بقلم: الدكتورة معزة مصطفى أحمد فضل السيد-باحثة من السودان

شهد الإعلام الرقمي تحدّيات مهمّة استوعبتها الحضارة الإنسانية، ووظّفت وسائله لمواكبة تطوّر التكنولوجيا الحديثة في إحداث تحوّلات نوعية جديدة من المضامين، تجذب انتباه المتلقي. ويعتبر الإعلام الرقمي في الزمن الراهن محرّكًا أساسيًّا للحضارة، كما يعتبر النسق السريع الذي يميّز التطوّرات والتحوّلات التكنولوجية، وما شهده هذا القطاع مثَّل عنصرًا فعّالًا في تنشيط المبادلات الإنسانية والحضارية على اختلاف مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية والعلمية تؤسّس وتمهّد لمستقبل جديد ومغاير لحركة الحضارة الإنسانية في إطار ما أصبح يصطلح على تسميته بالقرية الكونية (Global village).

إن الإعلام الرقمي ووسائل الاتصالات أصبحا أداة لنشر الثقافة المعلوماتية، واتّساع مجالات تطبيقاتها، وظهور ملامح النشاطات الحديثة وانعكاس آثارها على حركة الواقع الإنساني انعكاسًا مهمًّا وبارزًا أسهم في نشر الثقافة الرقمية بسرعة، ممّا جعل البعض يعتقدون أنه قام بتحويل الحضارات الإنسانية من قارات كبيرة متباعدة، إلى بلدة صغيرة يتعرّف مواطنيها إلى بعضهم بمختلف الوسائل الحديثة بفترة زمنية قصيرة.

أما البعض الآخر فيعتقد أن التغيّر حدث في سهولة تلقّي المعلومة والتعرّف إلى الآخرين، أما فاعلية التغيّر، ما زالت قيد البحث، حيث يرى هذا الفريق أن العالم ما زال يعتمد بصورة أساسية على ثقافاته المحلية، وأن كثيرًا من المجتمعات رغم حداثتها الظاهرية ما زالت مجتمعات تقليدية تتبع مناهج أسلافها.

إن ارتفاع مستوى الوعي بالإعلام الرقمي، ووفرة الكوادر البشرية العاملة والمؤهَّلة في مجاله، وتطويره للتطبيقات المعلوماتية عبر استخدامات الحواسيب وشبكات المعلومات والاتصالات ونشرها، يعتبر من أهم المؤشّرات على تحوُّل أشكال الإعلام الرقمي.

أما الحضارات وما لها من تواصل وتفاعل وحوار وصراع وصدام، فهو موضوع شغل الكثير من المهتمين والباحثين في مختلف المجالات، وهو موضوع قديم مستحدث، لا يلبث أن يسيطر الاهتمام عليه، عند كل تغييرات تحدث في العالم، أو في المستويات الإقليمية. فالإنسان هو نتاج حوار أو صراع، وأحوال العالم هي التي تحدث نتيجة لهذه الحوارات أو الصراع.

وبما أن أهم التغيّرات التي حدثت على المستوى العالمي في مجال الإعلام، هو سيطرة الإعلام الرقمي وهيمنته من بين وسائل الإعلام، فمنذ بداية العام 2016م أصبح الإعلام الرقمي هو الوسيلة الأكثر استخدامًا بين شعوب العالم.

هذا الواقع هو ما حفّز الباحث لدراسة ما يمكن أن يُحدثه الإعلام الرقمي من انعكاسات على التعارف بين الحضارات، وذلك لريادته بين وسائل الإعلام، ولما أحدثته من تغيّرات في سهولة وسرعة وقلة تكلفة تناقل المعلومة، بالإضافة إلى تأثيراته في النموذج الإعلامي، حيث أصبح من السهولة واليسر لكل متفاعل ومتعامل مع الإعلام الرقمي أن يصبح مرسل للرسالة الإعلامية.

لذا تهتم هذه الدراسة ببحث وتقصِّي ودراسة الانعكاسات الحالية والمتوقَّعة للإعلام الرقمي على طبيعة التواصل بين الحضارات، متّخذة من مفهوم التعارف بين الحضارات أحد هذه الصور التي يفترض نظريًّا أن يكون الإعلام الرقمي ساهم في تعزيزها.

وسيؤكّد هذا البحث أو ينفي هذه الفرضية الأساسية التي بنت عليها الباحثة فكرتها.

