يقول الله سبحانه تعالى في محكم كتابه الكريم:

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[1].

جرى البحث في اتجاه مسؤوليات مؤسسات المجتمع المدني أو الإنساني أو الإيماني، وقد تبين أنها تارة تلاحظ مسؤوليتها تجاه الأفراد، وأخرى تجاه الدولة، وثالثة تجاه المجموع من حيث المجموع، ورابعة تلاحظ مسؤولية هذه المؤسسات تجاه سائر المؤسسات، وسيتواصل البحث في العلاقات البينية لهذه المؤسسات، ووشائج الترابط بينها، وما ينبغي أن تكون عليه.

ضوابط مؤسسات المجتمع المدني:

إن لمؤسسات المجتمع المدني ضوابط ومواصفات، فإذا لم تنطبق تلك الضوابط والمواصفات على مؤسسة ما لا تكون هذه المؤسسة في عداد مؤسسات المجتمع المدني، بل قد تكون عندئذٍ مجرد مؤسسات هدامة، تهدف إلى تخريب وتحطيم المجتمع المدني، فليست كل مؤسسة متعاونة متكاتفة منظمة تصب في خدمة البلاد، أو في تقوية نسيج مؤسسات المجتمع المدني، وإنما هنالك جملة من المؤسسات أو المراكز المجتمعية تصب في الاتجاه المعاكس، بمعنى أن هدفها هو تحجيم أو تحطيم اقتصاد البلد، أو قد تهدف إلى تحريف سياسة البلد، أو ما أشبه ذلك.

عليه، فإن مؤسسات المجتمع المدني تتوزع على مجموعتين، وتنقسم إلى قسمين أو نوعين مبدئياً: الأول: هي المؤسسات التي تسعى إلى تحقيق الأهداف العليا للمجتمع المدني، وهي بناء المجتمع فكرياً وثقافياً وخدمة أبنائه، وأن تكون سداً منيعاً بوجه الطغاة، والنوع الثاني: هي المؤسسات التي تصب أهدافها في الاتجاه المقابل تماماً، أي إنها تهدف إلى تخريب المجتمع بدل بنائه، وتسعى لكي تحطمه وتنسف أُسسه، وبدلاً من أن تسعى لترتقي بالخدمات في البلد نجد أن منهجيتها هي تحطيم البنى التحتية، التي تكفل الخدمات المنوّعة للناس، من كهرباء وماء وصحة وتعليم وغير ذلك، إن شئت فقل: إنها في الواقع بمثابة عصابات تدافع عن الظالم، وتدافع عن الجائر، وتتبنى منهجية تحطيم الكفاءات والخدمات والمؤسسات الدستورية.

وهذا الفرق بين النوعين من المؤسسات لابد أن يلاحظ في علاقة هذه الجماعة بغيرها من الجماعات، وبمؤسسات المجتمع المدني الأخرى، أو ما ينبغي أن تكون عليه هذه العلاقة في مبحث اتجاهات المسؤولية فيها.

ويتبين من الآية الشريفة التي بدأ بها البحث، (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) أن في مقابل المؤمنين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، يكون الظالمون الفاعلون للمنكر والتاركون للمعروف، وكافة المؤسسات ذات الأهداف السلبية، أو ذات الأجندة الخارجية، كما أنَّ في مقابل (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ) يكون و(الكافرون والكافرات) فهذه مجاميع أربعة.

ولنا في هذا الحقل آيتان كريمتان أُخريان:

الآية الأولى: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)[2]، فكما أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فكذلك الظالمون والطغاة والجبابرة وعملاء الاستعمار وأنصار الظلمة ووعاظ السلاطين- هؤلاء أيضاً- بعضهم أولياء بعض (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)، فكما أن المجتمع الإيماني متماسك، ويجب أن يكون متماسكاً، وينصر بعضهم بعضاً، فكذلك وعاظ السلاطين، وأنصار الظلمة والجائرين، ولعل القضية هي بنحو (اقتضاء طبيعة الشيء) فإن (شبيه الشيء منجذب إليه) و(الطيور على أشكالها تقع).

والآية الكريمة الأخرى هي قوله تعالیٰ: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ[3])، واللطيف الملاحظ في آية البحث إنها تقول: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[4])، أما في الآية المقابلة فتقول: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، فهناك اختلاف دقيق في التعبير، ربما نتطرق له في المستقبل.

