منوعات - علوم

العلم المفتوح للتغلب على جائحة كورونا

اليوم العالمي للعلوم من أجل السلام والتنمية

ينبغي للعلوم أن تساهم مساهمة كبيرة في تمكيننا من التغلب على الأزمة الراهنة الناجمة عن جائحة كورونا، وفي مساعدتنا على بناء مجتمعات أكثر عدلا وإنسانية واستدامة. جاء ذلك في رسالة للمديرة العامة لليونسكو السيدة أودري أزولاي بمناسبة اليوم العالمي للعلوم من أجل السلام والتنمية.

ويأتي احتفال هذا العام تحت شعار "العلم مع المجتمع ولمنفعته في التعامل مع كوفيد-19". واستشهدت السيدة أزولاي، في رسالتها، بما قاله عالم الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا كلود ليفي-ستروس، في مقال نشرته مجلة "رسالة اليونسكو" عام 1951:

"يجب ألا يقتصر دور العلم على تمكين البشر من النبوغ والتفوق على الذات، بل يجب أن يساعدهم العلم على جمع شملهم وتمكين من يتخلف منهم عن الركب من اللحاق به".

وقالت مديرة اليونسكو إننا نحتفل ﺑﺎليوم العالمي للعلوم من أجل السلام والتنمية لهذا العام في ظروف غريبة، "إذ ابتليت مجتمعاتنا بجائحة فيروس كورونا، وسنضع نصب أعيننا تلك المقولة إبان احتفالنا ﺑﻬذا اليوم".

ويُعزى الاحتفال باليوم العالمي إلى أهمية دور العلم والعلماء في المجتمعات المستدامة وفي الحاجة إلى تثقيف المواطنين وإشراكهم في العلوم. وبهذا المعنى، يتيح هذا اليوم فرصة لإظهار أهمية العلم في معايش العامة ولإشراكهم في المناقشات.

وشددت السيدة أزولاي على ضرورة أن تؤدي الأزمة الراهنة إلى إيجاد قناعة ﺗﺎمة تقطع الشك ﺑﺎليقين بضرورة تلبية الحاجة العاجلة إلى تحسين تمويل ودعم البحث العلمي والتعاون في الميادين العلمية.

"ويشمل هذا الأمر ﺑﺎلتأكيد العلوم الطبيعية، وكذلك العلوم الاجتماعية والإنسانية. فقد أفضى انتشار هذا الفيروس إلى إيجاد واقع اجتماعي جديد تماما لا يمكن اختزاله في البيانات الوﺑﺎئية فقط على الرغم من الأهمية الكبيرة لهذه البيانات".

دور العلوم في مجتمعاتنا

وتتيح العلوم الطبيعية، وفقا للمسؤولية الأممية، فهم الأمور العلمية المتعلقة ﺑﺎلفيروس، بينما تتيح العلوم الاجتماعية والإنسانية سبر أغوار مجتمعاتنا بكل جوانبها وتعقيداﺗﻬا وتفادي النزعات التبسيطية العقيمة والحجج الباطلة.

ولذلك، أكدت أزولاي، على أنه ينبغي للعلوم أن تساهم مساهمة كبيرة في تزويدنا ﺑﺎلمعلومات اللازمة للوقوف على كيفية مكافحة هذه الجائحة. وسيؤدي تحسين مراعاة المعارف العلمية في السياسات العامة إلى تعزيز فعالية هذه السياسات.

وأشارت إلى أن اليونسكو تؤمن، منذ زمن طويل، ﺑﺈمكانية مساهمة العلوم في تحسين جميع جوانب حياتنا، بيد أن هذا الأمر يتطلب مزاولتها في إطار أخلاقي وإنساني مشترك. "ولذلك تسعى اليونسكو إلى مواصلة العمل الذي بدأته منذ زمن طويل بشأن أخلاقيات العلوم عن طريق إعداد توصية عالمية بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، من أجل تسخير الابتكارات في هذا اﻟﻤﺠال لصالح الناس كافة".

فلا يسعنا الاستغناء عن هذه الرؤية الإنسانية للعلوم، ولاعن المنهج العلمي ودقة التفكير العلمي، إبان الأزمة الراهنة الناجمة عن جائحة كورونا لا نظير لها فيما مضى من ﺗﺎريخنا، وبينما يجب علينا أن نتصدى للأزمة الناجمة عن تغير المناخ واضمحلال التنوع البيولوجي.