مشكلة البحث

يشهد العالم اليوم تغييرات متسارعة أثّرت في كافة جوانب الحياة، وتقود هذه التغييرات وسائل الإعلام والاتصال لتشكيل عقل جديد مختلف معرفيًّا ووجدانيًّا وسلوكيًّا عن الأجيال السابقة، بل يكاد يكون إنسان اليوم في مواجهة الآلة الإعلامية الضخمة، الإعلام الرقمي ووسائله المستخدمة في بثّ الرسالة الإعلامية، له انعكاساته في التقارب والتباعد بين الشعوب، يمكن إن يسهم بفاعلية -إذا استخدم بطريقيه إيجابية– في مساعدة الشعوب من الاستفادة القصوى من الإمكانات المتاحة على التعارف بين الحضارات. حيث إن مفهوم التعارف بين الحضارات هو المفهوم الذي حاولت المجتمعات الدولية تبنّيه كمفهوم بديل لصدام الحضارات وصراعها.

لذا تتمثّل مشكلة البحث في الحلّ الفكري الذي جاهد فيه الكثيرون في بحث السبل التي تساعد على حوار الحضارات والتعارف بينها لعظم الحاجة إليها لمستقبل البشرية.

وبما أن الإعلام الرقمي أصبح هو الأكثر استخدامًا في وسائل الإعلام المختلفة، لذا يتبنّى البحث سؤال رئيس يحاول الإجابة عنه والمتمثّل في: ما هي انعكاسات الإعلام الرقمي على التعارف بين الحضارات؟ هل هي انعكاسات إيجابية أم سلبية؟

أهمية البحث

تبرز أهمية هذا البحث على النحو الآتي:

1- تسليط الضوء على فاعلية الإعلام الرقمي وانعكاساته على التعارف بين الحضارات.

2- مواكبة الإعلام الرقمي لمتغيّرات العصر الحضاري بشكل يسهل التعارف الإنساني.

3- أهمية تطوير العنصر البشري العامل في وسائل الإعلام الرقمي وتزويده بالتدريب المستمر والتعليم، وحصوله على مختلف أنواع المعرفة الرقمية إيمانًا بأن العلم ما زال السر الكامن وراء تقدّم وتطوّر ونمو الأمم ونشوء حضاراتها الإنسانية.

4- إعطاء صورة للمؤثّرات الجديدة الناتجة من الإعلام الرقمي وما تحدثه من تغييرات على مستوى العلاقات الدولية.

5- الخروج بنتائج تثري الجانب الفكري في كلٍّ من الإعلام الرقمي والتعارف بين الحضارات.

6- إبراز الجانب القيمي في الديانات السماوية الرامية إلى التعارف بين الحضارات.

أهداف البحث

هدف البحث إلى تحقيق الآتي:

1. التعرّف إلى وسائل الإعلام الرقمي.

2. التعرّف إلى الرسائل المتوخّاة من الإعلام الرقمي.

3. التعرّف إلى السلبيات الناتجة من انتشار الإعلام الرقمي.

4. التعرّف إلى مفهوم التعارف بين الحضارات.

5. معرفة مرتكزات التعارف بين الحضارات.

6. معرفة التحديات التي تحدّ من التعارف بين الحضارات.

7. بيان العلاقة بين الإعلام الرقمي والتعارف بين الحضارات.

8. معرفة انعكاسات الإعلام الرقمي على التعارف بين الحضارات.

9. استقراء مستقبل انعكاسات الإعلام الرقمي على التعارف بين الحضارات، بقراءة الفرص والمهدّدات.

10. محاولة بناء استراتيجية لقناة إعلامية رقمية تكون نموذج تساعد المجتمعات الإنسانية في التحرّك قُدمًا نحو التعارف بين الحضارات.

تساؤلات البحث

يجيب البحث عن تساؤل رئيس مفاده: ما انعكاسات الإعلام الرقمي على التعارف بين الحضارات، وللإجابة عن هذا السؤال تمّ اقتراح الأسئلة التالية:

1- ما الإعلام الرقمي؟

2- ما هي وسائل الإعلام الرقمي، والرسائل المتوخّاة منه؟ وما يؤخذ عليه؟

3- ما التعارف بين الحضارات؟

4- ما مرتكزات التعارف بين الحضارات؟

5- ما تحديات التعارف بين الحضارات؟

6- ما العلاقة بين الإعلام الرقمي والتعارف بين الحضارات؟

7- ما انعكاسات الإعلام الرقمي على التعارف بين الحضارات؟

8- ما مستقبل انعكاسات الإعلام الرقمي على التعارف بين الحضارات؟

9- ما مستقبل انعكاسات التعارف بين الحضارات والإعلام الرقمي ومحتواه؟

منهج البحث

يعتمد البحث على المنهج الوصفى التحليلي لمسح عيّنة من خبراء الإعلام الرقمي.

