في عام 2013 أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال زيارات إلى كازاخستان وأندونيسيا، عن استراتيجية الصين الشاملة في الحزام الجيوبوليتيكي الصيني والذي يشمل قارة اسيا وافريقيا وجزء من القارة الاوروبية، اطلق عليها مبادرة حزام واحد وطريق واحد، او ما يطلق عليها مبادرة طريق الحرير الجديد.

عكست هذه الاستراتيجية الرؤية العميقة للوجود الصيني في هذا الفضاء الجيوبوليتيكي الواسع، لأجل ترسيخ المصالح الاستراتيجية للصين، من خلال الاستثمار في البنية التحتية، حيث تغللت الصين بسلسلة من الاتفاقات الاستراتيجية مع اكثر من 20 دولة في اسيا وافريقيا واوروبا، والتي مكنتها من تعزيز مصالحها باستثمارات بالمليارات الدولات، تركزت على مشاريع الطرق الاستراتيجية للنقل والمواصلات، وخطوط السكك الحديد، والموانئ الاستراتيجية، والتي انصب مجمل تركيزها على تأجير والاستثمار في الموانئ البحرية المهمة.

لتكون غطاء اقتصاديا استثماريا لانتشارها العسكري في المستقبل المنظور، وبالتالي اندفعت بشكل احترازي لمنع احتواء نفوذها الاستراتيجي كما حصل مع الاتحاد السوفيتي في السابق، فتمكنت من الاندفاع خارجا من خلال جملة من الاتفاقات الاستراتيجية الملزمة مع عدد من الدول المهمة، لتامين مصالحها الحيوية والتي تتمحور حول ضمان تسويق منتجاتها الاقتصادية، وترسيخ وجوها الامني والتكتيكي، ومن ثم تأمين احتياجاتها من صادرات الطاقة من نفط وغاز خصوصاً وانها تمثل ثاني اكبر دولة بالعالم في استهلاك الغاز المسال بعد اليابان، حيث انطلقت لتعزيز استثماراتها الطاقوية بسلسلة من الشراكات النفطية في عدد من البلدان من اسيا وافريقيا، فاستطاعت الصين ان توسع نطاق انغماسها الجيواستراتيجي وتامين مصالحها الداخلية والخارجية بسلسلة من التحالفات الامنية والاقتصادية.

ومن اجل تعزيز هذه الاستراتيجية، عمدت الصين على وضع استراتيجية طريق واحد حزام واحد السيبرانية المعززة، حيث اشارت العديد من التقارير الاستخباراتية للغرب على ان الصين استطاعت ان توسع وتعضد مصالحها الامنية المعززة في عدد من الدول التي ترتبط معها باتفاقيات اقتصادية واستثمارية في دائرة استراتيجية حزام وحد طريق واحد، فكما هو معروف لدى الجميع ان الصين لديها قوة سيبرانية فوق المتوسطة اذا ما قورنت بالمستوى الغربي بحكم افتقارها تكنلوجيا اشباه الموصلات (علم الرقائق)، ورغم ذلك استطاعت ان تمارس التجسس السيبراني والسرقة التنكلوجية من بعض المشاريع الاستراتيجية الغربية، كمشروع شركة لوكهيد مارتون الخاص بتطوير الجيل الخامس من الطائرات السيادة الجوية F35 للولايات المتحدة الامريكية، حيث تجسست الكترونيا على بعض مفاصل صناعة هذه الطائرات، كما انها امتلكت القدرة على بناء الجدار الناري الالكتروني لفضائها الالكتروني لأجل ممارسة السيطرة المعلوماتية وممارسة الفلترة الاستخباراتية لبعض المحتويات الرقمية الموجهة لها، كما اطلقت مشروع السيادة الرقمية والذي عمل على حجب الالف من المواقع الإلكترونية التي رأت فيها انها تهديد لأمنها القومي.

ويلاحظ مما سبق ان الصين تمارس تطلعات جيوسيبرانية خصوصاً مع الدول التي باتت تشعر انها مهددة سيبرانياً، اذا زودت الصين عدد من الدول خصوصا في منطقة اسيا الوسطى والشرق الاوسط وافريقيا، ببنى تحتية رقمية وبرامج الكترونية تستطيع من خلالها ان تمارس سلطة او سيادة سيبرانية في مجال التفاعلات السيبرانية الداخلية للدول والولوج لمحتويات تلك الدول الرقمية، خصوصاً الدول التي باتت تستشعر من حركات شعبية تتطلب بالتغيير.

ومن خلال ذلك، استطعت الصين ان ترصد صفوف تطلعاتها من خلال الاستناد الى بعدين استراتيجيين، يتجلى الاول بالبعد الجيواستراتيجي لتطلعاتها العالمية والذي تمخض عنه سلسلة من الاستثمارات الاقتصادية والترتيبات الامنية ضمن استراتيجية حزام واحد طريق واحد، والذي مكنها ان تمارس تفاعلات جيواستراتيجية في اقاليم المزاحمة العالمية، فتمكنت من الخوض اقتصادياً وسياسياً وامنياً في اقاليم لطالما كانت محصورة لبعض القوى الكبرى والعظمى، اما البعد الثاني فتجلى في البعد المعزز لاستراتيجية طريق واحد حزام واحد، حيث تمظهر هذا البعد على اساس تكثيف تعاونها الامني السيبراني، من خلال احاطت حلفائها بجملة من الترتيبات الرقمية والتي ترسخت من خلال رفع مستوى قوة هذه الدول السيبرانية ببنى تحتية الالكترونية، وهي بالتالي اجنت عائد استراتيجي استثنائي من خلال تمكنها من الولوج الى البنية التحتية السحابية لهذه الدول، سمح لها ربط امن هذه الدول بأمنها الاستراتيجي (سحابياً) في مركز استراتيجي للقيادة والسيطرة الرقمي.

ومن خلال ما سبق يمكن القول ان الصين وضعت استراتيجية استثنائية في التطلع والاندفاع الجيواستراتيجي والذي اتاح لها ان تجني مردود سياسي واقتصادي وأمني حتى وصل الى العائد الرقمي المعزز في نفس طويل وببعد استراتيجي عميق اصطدم بمصالح القوى العالمية الفاعلة، وادى الى خلق فضاء من الصراع في الدائرة الجيواستراتيجية والجيوسبرانية، وستعمق هذا الصراع مع استمرار الصين تغلها على هذه المنوال في الامد المستقبلي المتوسط والبعيد.

* باحث متخصص في الشؤون الدولية والاستراتيجية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4