يعد موضوع التنشئة اليوم من المواضيع التي تحظى بأهمية كبيرة من قبل الباحثين والمختصين في مجال علم الاجتماع وعلم النفس والطب النفسي فضلا عن المجتمع والسياسة وفي مختلف دول العالم ؛ وذلك لمواكبة المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية المتسرعة ، نظراً لما يترتب على هذه أي (التنشئة) من بعد مستقبلي يتحكم في بقاء واستمرار المجتمع والنظام السياسي وتحقيق الهوية الوطنية والاندماج والاستقرار من عدمه،فعبر عملية التنشئة الحقيقية يُلقّنْ الأفراد قيم ومعايير وثقافة المجتمع الذي يعيشون فيه مما يؤهلهم لأداء أدوارهم المطلوبة التي تصب في خدمة المجتمع والنظام السياسي وسلامة بلده.

وتؤثر التنشئة في تنمية الشعور بالانتماء والولاء الوطني لدى الأفراد عبر إسهامها في تقليص آثار التفاوت الاجتماعي المتمثلة باختلاف اللغة والدين والعرق ... الخ لاسيما في أوقات الأزمات والحروب التي تتعرض لها البلاد ، والتي بالرغم من دورها الحيوي في التنوع الاجتماعي والثقافي والتي تعد مصدر إثراء للمجتمع ، غالباً ما تمثل تهديداً لتماسك المجتمع وتفسخ هويته ووحدته الوطنية، إذا لم يحسن التعامل مع هذه المكونات المتباينة عبرإستراتيجية ملائمة تقوم بها عملية التنشئة بجميع صنوفها وبكل مصادرها والتي تعمل على غرس ثقافة الإيمان بالمساواة بين الأفراد بغض النظر عن الجنس أو اللون أو العقيدة.

كما تؤدي التنشئة الاجتماعية–السياسية دوراً مهماً في تنمية المجتمع والنهوض به عن طريق بناء شخصية المواطن على وفق قيم علمية ووطنية مقصودة بما يحقق إيمانهم بالمشاركة السياسية التي بدورها تحقق المنفعة المتبادلة بين المجتمع ونظامه السياسي ،فَلِكي يشارك المواطن في سياسة دولته مشاركة فاعلة وايجابية مبنية على الوعي أو الفهم الصحيح لدوره الفاعل فلابد من تنشئة سليمة يتفاعل المواطن عبرها مع أنظمة دولته ومؤسساتها التي تنظم العلاقات بين أفراد المجتمع.

فالتنشئة الوطنية الفاعلة التي يتم تدعيمها وتقويتها بمشاعر الولاء والانتماء للوطن تلعب دوراً كبيراً في الحفاظ على أمن واستقرار المجتمع والدولة فضلا على خلق هوية وطنية جامعة على حد سواء ، وهو الهدف المهم والأسمى الذي كان وما يزال محور اهتمام النظم السياسية بصفة عامة وعلم الاجتماع وعلم النفس والطب النفسي بصفة خاصة .

وعليه فكلما اتسعت عملية التنشئة بأنواعها الاجتماعية و السياسية كلما تعززت لدى الأفراد مشاعر الانتماء والولاء للوطن والتضحية في سبيل الأخير أي الوطن ـ الأمر الذي يسّهل من عملية التعايش والاندماج ويؤسس لبناء هوية وطنية(مجتمعية) جامعة.وعليه نجد ان دور التنشئة الاجتماعية-السياسية في تعزيز الهوية الوطنية عبرما تقوم به مؤسساتها من غرس قيم نبيلة تقتضي الإيمان بثقافة الحوار وقبول الآخر كشريك أساس في الوطن الواحد،وتوعية المواطنين بواجباتهم وحقوقهم، وحثّهم على المساهمة في الحياة الاجتماعية و السياسية ، ويتمّحور ذلك الدور المهم عندما تنّسق تلك المؤسسات (الأولية والثانوية) فيما بينها للوصول الى غاية أسمى وهي إعداد مواطن وإعلاء حقوقه وواجباته .

وكذلك ان تمنح الثقافة المتجانسة قوة مميزة خاصة بالمجتمع ، وتساعد على حس مجتمعي تكافلي ، وتسّهل عملية التواصل والتماسك الداخلي بين الأفراد ، وتمكّن المجتمع من الاعتماد على ولاء أفراده وحشد تأييدهم عند الضرورة .وهذا يعني أن المجتمع بحاجة الى تبني تنشئة سليمة ونشر ثقافة حوار مشتركة باعتبارها ضرورة إنسانية ومنهاج عمل يؤسس لسلوك اجتماعي قويم ومتوازن ، هذه التنشئة يجب ان تسهم بشكل فاعل في إشاعة ثقافة سياسية تكون نتاج لخطط ايجابيةإذ تؤدي الاخيرة دوراًمهماً في إعداد مواطن يؤمن بحرية الرأي ومتكيف مع النسق السياسي من خلال شعور الأفراد بالانتماء والولاء لنظامهم السياسي وفق هوية وطنية سليمة جامعة. وان يسود جو من الثقة والرغبة المتبادلتين في التعاون المشترك للوصول الى الحلول التي تلبي طموحات الجميع ، وأمر كهذا يقتضي أن يتوسع دور التنشئة لتوسع دائرة الحوار، وأن لا يحصر بمسميات ضيقة مثل(الحوار السياسي)، وأن يكون مفتوحاً أمام كل القضايا والأمور ويدار بشفافية ونزاهة كفيلة بإجلاء حقائق "الهوية الوطنية" وتقويتها وبذلك يشكّل الخطوة الأولى الصحيحة باتجاه المصالحة الوطنية.