مجتمع البحث (الإطار المكاني والزماني)

تناول البحث العديد من مجتمع خبراء الإعلام والمختصّين فيه في السودان وقطر، حيث اهتمّت الباحثة بالمجتمع الداخلي بكل، من العاملين في مؤسسات الإعلام، والأساتذة الجامعيين، والعاملين في المراكز البحثية. كما شمل البحث مجتمع خبراء الإعلام والمختصّين العاملين في شبكة الجزيرة الإخبارية.

أدوات جمع المعلومات

الأدوات الثانوية: تعتمد هذه الدراسة على بعض الأدوات البحثية المتمثّلة في جمع المعلومات والبيانات وهي المراجع العلمية، والدراسات المختصّة، من كتب ومراجع ومعاجم ودوريات ومجلات ورسائل علمية ومقابلات.

الأدوات الأولية: اعتمد الباحث على الأدوات الأولية التالية:

أ- الاستبانة: وهي استُخدمت كأداة رئيسة لاستقصاء الرأي الجمعي لعيّنة من الخبراء والمختصّين في الإعلام.

ب- المقابلة: حيث أجرت الباحثة مقابلات مع خبراء الإعلام والمختصّين العاملين في شبكة الجزيرة الإخبارية.

مصطلحات البحث

1- الإعلام الرقمي

لغة: الإعلام في اللغة: علم وفقه أي تعلّم وتفقّه، وتعالمه الجميع أي علموه، ويقال: استعلم لي خير فلان وأعلمنيه إياه. وقوله عز وجل: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}[1].

وعَلِمه كسَمِعه علمًا: عرفه، وعَلِمَ هو نفسه، ورجل عالم وعليم جمعها علماء وعلام كجهال، وعلمَّه العلم وتعليمًا وعِلامًا وأعلمه إياه فتعلمه[2].

أما الرقمي لغة، فمصدره رقم؛ فرقم رقمًا ورقمه، كان به رقمة[3]. أما أصل كلمة رقمية فهي ترجمة للمصطلح الإنجليزي Digital.

اصطلاحًا: الإعلام: هو كافة أوجه النشاط الاتصالية التي تستهدف تزويد الجماهير بكافة الحقائق والأخبار الصحيحة والمعلومات السليمة عند القضايا والموضوعات والمشكلات ومجريات الأمور بطريقة موضعية.

الإعلام الرقمي: هو وسائل الإعلام التي تعتمد على الحساب الآلي في إنتاج وتخزين وتوزيع المعلومات، وتقدّم ذلك بأسلوب ميسّر وبسعر منخفض، وتضيف التفاعل المباشر، وتستلزم من المتلقي انتباهًا، وتدمج وسائل الإعلام التقليدية.

إجرائيًّا: حصرت الباحثة الإعلام الرقمي في الوسائل التي اعتمدت على الإنترنت كوسيلة اتصال، وبالتالي فإن الإعلام الرقمي في هذا البحث هو الإعلام الذي يستخدم وسائل (القنوات الرقمية، الصحف الإلكترونية، المدوّنات، وسائل التواصل الاجتماعي، الإذاعات الرقمية، ومواقع القنوات الفضائية في الإنترنت).

2- التعارف بين الحضارات

لغة: التعارف: مصدر؛ تعارف القوم أي عرف بعضهم بعضًا، وهو من مادة (ع ر ف) التي تدلّ على السكون والطمأنينة، يقول ابن فارس: العين والراء والفاء أصلان صحيحان يدلّ أحدهما على تتابع الشيء متّصلًا بعضه ببعض، والآخر على السكون والطمأنينة. ومن هذا المعرفة والعرفان تقول: عرف فلان فلانًا عرفانًا ومعرفة وهذا أمر معروف وهذا يدل على ما قلناه من سكون إليه؛ لأن من أنكر شيئًا توحّش منه ونبا عنه.

أما الحضارة: في اللغة العربية فهي من الفعل «حضر» على وزن قعد، يقال: حضر الغائب حضورًا قدم من غيبته، وحضرت الصلاة فهي حاضرة، والأصل حضر وقت الصلاة، و«الحضر» بفتحتين خلاف البدو، والنسبة إليه «حضري» أقام بالحضر، و«الحضارة» بفتح الحاء وكسرها: سكون الحضر، والحضر والحضرة والحاضرة: خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف، سمّيت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار[4].

