومحدودية قنوات الاتصال وعدم كفايتها وضعف قدرتها على مخاطبة إنسانها على نحوٍ ناجح من أكبر التحديات التي واجهتها البلدان العربية، مما أدى في ـ الكثير من الأحيان ـ إلى عرقلة جهودها في بناء الإنسان الجديد، وفي بناء تنميتها، وتحقيق التطور النوعي في ميادين الحياة المختلفة، والملاحظ على نحوٍ عام هناك تفاوتاً بين البلدان العربية، من حيث منظومة وسائل الاتصال وتقاليدها، وتطورها الفكري والتقني، وحجم دورها في الحياة وتأثيرها، وربما يعود ذلك إلى أسباب تتعلق بطبيعة النظام السياسي وتركيبة المجتمع وقدرته على التفاعل والتغيير، فضلاً عن العوامل المادية(3).

إذ إن معظم الدول العربية شهدت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين قفزة واضحة في مجال العمل الإعلامي بالرغم من بعض الصعوبات والمشكلات، فالفضائيات العربية بدأت تأخذ مكانها الطبيعي في خارطة النظام الإعلامي العالمي، والشيء نفسه ينطبق على الصحافة العربية التي شهدت تطوراً كبيراً من حيث التحرير واستعمال التقنيات المتقدمة في الطباعة والتوزيع وإبراق النسخ عبر الأقمار الصناعية وظهور الصحافة الإلكترونية عبر آلة الحاسوب وعلى شبكة الانترنت(4).

مما سهل عملية التواصل مع الآخر والاطلاع على تجاربه وثقافته وتلقي المعلومات المتنوعة منه .. إذ إن الحرب الباردة هي أخطر وألعن من الحرب الساخنة، لأن الأخيرة تعبئ الجماهير بينما الأولى تشلُّ الإرادات حيث تتسلل بمكر وتدريجياً، وتدق بمطرقتها بإلحاح واستمرار على الأذهان والعقول والأذواق فتسممها ليصبح المرء عبد قيم وأخلاقيات مستوردة غريبة، إزاء ذلك أصبح استسلام الأوروبيين أمام طريقة الحياة الأمريكية يتجلى في كل مكان: في أسلوب الاستهلاك والملبس ووسائل اللهو، وحتى في الجامعة (5).

ويتأثر نقل الأخبار بعقلية ناقليها وبالأداة الناقلة واستمرار النقل هو وظيفة الوكالة (6)، كما أن أبرز نتائج النظام العالمي الثقافي الراهن تدمير الثقافات الوطنية لشعوب البلدان النامية، ومنها ثقافة الشعب العربي، وفي ضوء ذلك نجد أن الإعلام العربي لن يتمكن من القيام بعبء المواجهة ما لم يحقق استقلاله الثقافي التاريخي الكامل مقابل الآخر(7).

وثمة الكثير من بلدان عدم الانحياز عدت نفسها ضحايا " الإمبريالية الثقافية "(8)، لأن الواقع أثبت بأن البلدان الصناعية تسيطر على وسائل الإعلام العالمية بفضل التكنولوجيا والمال والتخصص المهني وهي ـ عن هذا الطريق ـ تفرض قيمها الثقافية(9). والغزو الثقافي لا يعود إلى أسباب التفوق التقني، وإنما لأن هذه الهيمنة هي نتاج سلطان جهاز اقتصادي وقوة نظام ايديولوجي واستراتيجي (10).

لقد حلَّ الاختراق محل الاستتباع فتحولت التبعية الثقافية إلى عملية تكريس لثقافة الاختراق(11).

وبرغم إسهام وكالات الأنباء في النصف الثاني من القرن التاسع عشر باختراق الإعلام حدود الدولة، فأنه لم يصبح عالمياً إلا في المرحلة الرابعة التي كانت بدايتها الأولى اكتشاف الاتصالات اللاسلكية ( 1896م) ثم ظهور الإذاعات ( 1920) والتلفاز (1940) (12).

إن وسائل الاتصال الرقمية والأقمار الصناعية وأجهزة الفاكس وشبكات الحاسوب جعلت ترخيص الدولة لوسائل المعلومات وسيطرتها على هذه الوسائل أمراًَ مستحيلاً بل تعدته إلى إحباط كل المحاولات للحفاظ على التجانس الثقافي بقوة الدولة(13)، كما أن هذه الوسائل لم تصبح وسائل للتبادل الثقافي وإنما أصبحت أدوات قوية من أدوات خلق النفوذ الثقافي(14).

وهذا النفوذ ظلَّ محصوراً في جانب واحد فالدول الغربية بصورة عامة والولايات المتحدة بصورة خاصة تسعيان إلى أحكام السيطرة على البلدان النامية عن طريق السيطرة على عقول أفرادها وأفكارهم بالاختراق الثقافي، وتكريس القيم البالية التي تنافي قيم تلك الشعوب(15).

وبالتالي توجيه رسائلها وأفكارها بالشكل والأسلوب الذي تريده هي، ويشير تقرير لجنة اليونسكو الدولية لدراسة مشاكل الاتصال إلى أن دولاً معينة ومتقدمة تقنياً تستغل مزاياها لممارسة نوع من أنواع السيطرة الثقافية والأيديولوجية تعرض الذاتية القومية لبلاد أخرى للخطر(16).

لأنها تبث رسائل مختلفة الأغراض ومتعددة الأساليب والوسائل التي تسهم في صناعة رؤية خاصة لا تعنى بخصوصية البلدان التي تتقدم إليها، فأقمار الاتصال الصناعية أصبحت تغطي جميع أجواء الدول النامية(17). ناقلة معلومات وأخباراً وحوادث وثقافات ومحققة مصالحها المرسومة بسهولة.