في إطار خلق التعايش بين العراقيين أي (عراقياً-عراقياً) بالمعنى الدقيق للكلمة وتحقيق الانسجام والتعايش والتفاعل بين مكوناته ، وكل ذلك سيمّهد حتماً الى ترسيخ وحدة وهوية المجتمع العراقي الوطنية.وعليه يكون اتجاه التنشئةالى رفع الوعي للفرد و بالتالي تعريفه وتعليمه بالنسق السياسي وربطه به وكيفية تعامله معه ، هذا النسق الذي يقوم أساساً على القوة المؤسسة للدولة حيث تعد الدولة عاملاً للتماسك بين المؤسسات المختلفة المكونة للتشكيلة الاجتماعية .ولا يتحقق ذلك الا عن طريق عملية التنشئة الاجتماعية– السياسية التي تعمل على رفع مستوى الوعي الثقافي والسياسي للأفراد على نحو يجعل أفراد المجتمع يدركون تماماً بوضوح أهداف التقدم الاجتماعي نحو بناء هوية وطنية سليمة.وعلى ذلك فإن جوهر تحقيق الهوية الوطنية يكمّن في وجود أن تكتسب الجماهير أيضاً -لا الحكومات وحدها- الشعور بالمسؤولية في الحكم وإدارة الشؤون العامة للبلادوبعكسه فإن ضعف الدور الجماهيري في الحياة السياسية والعزوف عن المشاركة السياسية يؤدي الى تكريس الانتماءات العرقية والطائفية والقبيلة التي تفرز مؤسسات سياسية غير قادرة على تجاوز الانقسامات المجتمعية وبناء الهوية والوحدة الوطنية.

وهنالك متطلبات رئيسة يجب اتباعها بالاتي:1- صياغة ثقافة سياسية موحدة تقوم على القيم والمعتقدات المشتركة لعموم مكونات المجتمع .

2- إيجاد نوع من الملائمة بين السلوك السياسي لأفراد المجتمع والقيم والمعتقدات المشتركة للثقافة السياسية .

3- إيجاد مشاركة سياسية حقيقية في الشؤون العامة مبنية على ثقافة سياسية مشاركة وسلوك سياسي عقلاني يضع الاعتبارات والمصالح الوطنية في المقام الأسمى.

4- ضـمان تطبيـق نصـوص دسـتورية تتعلـق بـالحقوق والحريـات تـرد فـي دسـتور يتفـق عليــه الشــعب والرقابة على حسن تطبيقها لمنع انتهاكها من قبل السلطات.

5- ضــمان المســاواة بــين العــراقيين دون تمييــز بســبب الجــنس او العــرق او القوميـــة او الاصــل اواللون او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي اوالاجتماعي .

6-ضـمان تمتـع المـواطن العراقـي بحـق الجنسـية وعـدم اسـقاطها عنـه لاي سـبب مـن الاسـباب.

7- ضـمان ان تكـون (المواطنــة) مصـدرا للحقـوق ومناطـا للواجبـات لافـراد المجتمـع العراقـي دون تمييـز.

8- ضمان الدولة ونظامها السياسـي فـرص النمـاء الاقتصـادي والاجتمـاعي والعلمـي والثقـافي للعـراقيينمن دون تمييز.

9- ضمان سيادة حكم القانون وقيام دولة المؤسسات القانونية.

10- ضمان حرية الفكر والتعبيـر والـرأي والمعتقـد.

11- ضـمان التطبيـق الفعلـي لمبـدأ الفصـل بـين السـلطات واسـتقلال القضـاء اسـتقلالا تامـا ولـيس شــكليا.

12- التوزيع العادل للثروات والتي تكون ملكا عاما للشعب العراقيوبناء عراق مستقر عبر هوية وطنية سليمة

.13- نشـر روح التسـامح والحـوار والتعـايش السـلمي بـين التكوينـات الاجتماعيـة للمجتمـع العراقـي ولعل اعتماد مبـدأ المواطنـة هـو الحـل الأفضل لبناء هوية وطنية سليمة.

د. ناظم نواف ألشمري-كلية العلوم السياسية –الجامعة المستنصرية
د.أسراء احمد جياد-كلية العلوم السياسية-الجامعة المستنصرية

.......................................................
* بحث مقدم لمؤتمر الاستقرار الأمني والمجتمعي في العراق لمرحلة ما بعد داعش، الذي عقد من قبل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية جامعة بغداد، وبالتعاون مع مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام بتاريخ 23/10/2017.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0