اصطلاحًا: التعارف هو أن يعرف الناس بعضهم بعضًا بحسب انتسابهم جميعًا إلى أب واحد وأم واحدة، ثم بحسب الدين والشعوب والقبائل، بحيث يكون ذلك مدعاة للشفقة والألفة والوئام لا إلى التنافر والعصبية.

أما الحضارة: فهي كل ما ينشئه الإنسان في كل ما يتّصل بمختلف جوانب نشاطه ونواحيه، عقلًا وخلقًا، مادة وروحًا، ودنيًا ودينًا[5].

إجرائيًّا: هو تجاوز مرحلة الحوار والتحاور والتواصل والاتصال، أي أن تسعى كل جماعة ثقافية لمعرفة الآخر ومعرفة حضارته، واحترامها، أي تفهُّمها وعلمها والإحساس بأهميتها.

النظريات الموجِّهة للبحث

1- الغرس الثقافي.

2- انتشار المبتكرات والمستحدثات.

الدراسات السابقة

على الرغم من قلّة البحوث والدراسات السابقة في مجال الإعلام الرقمي، إلَّا أن الباحثة قد استعانت ببعض البحوث السابقة التي كانت بمثابة مساعد في اكتساب بصيرة أبعد من مجرّد استعراض للنتائج التي تتضمّنها تلك البحوث والدراسات وأعانت على الفحص والتدقيق واكتشاف الطرق الصحيحة التي يجب أن يسلكها البحث.

ما يميز الدراسة الحالية عن الدراسات السابقة

اهتمّت الدراسة الحالية بالإعلام الرقمي الذي كان محور معظم الدراسات السابقة، وما يميّز هذه الدراسة عن الدراسات السابقة هو بيان انعكاسات الإعلام الرقمي على التعارف بين الحضارات، حيث تتميّز هذه الدراسة بأنها أول دراسة من نوعها تبيّن انعكاسات الإعلام الرقمي على التعارف بين الحضارات.

تقسيم البحث

قُسِّم البحث إلى أربعة فصول على النحو الآتي:

الفصل الأول تناول الإطار العام والدراسات السابقة، ويشمل المقدّمة، مشكلة البحث، أهميته، أهدافه، تساؤلاته، منهجه، مجتمعه، أدوات جمع المعلومات، والدراسات السابقة.

بينما اهتمَّ الفصل الثاني بالإعلام الرقمي في ثلاثة مباحث، تطرّق المبحث الأول لمفهوم الإعلام الرقمي، والمبحث الثاني لأنواع الإعلام الرقمي، والمبحث الثالث لوسائل الإعلام الرقمي.

أما الفصل الثالث فقد جاء بعنوان: الحضارات والتعارف بينها في ثلاثة مباحث: المبحث الأول تناول مفهوم الحضارة، والمبحث الثاني اهتم بصدام الحضارات والحوار بينها، والمبحث الثالث والأخير خصّص للتعارف بين الحضارات.

أما الفصل الرابع والذي اهتم بالجانب الميداني من الدراسة (الطريقة والإجراءات) فقد شمل الآتي: مجتمع الدراسة، عيّنة الدراسة، توزيع أفراد عيّنة الدراسة وفقًا لمتغيّراتها، وأداة الدراسة وأسلوب تطبيق أداة الدراسة الميدانية النهائية والأساليب الإحصائية. ثم ختم الفصل بعرض نتائج الجانب الميداني للدراسة، وشملت عرض نتائج ثماني محاور وهي: الإعلام الرقمي، التعارف بين الحضارات، مرتكزات التعارف بين الحضارات، العلاقة بين الإعلام الرقمي والتعارف بين الحضارات، انعكاسات الإعلام الرقمي على التعارف بين الحضارات، تحديات التعارف بين الحضارات، مستقبل انعكاس الإعلام الرقمي على التعارف بين الحضارات، مستقبل التعارف بين الحضارات في ظل تطوّر الإعلام الرقمي.

ثم ختم البحث بأهم النتائج والتوصيات وقائمة المصادر والمراجع والملاحق.

النتائج

1. رغم تعدّد المصطلحات والتعريفات التي حاولت أن تصف ظاهرة استخدام الإنترنت كوسيلة وأداة إعلامية، إلَّا أن هنالك شبه اتفاق على تميّز الإعلام الرقمي بخصائص حديثة ومختلفة تميّزه عن الوسائل التقليدية المكتوبة والمقروءة والمرئية، وهو يختلف أيضًا في تحرّره من قيود احتكار الجهات الإعلامية سواء كانت عامة أو خاصة.