وعلى أي حال، فالمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، وهم يأمرون بالمنكر بدلاً أن يأمروا بالمعروف، كما نشاهد ذلك في أولئك الناس الذين يشجعون الآخرين على مشاهدة الفضائيات الفاسدة، أو على مشاهدة بعض الأفلام أو الأقراص (السيديات) المنحلة، أو يشجعون زملائهم على قليلا من المواد المخدرة، بزعمه أنها غير مؤثرة، ولا ضرر في تعاطي القليل من المخدرات، بل يخدعه بالقول إنها تدخله إلى عالم ثانٍ مثالي بعيداً عن قساوة الحياة وصعوباتها!

وهكذا يجره شيئاً فشيئاً الى الإدمان بتعاطيها، أو يشجعه على قليل من الخمرة - والعياذ بالله- أو بالذهاب إلى السينما لمشاهدة بعض الأفلام البذيئة أو التنزه على الشواطئ الموبوءة أخلاقياً بحجة إننا سنكون بعداء عن ذلك الجو! لكن هذه مصيدة الشيطان وأية مصيدة!

وفي الرواية (أن المعاصي بعضها آخذ بعنق) مثل حلقات السلسلة: (حتى تورد الإنسان جهنم) والعياذ بالله (والطاعات بعضها آخذ بعنق بعض) مثل حلقات السلسلة (حتى تدخل الإنسان إلى الجنة).

وهذه حقيقة اجتماعية سجّلها القرآن الكريم بقوله (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ،، لذا نرى بعض الناس إذا علم أن صاحبه يريد أن يتبرع إلى حسينية أو مسجد أو أيتام، أو إلى غيره، فإنه يثبّطه بعذر أو آخر، وهذا هو الغريب، إنه يبخل حتى من جيب غيره، فهم ينهون عن المعروف (ويقبضون أيديهم عن الخير) يعني عن كل عمل خيري، فتراه محجماً عنه، أو عن أي نشاط خيري تعرضه عليه، (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ، كأن الله ليس موجوداً، فتجده يتعامل وكأن هذا الكون ليس له إله وخالق ومحاسب ومعاقب ومثيب، ومن يحاكم العباد في الدنيا والآخرة، (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ،، يعني أنه تبارك وتعالى قد تعامل معهم تعامل مَنْ ينسى الآخر، فإن الله سبحانه وتعالى لا ينسى- كما هو واضح- لكن مثل هذه الصفات عندما تطلق على الله عزّ وجل فالمراد بها نتائجها، بمعنى قد تعامل معهم تعامل الناسي مع المنسي، بمعنى إنه يهمله عن دائرة الثواب والأجر والعطاء ولا يهتم به.

(إن المنافقين هم الفاسقون) بمعنى:هم الخارجون عن دائرة الدين، فإن (فَسَقَ) تعني خرج، إن المنافقين هم الفاسقون الخارجون عن دائرة الإيمان، وعن دائرة التقوى، وعن دائرة الخير والفضيلة والأخلاق الفاضلة، وعن دائرة المجتمع الإيماني والمجتمع الإنساني.

الأعداء الأربعة للمجتمع المدني:

في هذا الحقل سنبحث عن أربعة أنماط من الظالمين والمنافقين، الذين خرجوا عن دائرة أهداف مؤسسات المجتمع، بل كانوا ألدّ أعدائه، وهؤلاء هم هادمو أعمدة المجتمع المدني والإنساني والإيماني، وعلى ضوء هذه النظرة ينبغي أن تتعامل سائر الجماعات معهم.

1- أعداء الاقتصاد الوطني:

النمط الأول من أعداء المجتمع المدني ومن الظالمين ومن المنافقين: هم أولئك الذين يستهدفون (الاقتصاد الوطني)، ذلك إن هنالك منظمات وأحزاباً وشركات تؤسس في بلادنا هدفها تحطيم الاقتصاد، تارة عن طريق التشريع في البرلمان بالتخطيط لكي تشرّع قوانين تضر باقتصاد الوطن، ولكن بأسلوب ذكي، حيث يطرح القانون بعد القيام بعملية (مكيجة) لهذا القانون، لكي يتصوره الناس شيئاً إيجابياً.

وهنالك مستشارون يأتون إلى بلادنا، وشركات أهلية أيضاً تتجسس على الأخبار الاقتصادية للبلد، فهذه المؤسسة التي قد تكون مؤسسة دولية ظاهرها محترم، بل ظاهرها إنساني، تمد أفرعاً إلى بلادنا، وتبدأ النشاط والحركة، لكن لها في الواقع أهداف مبيتة.