العلم المفتوح

وتعمل اليونسكو حاليا على وضع توصية بشأن العلم المفتوح وفقا للقرار الذي اعتمدته الدول الأعضاء في هذا الصدد خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2019، وتسعى من خلال ذلك إلى إﺗﺎحة الانتفاع بكل إمكانيات العلوم.

يوصف العلم المفتوح بأنّه حركة متنامية تسعى إلى زيادة شفافية العملية العلمية وجعلها أكثر شمولية، من خلال إتاحة المعارف والمنهجيات والبيانات والأدلة العلمية مجاناً حيث يمكن للجميع الانتفاع بها.

وقالت مديرة اليونسكو إن أغراض التوصية الخاصة ﺑﺎلعلم المفتوح لا تقتصر فقط على تعزيز الفعالية وزيادة التنوع فيما يخص العلوم عن طريق تمكين كل فرد من المساهمة فيها، بل تضم أيضا تعزيز توافق أهداف العلوم مع احتياجات مجتمعاتنا عن طريق نشر ثقافة علمية تقوم على إعداد مواطنين واعين ومسؤولين يشاركون في اتخاذ القرارات بطريقة جماعية.

وتعد التوصية الخاصة ﺑﺎلعلم المفتوح، بحسب أزولاي، خطوة مهمة في المساعي الرامية إلى جعل نواتج كل العلوم منافع حقيقية مشتركة تساهم في تحقيق التنمية المستدامة لكل مجتمعاتنا. فهذا هو الهدف الرئيسي الذي نسعى إلى تحقيقه، والذي نود التذكير به في هذا اليوم العالمي للعلوم من أجل السلام والتنمية.

5 أمور يتعين عليك معرفتها

تدعو الأمم المتحدة إلى إتاحة المعلومات والبحوث العلمية الموثوق بها مجانا، من أجل تسريع وتيرة البحوث الرامية إلى التوصّل إلى لقاح فعّال ضد الفيروس المسبب لمرض كوفيد-19، والتصدي للمعلومات الخاطئة و"إطلاق كامل الطاقة الكامنة للعلم".

وتحثّ منظمة الصحة العالمية منذ عدة أشهر، البلدان والعلماء على التعاون سعيا نحو السيطرة على الجائحة، لأنّه ما من أحد سيكون في مأمن حتى يكون الجميع في مأمن، ويتطلب ذلك إنشاء منصة رائدة بالتعاون مع الحكومات والعلماء والمؤسسات والقطاع الخاص والشركاء الآخرين، بغية الإسراع في تطوير الاختبارات والعلاجات واللقاحات.

وقد أصدر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، ومفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشيليت، والمديرة العامة لمنظمة اليونسكو، أودري أزولاي، نداء للعلم المفتوح واصفين إياه بأنه "أحد قضايا حقوق الإنسان الأساسية"، ومنادين بجعل أكثر التكنولوجيات والاكتشافات تقدما متاحة لمن هم في أمس الحاجة إليها.

ولكن ما المعنى الدقيق للعلم المفتوح، ولماذا تصر الأمم المتحدة على نشره على نطاق أوسع؟

1) ما "العلم المفتوح"؟

يوصف "العلم المفتوح" بأنّه حركة متنامية تسعى إلى زيادة شفافية العملية العلمية وجعلها أكثر شمولية، من خلال إتاحة المعارف والمنهجيات والبيانات والأدلة العلمية مجاناً حيث يمكن للجميع الانتفاع بها.

وقد برزت حركة العلم المفتوح ضمن الأوساط العلمية وانتشرت سريعاً عبر الأمم، فانضم المستثمرون وأصحاب الأعمال وراسمو السياسات والمواطنون إلى هذا النداء.

ولكن هناك تخوف من استمرار وجود نقص في الإدراك الكلّي لمعنى العلم المفتوح والفرص التي يقدمها والتحديات التي يفرضها، في ظلّ التشتت الواقع في البيئتين العلمية والسياسية.

2) لماذا يحظى العلم المفتوح بالأهمية؟

ييسّر العلم المفتوح التعاون العلمي ومشاركة المعلومات لمنفعة العلم والمجتمع، وهو يساهم في زيادة المعارف العلمية وتحسينها، ونشرها على نطاق أوسع.

