تمثل الولايات المتحدة الامريكية منذ بداية التسعينات المحدد الأكثر تاثيراً لعمليات الانتشار، أو عدم الانتشار النووي في منطقة الشرق الأوسط، إذ تسود العالم فكرة مفادها أن السياسة الامريكية تجاه القضايا النووية المثارة في الشرق الاوسط هي سياسة مزدوجة المعايير فهي تتقبل وجود سلاح نووي لدى اسرائيل، بينما تعمل على منع دول اخرى داخل ذلك الاقليم من الاقتراب، أو امتلاك السلاح النووي.

فقد كان الدور الامريكي واضحاً في الدفع باتجاه تشكل اطار المفاوضات متعددة الاطراف حول ضبط التسلح والامن الاقليمي في ظل عملية التسوية السلمية للصراع العربي-الاسرائيلي، وكان دور الولايات المتحدة واضحاً ايضاً في كل التطورات المتعلقة بإدارة تفاعلات اطراف المنطقة مع النظام الدولي لمنع انتشار الاسلحة النووية المتعددة بعكس ما كان الحال عليه خلال العقود السابقة حين كان النظام الدولي والتوجهات الاقليمية يتسمان بطابع مستقل عن السياسة الامريكية.

بالمقابل؛ هنالك حالات اخرى لا تقوم الولايات المتحدة بممارسة أي ضغوط لدفعها للتخلص عن تلك الانشطة ومنها اسرائيل بوصفها احدى دول الاقليم، وكذلك حالة باكستان على الرغم من انها ليست دولة شرق أوسطية، إلا انها لا تخضع لجهود الولايات المتحدة الرامية لإقامة منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل في الاقاليم المختلفة من العالم.

وعلى الرغم من ذلك قادت الولايات المتحدة الامريكية ثلاث عمليات كبرى تمكنت عبرها من منع، أو وقف امتلاك أطراف اقليمية للأسلحة النووية في وقت كانت فيه تلك الاطراف قد تقدمت الى مديات مختلفة في اتجاه حيازة هذه الاسلحة من خلال برامج نووية سرية كما هو الحال لما حدث للبرنامج النووي العراقي ونجاحها في دفع ليبيا للتخلص عن شعارها النووي العسكري، فضلاً عن الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة الامريكية على ايران لدفعها للتخلص من برنامجها النووي المحظور.

ومن ثم شهدت مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة تحركات دولية وإقليمية بهدف الحد من، أو منع انتشار الأسلحة النووية في منطقة الشرق الأوسط، إذ كان للولايات المتحدة جهود بارزة في نزع السلاح النووي وضبط التسلح، وإقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وأول هذهِ التحركات جاء في شكل مبادرة طرحتها الولايات المتحدة الامريكية في شهر آيار 1991 التي أطلقها الرئيس الامريكي السابق جورج بوش الاب، إذ دعى فيها الى ضبط التسلح في المنطقة سواء من الاسلحة التقليدية أو النووية، تحت غطاء ما يسمى بـ(النظام الدولي الجديد)، عبر قيود تفرض على تصدير التكنولوجيا الخاصة بأسلحة الدمار الشامل مع إقامة نظام فعال يكفل مراقبة تصدير الأسلحة، كما دعت المبادرة دول المنطقة الى الانضمام لمعاهدة منع الانتشار لعام 1968، إلا أن هذهِ المبادرة تعرضت للانتقاد من قبل العديد من الدول لأسباب عدة وهي:-

أولاً:- استثناء تركيا من منطقة الشرق الأوسط، مما يعد انحيازاً واضحاً للولايات المتحدة، فتركيا احدى دول حلف شمال الأطلسي، وأن ادخالها في ترتيبات امنية قد يقيد مساعي حلف الناتو في ما يتعلق بتوسيعه شرقاً، أو في مجال امتداد عملياته.

ثانياً:- لم تتضمن المبادرة وضع آلية لغرض التأكد من الاستخدام السلمي لما يسمى بتكنولوجيا الصواريخ.

ثالثاً:- أن هذهِ المبادرة ركزت على مصالح دولة واحدة، فقد استثنت إسرائيل من المبادرة وأقرت بأحقيتها في امتلاك الأسلحة النووية.