وأذكر هنا مثالاً مبسطاً، لكنه شديد الدلالة، وعلى ذلك فقس ما سواها التي هي بالألوف.

فالسيد الوالد (رحمة الله تعالى عليه) ينقل أن أحد الموظفين الذين كانوا يعملون في قسم (التلكس والتلغراف) قبل نصف قرن أو أكثر أو أقل جاء إلى أحد العلماء، وقال له: إني ارتكبت جريمة، أتصور أن الله سبحانه لا يغفرها لي، فهل من توبة؟ قال له العالم: إن الله سبحانه وتعالى يتوب عن كل ذنب، قال لكن ذنبي عظيم جداً، قال له: وما ذنبك؟ قال: إنني في الواقع من حيث لا أدري ساهمت مساهمة كبرى في تحطيم اقتصاد البلد، بخدعة خدعت بها، ولم أكن أعلم حجم التأثيرات السلبية لذلك.

يقول: كنت موظفاً في مركز التلكس الرئيسي في العاصمة، وكانت مهمتي أن أتلقى الرسائل البرقية (التلكسات والتلغرافات) التي تأتي من الخارج، أو تنطلق من الداخل، وأوصلها إلى أصحابها، من أشخاص أو شركات أو جهات في الداخل أو في الخارج.

وذات يوم، جاءني أحد اليهود وقال لي: سوف أعطيك مبلغاً كبيراً من المال - وكان بأضعاف مرتبي شهرياً- وقال: إن طلبي منك في مقابل ذلك لا يضر بأحد، وهو أنه عندما تستلم (التلغرافات) التجارية، من الداخل أو الخارج، فاعرضها عليّ قبل أن توصلها إلى أصحابها، ثم أوصلها إلى أصحابها بعد أربع وعشرين ساعة فقط.

فمثلاً عندما يأتي (تلغراف) بأن فلان دولة أو شركة لتصنيع السيارات قد وافقت على إرسال مائة ألف سيارة لهذا البلد، ولتلك الجهة المستوردة، وإن هذه السيارات ستدخل بعد شهر، فعليك أن تطلعني على مضمون (التلغرافات) التي تتضمن المعلومات المختلفة الاقتصادية، قبل أن توصلها إلى أصحابها بأربع وعشرين ساعة، يقول الموظف: عرفت أن في الأمر حيلة ما، لكني رأيت أن لا ضرر في ذلك! إذ لا يستلزم قتلاً، ولا سفك دم، ولا سرقة، لكنه مجرد خيانة في التوقيت، فبدلاً أن أوصل الخبر لأصحابه في نفس اللحظة أتعمّد تأخيره لأربع وعشرين ساعة، وكنت أحصل إزاء ذلك على مبلغ كبير أعمى عيني عن حجم الخيانة.

يقول الموظف: بعد قرابة العشر سنوات اكتشفت حجم الدمار الذي ألحقته بالمسلمين، وبتجار المسلمين، وموالي أهل البيت (عليهم الصلاة وأزكى السلام)، وكيف أني قد حطمت اقتصاد البلد؛ لأنه قد تبين أن ذلك اليهودي- والمجموعة التي كانت تقف وراءه- عندما كانت الأخبار تصله، من (التلكسات) و(التلغرافات) عن مختلف التعاملات التجارية والاقتصادية كان يوصلها للجهات اليهودية المعنية، مثلاً: لتجار الأقمشة أو المواد الغذائية أو لتجار الخشب أو المطاط، أو لشركات السيارات اليهودية.. وغيرها.

فمثلاً: كان مقرراً أن تصل شحنة من الحنطة بمقدار كذا مليون طن، مما سيعني انخفاض الأسعار لكن (التلكس) جاء بأنها سوف لن تصل لعلةٍ أو أخرى، مما يعني إن الأسعار سترتفع لو انتشر الخبر، فكان هذا اليهودي عندما كانت تصله الأخبار يتعامل مع الحدث بسرعة، فيشتري -أو من خلفه- أكثر كميات الحنطة الموجودة في السوق بسعر معتدل، ثم بعد انتشار الخبر وارتفاع الأسعار يبيعها فيربح ويربح جماعته أرباحاً كثيرة، ويكبّد المسلمين خسائر كثيرة.

