قد ينظر للعراق على انه الدولة الاكثر فشلا في المنطقة العربية، فقد اصبح وصفة لكل سياسة خاطئة لا ينتظر منها تحقيق اي تقدم في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهذا ينطبق على الداخل العراقي، نتيجة تشابك المصالح وغياب القوانين المحددة للعلاقات بين التيارات السياسية المتصارعة على السلطة، لكن في الملفات الخارجية هناك نجاحات باتت محط انظار الدول الاقليمية.

اتبعت الحكومات العراقية المتعاقبة سياسة خارجية قائمة على عدم التدخل في شؤون الدول الاخرى، وهي تستند في ذلك الى الدستور الذي حدد الاطر العامة للتعامل مع القضايا الخارجية، منعا لتكرار الازمات التي سببتها تدخلات الحكومات السابقة في شؤون الجوار العراقي مثل الحرب مع ايران او غزو الكويت.

بدأت معالم السياسة الخارجية العراقية الجديدة تتضح مع ثورات الربيع العربي، اذ كانت الاجواء متوترة واكثر قابلية للاشتعال، هنا وضعت الدبلوماسية العراقية الخطوط العريضة للتعامل مع الاوضاع العربية، فقد وجدتها فرصة لإثبات حسن نواياها تجاه جيرانها واشقاءها الذين لا يزالون يحملون الخوف والتشكيك بالعراق، لسوابقه في الحروب وخلق الازمات.

سياسة عدم التدخل

في ثورات تونس ومصر وليبيا حسم الامر، ولا تحتاج الدبلوماسية العراقية الى الكثير من الجهد للوقوف على الارضية المناسبة، لكن في سوريا كانت الحكاية الاكثر تعقيدا، واحتاجت حنكة سياسية قلما تنجح فيها دولة بديمقراطيتها الفتية، اتخذ العرب موقفا واضحا مؤيدا للمعارضة المسلحة، وطردوا سوريا من الجامعة العربية، ودعموا الجماعات المسلحة بالمال والسلاح والجهد الاعلامي الجبار، وحاولوا الحصول على دعم من الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوربية للتسريع بعملية اسقاط الحكومة.

لم يوافق العراق على هذه السياسة العربية، واكد موقفه المستقل الرافض للتدخل في شؤون دولة جارة، ودعا الى الحلول السلمية بعيدا عن لغة السلاح والحروب الاهلية التدميرية، واكد في اكثر من مناسبة ان اسقاط اي حكومة في البلدان العربية سيقود الى نتائج كارثية.

وقد استند الموقف العراقي الى سياسته الخارجية التي وضعت اسسها في مرحلة ما بعد عام 2003 والمحددة بجملة من المبادئ التي تترجم حرص العراق كدولة محبة للسلام ومتعلقة بالشرعية الدولية على تقوية أسباب التفاهم والتسامح والتضامن بين الدول والشعوب، وإضفاء مزيد من الديمقراطية والتوازن في العلاقات الدولية وتعميم الأمن والاستقرار، وفي دراسة لمركز البيان نشرت في شهر مايو ايار 2017 لخص هذه المبادئ بالآتي:

التمسك بالشرعية الدولية واحترام مقتضياتها وقراراتها.

التعلق بالسلم وتغليب منطق الحوار والتفاوض والوسائل السلمية كسبيل لفض الخلافات والنزاعات.

تطوير العلاقات الدولية في كنف الاحترام المتبادل والالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

المساهمة في كل جهد وعمل جماعي لخدمة السلم والأمن والاستقرار والنهوض بحقوق الإنسان.

دبلوماسية صلبة

فالسياسة الخارجية العراقية تؤكد على محورية السلام وعدم التدخل كمبادئ عامة للتعامل مع القضايا العربية والعالمية، لذلك فان استمرار الحرب السورية لمدة سبع سنوات لم يثني بغداد على استراتيجيتها الرامية الى تحقيق السلام، ورغم خسارة الحكومة السورية نسبة كبيرة من الاراضي لصالح المعارضة او داعش والنصرة، فقد حافظت الدبلوماسية العراقية على موقفها الداعم للحلول السلمية دون دعم اي جماعة مسلحة خارج اطار الدولة السورية. وفي تلك السنوات العجاف وجهت انتقادات عربية الى بغداد وصلت الى حد اتهامها بخروجها عن الاجماع العربي، الا انها بقيت صامدة.

واليوم ونحن ندخل عام 2019 عاد العرب الذين انتقدوا الموقف العراقي وهم يحزمون حقائبهم نحو العاصمة السورية دمشق، يخطبون ود الحكومة التي ارادوا اسقاطها، بينما يقف السفير العراقي هناك باعتباره الضيف الاكثر اتزانا وحنكة.

تعامل بغداد مع الازمة السورية بعد سبع سنوات اثبت صوابيته، واكد وجود رؤية استراتيجية للتعامل مع الجوار العراقي وفق خطة مدروسة بعيدا عن الاملاءات الخارجية وبما يحقق المصلحة الوطنية، وفعلا ها نحن اليوم نقطف ثمار ما حصدته الدبلوماسية طوال سنوات.

على بغداد ان لا تقف عن هذا الحد، فقد تتحول الى وسيط موثوق به في حل القضايا العربية العالقة، كما ان هذه المواقف الثابتة القائمة على جوهرية السلام وعدم التدخل، تعيد رسم صورة ايجابية للعراق باعتباره الميزان الذي تقاس من خلاله المواقف الصائبة تجاه الازمات التي تعصف بالمنطقة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

5