2. يتميّز الإعلام الرقمي عن الإعلام التماثلي القديم بخاصية الحوار بين الطرفين، صاحب الرسالة ومستقبلها، ومع ذلك فإن الفواصل بين الإعلام الجديد والقديم ذابت؛ لأن القديم نفسه أعيد تكوينه وتحسينه ومراجعته ليلتقي مع الجديد في بعض جوانبه.

3. الاتصال الرقمي بمستوياته المختلفة لا يحتاج إلى تواجد أطراف عملية الاتصال في مكان واحد، ممّا وفّرت إمكانية الاتصال مهما تباعدت المسافات أو تحرّكت المسافات بين أطراف عملية الاتصال.

4. شهد قطاع الصحافة تطوّرًا مهمًّا بفضل وسائل الإعلام التفاعلي، حيث أمكن الاستفادة من السرعة من نقل المعلومات في الصحيفة الورقية إلى قّرائها عن طريق نشرات إلكترونية على شبكات الإنترنت، وهذه الطريقة ساعدت الصحافة على إرفاق الرسومات والصور والبيانات المكمّلة للنص. ومكّنت القارئ من الحصول على أشكال متميّزة لصحيفته بفضل إمكان اختيار موضوعات محدّدة بواسطة «الكلمات المفتاحية».

5. شهد العالم تطوّرات تكنولوجية في مجال البثّ الإذاعي في السنوات السابقة، حيث أصبح بإمكان المستمع أن يستمع إلى الصوت ويشاهد في الوقت نفسه على شاشة الراديو عناوين النشرة الإخبارية وأغلفة أقراص الشعراء وغيرهم التي توجد على الشاشة، كما هو شأن التلفزيون.

6. تُسهم الإذاعة المحلية بشكل أكثر إيجابية في عصر الوسائط المتعدّدة في تقديم صورة جديدة للثقافة والتراث المحلي.

7. أصبح الإنتاج والعرض والتقديم في الوسائل الإعلامية يتّسم بالتفاعلية، التي تحفّز المشاهد على المشاركة في الأداء والعمليات والحوار والاختيار، وصولًا إلى الاستجابة للأفكار والمثيرات فورًا، وذلك كما في حالة الإعلان التفاعلي، العرض التفاعلي للسلع في حالات التجارة الإلكترونية وكذلك الخدمات التفاعلية، فمن خلال النقر أو التأشير على نقاط معينة يمكن اكتشاف المزيد عن هذه المعروضات.

8. إن وسائل الإعلام الجديدة تؤدّي بجدارة مهمّة الترويج للقيم الثقافية للعولمة، ونشرها في مختلف مناطق العالم، فهي قادرة على تحقيق مساعي العولمة لتنميط ثقافة الشعوب، وقادرة على تجسيد ما يرمي إليه الإعلام الغربي عبر الفيسبوك وتويتر والواتس آب.

9. إن هنالك قوانين واحدة تدخل في تشكيل الشعوب ويشعر بوجودها طبقة من الناس أو شعب من الشعوب أو أمة من الأمم دون أن يعرف أحدهما الآخر دون أن تكون هذه القوانين ناجمة عن العقل بل تكون آتية من الحس المشترك.

10. لم يعد التعريف التاريخي الذي خلقه عصر النهضة عن الثقافة بكافٍ في إقناع المنطق الجديد، حيث اضطرت الأفكار الجديدة التي حملها إليهم علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الأجناس إلى تحديد جديد لمعنى الكلمة، للانتقال من الفكرة العفوية الموروثة إلى فكرة علمية جديدة.

11. مفهوم صراع الحضارات لا يميّز ولا يفصل بين مفهوم الثقافة ومفهوم الحضارة، فهو يرفض التمييز بينهما ويستعملها في كثير من الأحيان كمرادفين. وهذا ما جعله يقسّم العالم إلى ثماني مجموعات حضارية، وهذا التصنيف بيَّن أن الحضارة تعني بالمفهوم الهنتنغتوني هي كائنات غائية، حيوية ولكنها أيضًا كيانات مغلقة إلى حدٍّ بعيد. وهذا ما جعل هنتنغتون، يفترض أن الثقافات العالمية ستكون الباعث للانقسامات الكبرى بين الشعوب، والمصدر المسيطر والسائد للصراع الدولي.