كذلك هناك العديد من المبادرات الأخرى التي أطلقتها الولايات المتحدة الامريكية، ففي تموز 1992 طرحت الولايات المتحدة الامريكية مبادرة ثانية لحظر انتشار الأسلحة النووية في المنطقة، وقد تضمنت هذه المبادرة على المبادئ الاتية:-

1- تجمد عمليات حيازة وانتاج الصواريخ أرض أرض ويمكن إصدار تراخيص اللازمة للمعدات التقنية الخاصة بالصواريخ المذكورة الخاصة بالاستخدام السلمي.

2- حظر إنتاج وحيازة المواد النووية التي يمكن أن تستخدم في صناعة الاسلحة النووية وتشمل اليورانيوم والبلوتانيوم المخصب.

3- الالتزام الفوري بمعاهدة حظر الاسلحة الكيمياوية.

4- الضوابط المقترحة والخاصة بتصدير الاسلحة التقليدية.

إلا أن جميع هذهِ المبادرات لم تؤد إلى نتائج تذكر لسببين هما:-

أ‌- الازدواجية في التعامل الأمريكي مع الملف النووي، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، لكن في جهات أخرى من العالم كذلك.

ب‌- امتناع الولايات المتحدة الامريكية عن الضغط على إسرائيل من أجل اقناعها بالانضمام إلى اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية.

وبعد احداث 11 أيلول 2001 وبناء توازنات استراتيجية جديدة مطروحة على أجندة القرن الواحد والعشرين، وهذا المصطلح أدى الى ظهور مفاهيم جديدة مثل بناء الثقة، فضلاً عن التغيير الذي أصاب السياسات والترتيبات الامنية والاليات المستخدمة للحفاظ على المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى في منطقة الشرق الاوسط، مما أدى إلى زيادة المخاوف الامريكية من انتشار الأسلحة النووية لدول تعدها الولايات المتحدة مهددة للسلم والامن الدوليين (دول محور الشر) أو الدول المارقة(*)، وبالتالي دفعها لوضع مجموعة استراتيجيات لمنع الانتشار النووي وهي:

• استراتيجية الامن القومي لعام 2002.

• الاستراتيجية الوطنية لمكافحة أسلحة الدمار الشامل في كانون الأول 2002.

• استراتيجية الامن القومي في اذار 2006.

• الاستراتيجية الوطنية لمكافحة أسلحة الدمار الشامل في شباط 2006.

ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الولايات المتحدة تتعامل بصورة انتقائية مع قضايا منع الانتشار النووي في الشرق الأوسط فهي تسعى من ناحية إلى تقييد عملية نقل التكنولوجيا النووية، لاسيمّا للدول المناوئة لها كالعراق وإيران، بينما توفر الحماية لدول حليفة وصديقة مثل إسرائيل.

...........................................
(*) دول محور الشر أو الدول المارقة: وهي دول تمتلك أسلحة دمار شامل، أو القدرة على تصنيعها كما تنظر اليها الولايات المتحدة الأمريكية مما يجعل منها مصدراً لانتشار تلك الأسلحة مع توفر إمكانية وقوعها بأيدي الجماعات المعادية للسياسة الأمريكية واستعمالها في عمليات إرهابية، إذ اطلق هذا الوضع على دول مثل إيران والعراق وكوريا الشمالية وسورية.
........................................
المصادر:
1- تمارا كاظم الاسدي، العلاقات الامريكية اللبنانية بين رئاسة بوش الابن لغاية ترامب (تحليل ورؤى مستقبلية)، دار امجد للنشر والتوزيع، عمان- الأردن، 2019.
2- د. شيماء معروف فرحان، مستقبل إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية بين الانفراد الأمريكي والاحتكار الإسرائيلي، مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية، مركز المستنصرية للدراسات العربية والدولية، الجامعة المستنصرية، العدد(68)، 2009.
3- كرار أنور ناصر، معوقات اخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية، دراسة بحثية منشورة، المركز الديمقراطي العربي، برلين- المانيا، 27 أيلول 2014.
4- مجموعة مؤلفين، الخيار النووي في الشرق الأوسط، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت-لبنان، 2001.
5- نعوم تشومسكي، الدول المارقة واستخدام القوة في الشؤون الدولية، ترجمة: أسامة أسبر، مكتبة العبيكان، الرياض- المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 2004.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8