مثال آخر: عندما يأتي الخبر بأنه بعد ثلاثة أسابيع، ستصل شحنة كبيرة من السيارات، مما يعني إن سعر السيارات سينخفض طبيعياً بسبب الوفرة في العرض، فكان يخبر الجهة اليهودية فوراً، التي تملك معارض سيارات من ذلك النوع، لكي تبادر وتسارع لبيع السيارات التي لديها بالسعر المرتفع الحالي؛ لأن الناس لا يعلمون، أنَّ السيارات ستصل، وحتى الجهة المعنية لا تعلم بذلك، وفي خلال يوم واحد يبيع ما يستطيع أن يبيعه بالجملة والمفرد، فيربح الكثير، والعكس بالعكس عندما يأتي الخبر بأنه شحنة معينة قد تأجلت أو تأخرت مثلاً، فإنه يعني قلة العرض وشدة الطلب والحاجة للسيارات، فكلما مضى الزمن فإن سعر السيارة يزداد؛ لأن الطلب عليها كبير، والعرض قليل، فكان يؤخر عملية بيع السيارات، بل بالعكس كان يشتري منها في هذه الأربع وعشرين ساعة بالسعر الحالي الطبيعي، ثم بعد ذلك يبيع بسعر مرتفع، وهكذا كان يربح الجالية اليهودية من الجهتين.

2 - أعداء النسيج الاجتماعي:

النمط الثاني من أعداء المجتمع المدني: هم مخربو البنية التحتية للمجتمع المدني، وهم أولئك العلماء أو الأذناب الذين يعملون في البعد الاجتماعي والإداري وما أشبه ذلك، فإن بعض الشركات الاستشارية هي ذات ارتباط بالجهات الأجنبية، ومن الطبيعي أن يطلع المستشار على الوضع كله، وما أكثر المستشارين في بلادنا، فإن من المتعارف أن تقوم الشركات والمصانع المحلية بالاتصال بالشركات العالمية أو المحلية لترشح لها مستشاراً –بطبيعة الحال- فيطلع على كل ما يتعلق بأوضاع الشركات أو المصانع أو غيرها، وبالتالي تكون كل أخبار البلاد بأيديهم-أي الجماعات الدولية– من خلال المستشارين.

والشيء نفسه يجري في مراكز التدريب والتأهيل، فقد اطلعت على تقارير عن العديد من المؤسسات في عدد البلاد الإسلامية الخاصة بالتدريب أو التأهيل، والتي كان هدفها الظاهري هو التنمية البشرية، ولكن في الواقع كان هؤلاء -بعض أعضاء مجلس الإدارة أو المدربون أو المعلمون– مرتبطين بجهات أجنبية، كالماسونية أو الصهيونية أو غير ذلك، ولكن الهدف الظاهر كان هو تقديم خدمة بشكل برامج ودورات تدريبية في الإدارة أو الاقتصاد أو التجارة، لفترة من أسابيع إلى سنة، وعن هذا الطريق يجري استغلال الدارسين والمتدربين فيها، الذين يقدمون عادة من وزارات مختلفة في الدولة، مثل وزارة الداخلية أو الخارجية أو التجارة، كون الوزارات تتعاقد مع هذه المراكز لتدريب وتأهيل وتطوير موظفيها، وقد يكون فيهم ابن الوزير نفسه، أو معارفه أو غيرهما.

فعن هذا الطريق يمد الأساتذة إخطبوطهم إلى داخل الوزارات، على شكل علاقة بين الأستاذ والتلميذ؛ ذلك إن علاقة الأستاذ بالتلميذ تكون محترمة عادة، لكن هذا الأستاذ وفي أثناء الدرس أو قبله أو بعده أو في ضيافات ولقاءات جانبية أخرى يجلس مع التلاميذ، ويعرف مواقعهم وخصوصياتهم، ويعقد الصداقات معهم، فيطلع على نقاط ضعفهم ونقاط قوتهم، ثم يخبر الجهات المعنية، وليس بالضرورة يقوم بنفسه بعمل ما، لكن الجهات المعنية ستعرف هذا الشخص المتدرب، وما هو موقعه؟ ونقاط قوته ونقاط ضعفه، ومن أين يمكن أن تدخل إليه؟ ومن أين يمكن أن يستثمر ليصبح أداة في تلك الجهة الدولية؟ والبحث في هذا الحقل طويل والشواهد كثيرة جداً.