12. نظرية صراع الحضارات هي نظرية تمّ توظيفها سياسيًّا من قبل الإعلام الغربي، خصوصًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

13. شهد الحادي والعشرون إحياء مفهوم حوار الحضارات، وتجديد العمل به في مجال العلاقات الدولية، واستخدامه في نقد وتقويض ومحاصرة مقولة صدام الحضارات، وبناء تراكمات فكرية وثقافية حوله، وفتح أوسع نقاش دولي عابر للثقافات والقوميات واللغات حوله، والتأكيد على بناء الجسور وتعزيز الحوار بين الحضارات.

14. الحالة الدولية الراهنة لا تسمح بتعارف ثقافات أو حضارات حقيقية نظرًا لاختلال ميزان القوى الدولية، بحيث لن يقود الحوار إلَّا إلى فرض نمط حضاري على الآخر.

15. تعتبر مقولة تعارف الحضارات أطروحة أطلقها المفكر الإسلامي زكي الميلاد، كرؤية مغايرة للنظرتين السابقتين، بحيث يعتبر أن الأطروحات الثلاث: صراع الحضارات، حوار الحضارات، تعارف الحضارات؛ إنما تتعدّد وتختلف بحسب اختلاف أنساقها المعرفية وتعدّدها. فكل واحدة منها لها طبيعتها النسقية المتميّزة بها، المكوّنة لعناصرها ومكوّناتها الذاتية وملامحها الكلية.

16. جاءت مواقع التواصل الاجتماعي وأصبحت الوسائل الأكثر استخدامًا بين وسائل الإعلام الرقمي عبر عيّنة الخبراء والمختصّين في الإعلام، تليها الصحف الإلكترونية ومواقع القنوات الفضائية من حيث الأهمية.

17. جاءت الرسائل الإخبارية كأهم رسالة يتوخّاها المختصّ في الإعلام من وسائل الإعلام الرقمي.

18. المجتمعات العربية الموجودة في وسائل التواصل الاجتماعي هي مجتمعات منقسمة بشكل عام، فهنالك انقسام عرقي وديني وطائفي، حيث تواجه المجتمع العربي النظرة السلبية للآخر.

19. إن وجود التنوّع الحضاري لا يحتمّ صراع الحضارات، ويعتبر من أهم مرتكزات التعارف بين الحضارات، ومن أهم الفرضيات التي تنفي مفهوم صراع الحضارات. فالتنوّع الحضاري هو واقع وجودي، أما صراع الحضارات فهو ناتج إنساني.

20. أثبتت عينة الدراسة أن صورة الحضارة الإسلامية في الإعلام الرقمي ضعيفة، فالعالم الإسلامي والعربي بشكل خاص يواجه صراعات طائفية وعرقية وثقافية مختلفة.

21. هنالك العديد من التحديات التي تعوق التعارف بين الحضارات أهمها: التشدّد في المعتقد، وتضخيم الذات الحضارية، والطغيان بالقوة السياسية والقوة المالية، وهيمنة مفهوم المصالح السياسية على العلاقات الدولية، والتعالي العرقي، واستغلال القيم الأخلاقية والدينية في الكسب السياسي والاقتصادي، ونظرية صناعة العدو الخارجي.

22. للتعارف بين الحضارات مستقبل متاح في ظل تطوّر الإعلام الرقمي، فقد كسر الإعلام الرقمي احتكار المؤسسات الإعلامية الموجّهة للمعلومة والصورة، وبالتالي أصبحت حرية الحصول على المعلومة فرصة لمزيد من التقدّم والمعرفة بالحضارات الأخرى، في ظل الانفتاح وعدم وجود قيود على تبادل المعلومات والتواصل بين الشعوب.

- رسالة دكتوراه فلسفة في علوم الاتصال

- جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، كلية الدراسات العليا، قسم علوم الاتصال

- المشرف الرئيس: الدكتور بدر الدين أحمد إبراهيم

- المشرف المعاون: الدكتور عبدالمولى موسى محمد موسى

- الصفحات: 440 من القطع الكبير

- تاريخ المناقشة: 13/ 5/ 2017م

* نشر في مجلة الكلمة-العدد ( 104 ) صيف 2019/1440

..........................................
[1] ابن منظور، لسان العرب، ب.ت: 871.
[2] الفيروز أبادي، 2004: 155.
[3] المرجع السابق، 412.
[4] ابن منظور، لسان العرب، 1418هـ: مادة: حضر.
[5] حسين مؤنس، الحضارة: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطوّرها، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1995م، ص24.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1