وتصف اليونسكو العلم المفتوح "بالعامل الحاسم الحقيقي": فعندما تتاح المعلومات على نطاق واسع، يتمكّن عدد أكبر من الأشخاص من الاستفادة من الابتكار العلمي والتكنولوجي.

3) لماذا نحتاج الآن إلى العلم المفتوح؟

لأنّ عالمنا المترابط مع بعضه أكثر من أي وقت مضى، يواجه اليوم العديد من التحديات التي لا تراعي الحدود السياسية أو الجغرافية، فيصبح التعاون الدولي العلمي القوي أساسيا في التصدي لهذه المشاكل، وخير مثال على ذلك هو جائحة كوفيد-19.

كما أنّنا نمتلك الأدوات التي تجعله يتحقق: فمع ازدياد انتشار الرقمنة، أصبحت مشاركة المعلومات والبيانات العلمية أسهل من أي وقت مضى، ونحن نحتاجها من أجل اتخاذ قرارات من شأنها أن تفضي إلى التغلب على التحديات العالمية بالاستناد إلى أدلة موثوق بها.

4) ما تأثير العلم المفتوح على جهود مكافحة الجائحة؟

في ظلّ حالة الطوارئ الصحية العالمية، تمكّن العلماء، بفضل التعاون الدولي، من تحسين فهمهم لفيروس كورونا بسرعة وانفتاح لا مثيل لهما، متبنين مبادئ العلم المفتوح. وقد انضم إلى الحركة كل من المجلات والجامعات والمختبرات الخاصة ومستودعات البيانات، مما أفسح المجال أمام الانتفاع المفتوح بالبيانات والمعلومات: حيث أصدر قرابة 115 ألف منشور معلومات متعلقة بالفيروس والجائحة، وأكثر من 80 في المائة من هذه المعلومات متاح مجاناً لعموم الجمهور.

فعلى سبيل المثال، في بدايات انتشار الجائحة، سارع العلماء الصينيون إلى نشر مجين الفيروس (الخريطة الجينية)، مما ساعد البحوث التي تلت في مجال الفيروس والاختبارات التشخيصية والعلاجات واللقاحات الآخذة في التطور من وقتها.

وأخيرا، سلّطت هذه الأزمة الضوء على الحاجة الملحة إلى تقريب العلم من مراكز صنع القرار ومن المجتمع عامة؛ فقد ثبت أنّ محاربة المعلومات الخاطئة وتعزيز عملية صنع القرار المستندة إلى البيّانات المدعومة بمواطنين على اطلاع جيد، ذات أهمية حيوية في مكافحة جائحة كـوفيد-19.

5) ما الذي تقوم به الأمم المتحدة من أجل تعزيز العلم المفتوح؟

تقوم اليونسكو، بغية ضمان عمل العلم المفتوح بكامل طاقته، وعودته بالنفع على البلدان المتقدمة والنامية على حدٍّ سواء، بالاضطلاع بدور القيادة من أجل تشكيل توافق آراء عالمي بشأن قيم ومبادئ العلم المفتوح ذات الأهمية بالنسبة إلى جميع العلماء وجميع الأشخاص، بغض النظر عن بلدهم الأصلي أو جنسهم أو عمرهم أو وضعهم الاقتصادي والاجتماعي.

ومن المتوقع أن تكون توصية اليونسكو بشأن العلم المفتوح، الوثيقة التقنينية الدولية التي تحدد المعايير الصحيحة والعادلة للعلم المفتوح على الصعيد العالمي، مما يُعمِل حق الإنسان في العلم ويضمن عدم ترك أحد خلف الركب.

وقالت السيدة أودري أزولاي في بيان صدر بمناسبة اليوم العالمي للعلوم من أجل السلام والتنمية، الذي يُحتفل به في 10 تشرين الثاني/نوفمبر، إنّ توسيع نطاق العلم المفتوح سيساعد العلم على "إطلاق كامل طاقته الكامنة"، مما سيجعله أكثر فعالية وتنوعاً من خلال "تمكين أي شخص من المساهمة ومن تعديل أهدافه بما يتلاءم مع احتياجات المجتمع، وذلك عن طريق تنمية الدراية العلمية لدى المواطنين المطلعين الذين يتحملون المسؤولية ويشاركون في عملية صنع القرار الجماعية".

اضف تعليق