والذي يتتبع هذا الموضوع يجده مرعباً، فإن الاستعمار لم يستمكن في بلادنا بالشعارات فقط، ولا بالعسكر والعسكرتارية فقط، وإنما صنع واقعاً متنوعاً من هذه المؤسسات التي ظاهرها مليح، وباطنها قبيح، وهو عمل المنافق الذي يتظاهر بالطيبة والوداعة والمحبة، وبحب الوطن والشعب، وفي الواقع ليس إلا (كالحية ليِّن مسها وفي جوفها السام الناقع) حيث يحمل أهدافاً وأجندة خارجية.

3- أعداء الفكر والدين:

النمط الثالث من مخربي النسيج الاجتماعي والبنية التحتية لمؤسسات المجتمع المدني: هم أولئك الذين يستهدفون الفكر، ويحاربون الثقافة الصحيحة من خلال مراكز الدراسات أو الجامعات التي تعمل فيها هيئات تدريسية لإنتاج الفكر الهابط المنحل، ولتحطيم العقيدة والإيمان، وهي مشكلة عامة سيالة، ومنبعها الأساس من الغرب، خاصة ألمانيا وفرنسا، حيث يوجد في هاتين الدولتين نمطان من الجامعات التي تهدف لتحطيم (الدين) بقول مطلق، سواء أكان دين الإسلام أم المسيحية أم غيرهما، ذلك إن النمط الألماني يحاول أن يخرب الدين من الخارج، بينما النمط الفرنسي الذي يتجسد أساساً في جامعة السوربون، فإنه يحاول أن يحطم الدين من الداخل.

ويظهر للمتتبع أن هذه الجامعات لها دور أساس في نشر الحالة اللادينية، والفكر المضاد للدين، بعناوين وأساليب مختلفة، فإن كثيراً من الأفكار الهدامة المعادية للأديان، بشكل عام، ولدين الإسلام بشكل خاص، قد انطلقت إما من فرنسا أو ألمانيا من خلال جامعات متخصصة في هذا الشأن، لكن كثيراً من أساتذة جامعة السوربون متلبسين بلباس المنافقين، يحاولون إثارة الشبهات والتشكيكات، ويشهد على ذلك بعض أبرز الكتاب في العالم الإسلامي- وبدون ذكر التسميات- حيث إن كتاباتهم كلها سم ناقع، لكن بطريقة دينية وباستخدام بعض مفردات الدين لضرب الدين، وهم خريجو جامعة السوربون.[5]

والطريقة الألمانية، هي طريقة أخرى، إذ تحاول أن تهدم من خارج الدين؛ إذ تهاجم الدين بصراحة ومن موقع العدو، لا من موقع المتظاهر بنوع من التدين أو الفكر الديني بإثارة الشبهات، وهي صنعة يهودية أساساً، وقد وردت في (بروتوكولات) حكماء صهيون، حيث جاء فيها وفي غيرها ما مضمونه: بأننا نحن اليهود، عندنا تخصص فريد تميزنا به، وهو إننا نلتقط الباطل وكل فكرة ضالة ومنحرفة أو حتّى خطيرة، ثم نزيّنها ونجمّلها ونصنع لها نظرية برّاقة لتسويقها، وذلك كنظرية داروين مثلاً، التي تقول: إنَّ أصل الإنسان هو قرد، وقد تطور تطوراً طبيعياً، والهدف غير المعلن هو توجيه ضربة قاضية للأديان، وللأخلاق أيضاً؛ إذ أليس القرد حراً في أن يفعل ما يشاء!

يقول هذا النص: نحن اليهود قد تخصصنا باقتناص الفكرة الباطلة، كـ(الشذوذ الجنسي) وكل ما هو ضد الدين والأخلاق، ومن خلال المفكرين والإعلاميين نخترع ونبتكر لها نظرية محببة، ثم نسوّقها على مستوى عالمي، فهذا تخصصهم، وهذا مبحث واسع، والأمثلة عليه بالعشرات، بل بالألوف، فتخصصهم هو أن يطرحوا الفكرة الزائفة، كـ(العلمانية) وكأنها قمة الحضارة، وأن يطرحوا الفساد وكأنه قمة الحرية الإنسانية! وأن يطرحوا الشبهات والتشكيكات وكأنها قمة العقل والذكاء!

إن مسؤولية مؤسسات المجتمع المدني والإيماني أو الإنساني تجاه هذه المؤسسات التخريبية هي مسؤولية أساسية، وعليها أن تتمتع بدقة بالغة، وبرصد حقيقي لهذه الحركات، وأن تتميز بتخطيط مركب في مواجهتها، وللموضوع صلة في المباحث القادمة إن شاء الله.