في هذا الإطار يستعمل غوبار مؤلف كتاب (الحرب الثقافية) تعبير " المطرقة الثقافية الأمريكية " التي ما فتئت تضرب وتدق منذ عام 1945، حتى تحقق ما يراه استسلاماً ثقافياً فرنسياً وأوروبياً في كل ميدان، ثم يضيف : وبأسم ( الجديد ,, الجديد دائماً ) تستورد آخر التقليعات الثقافية الأمريكية(18).

ولن يكون باستطاعة البلدان النامية مواجهة ذلك الاقتحام الإعلامي بالأساليب التقليدية كالمنع أو التشويش . كما أن وكالات الأنباء الدولية تمارس عدواناً ثقافياً ضد البلدان النامية(19). إذ إن الغزو الثقافي يرمي إلى تسطيح الوعي، بالسيطرة على الاختراق وتكريس نمط في الاستهلاك يخرب الادخار ويعوق التنمية في البلدان المسماة بالنامية(20).

فلم تعد وسائل الإعلام مجرد مؤسسات لجمع الأخبار وإيصالها إلى القارئ والمستمع، بل تجاوزت هذه المرحلة التقليدية، واتضح أحياناً أنها مشاركة في صنع الأحداث(21).

إن وكالات الأنباء الدولية كانت رأس الحربة في الصراعات الفكرية الحادة بين الدول(22). وهناك دول وقفت أمام التحديات تدفع عنها خطر التدفق الإعلامي غير المتوازن لتحول دون تأثر أجيالها بمضمون ما تشيعه وسائل خارجية من عادات سيئة لدى الناشئة، ومنها موقف الحكومة الكندية التي أعلنت على لسان وزير التربية لديها من أنها ضد غزو بعض البرامج والمسلسلات التلفازية والسينمائية الآتية عبر الحدود من الولايات المتحدة ( مخدرات .. جرائم … ) المخالفة لثقافتها الوطنية وموقف فرنسا الصلب أمام بعض ما ورد في أتفاق ( الغات) من بنود تتعلق بتسهيل إدخال بعض البرامج المتعلقة بالتقنيات السمعية البصرية ( أغان، أفلام … ) التي تروجها الولايات المتحدة في السوق الفرنسية(23).

--------------------------
المصادر:
( ) د. بيداء محمود أحمد ، م . س . ذ ، ص 66 .
( ) Herbert . Schiller, Communication and Cultural Domintion ( New York : international Arts and Science Press, 1976) , pp. 3 – 5 .
( ) محمد خضير ، الإعلام العربي والتحديات التقنية ، م . س . ذ ، ص 44 .
( ) للمزيد ، تقرير التنمية البشرية لعام 2004 التابع للأمم المتحدة ، ص 15 ـ 18 .
( ) للمزيد ، انظر تقرير التنمية البشرية لعام 2004 التابع للأمم المتحدة ، ص 15 ـ18 .
( ) د. عزيز الحاج، الغزو الثقافي ومقاومته ( بيروت ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، 1983) ، ص 20 .
( ) حسن صعب، إعجاز التواصل الحضاري ، م . س . ذ ، ص171 .
( ) مي العبد الله سنو، العرب في مواجهة تطور تكنولوجيا الإعلام والاتصال ( بيروت ، مجلة المستقبل العربي، العدد 230 ، 4/1998) ، ص 32.
( ) مجموعة باحثين، العولمة ، الطوفان أم الإنقاذ ؟ ، م . س . ذ ، ص 496 .
( ) هيرفيه بورج، إساءة استعمال الإعلام ، م . س . ذ ، ص 54 .
( ) عزيز الحاج، الغزو الثقافي ومقاومته ، م . س . ذ ، ص 22 ـ28 .
( ) محمد عابد الجابري، المسألة الثقافية ، سلسلة الثقافة القومية ، 25 ، قضايا الفكر العربي ، ( بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1994) ، ص171 .
( ) فارس أشتي ، الإعلام العالمي ، مؤسساته ، طريقة عمله وقضاياه ، ( بيروت ، دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع ، ط1 ، 1996) ، صفحات متفرقة.
( ) عبد الرزاق الدليمي ، الإعلام والعولمة ، م . س . ذ ، ص 21.
( ) غوران هدبرو ، الاتصال ، م . س . ذ، ص78 .
( ) عبد الرزاق الدليمي ، إشكاليات الإعلام والاتصال ، م . س . ذ ، ص48 .
( ) ماكبرايد ، أصوات متعددة ، م . س .ذ ، ص 97 .
( ) Chalkley, Alan : Redio and Television in Asia “ Heinemann” . London , 1987 . pp. 93-94.
( ) الدكتور عزيز الحاج ، الغزو الثقافي ومقاومته ، م . س . ذ، ص22 .
( ) هيرفيه بورج ، إنهاء السيطرة الاستعمارية على الإعلام ، م . س . ذ ، صفحات متفرقة .
( ) محمد عابد الجابري ، المسألة الثقافية ، م . س . ذ ، ص 193 .
( ) محمد بن عبد الرحمن الخصيف ، كيف تؤثر وسائل الإعلام ؟ دراسة في النظريات والأساليب ، ( الرياض، مكتبة العبيكان ، 1994 ) ، ص 66 .
( ) Leonard R. Sussman , “ Mass News Media and The Third World Chllenge” : Dante B,Fascell, 1979, Op.Cit . p. 105.
( ) العرب والإعلام الفضائي ، م . س . ذ ، ص 53.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0