الموقف الشرعي من أعداء المجتمع:

في رواية يقول الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): (إياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم، وتباعدوا من ساحتهم)[6]، وذلك أعم من أن يكون في الجانب الاجتماعي أو الأخلاقي، أو الاقتصادي أو غيرها فتلك الشركة أو تلك المؤسسة، التي تمتهن التدليس والاحتكار، وذلك المرابي والمحتكر، وكل عاصٍ وفاسق وفاجر، فلا تصاحبهم ولا تصادقهم، وتباعد عن ساحتهم؛ لأن مثل هذه الصداقات هي التي تفتتن الإنسان عن دينه.

وفي رواية ثانية عن الجعفري، قال سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول لأبي: (ما لي رأيتك عند عبد الرحمن بن يعقوب؟ قال: إنه خالي، فقال له: (عليه السلام) إنه يقول في الله قولاً عظيماً، يصف الله تعالى ويحدّه، والله لا يوصف، فإما جلست معه وتركتنا، وإما جلست معنا وتركته) فقال: إنه يقول ما شاء، أي شيء علي منه إذا لم أقل ما يقول؟ فقال له أبو الحسن:(عليه السلام) (أما تخافن أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعاً)[7]، فلاحظوا قوله (عليه السلام) يصف الله تعالیٰ ويحدّه، والله لا يوصف، وذلك يعني أن هذا الإنسان منحرف عقائدياً أو عقدياً، فهو يصف الله الذي لا يوصف سبحانه وتعالى، فإما (جلست معه وتركتنا وإما جلست معنا وتركته).

وكما بالنسبة للأفراد كذلك بالنسبة للجماعات، وبالنسبة لمراكز الدراسات الضالة والمضلة والمنحرفة، والجامعات والهيئات التدريسية، فيجب الحذر منها والابتعاد عنها، إلا لمن يمتلك الحصانة الكافية والتخطيط والمقدرة على التأثير والتغيير (أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعاً)، لأن بلاء الله إذا نزل لا يفرق بينه وبينك ما دمتم متجاورين، ولو ظاهرياً، والرواية لها تتمة[8]، جديرة بالملاحظة والتأمل.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين،

وصلاة الله على محمد وآله الطاهرين.

* فصل من كتاب "معالم المجتمع المدني" في الفكر الإسلامي
والكتاب سلسلة محاضرات ألقيت في الحوزة العلمية الزينبية
http://m-alshirazi.com
http://annabaa.org/writer10-

...............................
[1] سورة التوبة، الآیة ۷١.
[2] سورة الجاثیة، الآیة ١۹.
[3] سورة التوبة، الآیة ٦۷.
[4] سورة التوبة الآیة ۷١.
[5] للمؤلف بعض الكتب حول بعض تلك الأفكار، ومنها كتاب (نقد الهرمنيوطيقا ونسبية النصوص والمعرفة والحقيقة)، وكتاب (نسبية النصوص والمعرفة.. الممكن والممتنع).
[6] الکافي ۸،١۴. والوسائل ١۷،١۷۷. عن ابي حمزة، عن الإمام السجاد (عليه السلام).
[7] الكافي، 2،.374 وأمالي المفيد.112 والرواية عن أبي القاسم جعفر بن محمد، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي قال: (حدثني بكر بن صالح الرازي، عن سليمان بن جعفر الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن(عليه السلام) يقول لأبي: ما لي رأيتك عند عبد الرحمن بن يعقوب، قال: إنه خالي، فقال له أبو الحسن(عليه السلام) إنه يقول في الله قولاً عظيماً، يصف الله تعالى ويحده، والله لا يوصف، فإما جلست معه وتركتنا، و إما جلست معنا وتركته.فقال: إنه هو يقول ما شاء، أي شيء علي منه إذا لم أقل ما يقول، فقال له أبو الحسن(عليه السلام): أما تخافن أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعاً.)
[8] (أما علمت بالذي كان من أصحاب موسى (عليه السلام) وكان أبوه من أصحاب فرعون، فلما لحقت خيل فرعون موسى(عليه السلام) تخلف عنه ليعظه، وأدركه موسى (عليه السلام) وأبوه رأى غمه حتى بلغا طرف البحر فغرقا جميعاً، فأتى موسى (عليه السلام) الخبر، فسأل جبرئيل عن حاله، فقال له: غرق رحمه الله ولم يكن على رأي أبيه، لكن النقمة إذا نزلت لم يكن لها عمن قارب المذنب دفاع.)

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0