لو انطلقنا في رحلة طويلة من أي نقطة على سطح الارض وسافرنا في خط مستقيم الى أبعد مسافة ممكنة فنحن بالنهاية سنصل الى نفس النقطة التي بدأنا منها رحلتنا. بعد رحلة نقطع فيها ما يقارب 40 ألف كيلومتر (25 ألف ميل) عبر الجبال والمحيطات والصحاري والانهار نكون قد أكملنا رحلة كاملة حول سطح الكوكب. المحطة النهائية التي سنصل اليها ستكون بلا شك ذات النقطة التي بدأنا منها السفر.

هل ان نفس الطريقة تنطبق على الفضاء؟ لو ذهبنا في سفينة فضائية وباتجاه واحد والى أي مسافة نختارها فهل سنعود بالنهاية الى نفس نقطة الانطلاق؟ انه سؤال مثير للاهتمام. حتى عندما تشير جميع الدلائل نحو "احتمال لا"، لكن هناك طريقتان ربما يبدو فيهما الجواب (نعم).

عندما نخرج من بيتنا وننظر الى الارض حولنا، فهي تبدو عموما مسطحة. لأننا بقدر ما ننظر في كل اتجاه، ومن أي مكان يوجد فيه الانسان على الارض، لا نستطيع مباشرة اكتشاف انحناء الارض. هذا لا يعني ان الارض ليست كروية، انه يعني اننا لو اردنا اكتشاف وقياس بالضبط كم هي الارض منحنية، سنحتاج النظر اليها بنطاق اوسع مما تستطيع عيوننا النظر من نقطة مراقبة واحدة.

لحسن الحظ، هناك عدة طرق نستطيع بها وبفاعلية جمع المعلومات الضرورية لإظهار كروية الارض. نستطيع قياس جسم معين من مختلف خطوط الطول والعرض. او اذا أردنا يمكننا فوراً السفر الى ارتفاع كافي لكي نستطيع رؤية انحناء كوكبنا مباشرة.

وعندما نأتي الى الكون، يكون الموقف اكثر تعقيدا. من خلال رؤيتنا الى مجرة التبانة، حتى مع كل المجسات التي اُرسلت عبر (وخارج) النظام الشمسي، نحن لا نستطيع ان نقيس مباشرة ما اذا كان الكون مسطحا ام منحنيا. ما نستطيع عمله فقط هو قياس الضوء الذي يأتي من مصادر بعيدة تبعد عنا ملايين او حتى مليارات السنين الضوئية. اذا كان الكون منحنيا، فان تلك المسارات الضوئية ستكون منحنية بطريقة معينة، اما لو كان الكون مستويا، فان تلك المسارات الضوئية ستعرض لنا اشكالا مختلفة. من خلال المجرات ومجموعات المجرة وحتى الضوء المتبقي من الانفجار الكبير نفسه (خلفية المايكروويف الكونية)، نستطيع ان نقرر وبشكل غير مباشر ان الكون مسطحا. و اذا كان الكون كرويا (مثل الارض)، فان نصف قطر الانحناء هو على الأقل اكبر بمئات المرات من حجم الكون المُشاهد.

مما يبدو على السطح يشير الى ان الكون مسطحا وليس منحنيا. لا توجد هناك اشارة بان الكون منحني على الاقل، ضمن النطاق الذي نستطيع به قياس الكون (حوالي 46 بليون سنة ضوئية في كل الاتجاهات من نقطة المراقبة لدينا). ولكن باعتبار ان الكون ينحني ايجابيا بحيث تلتقي الخطوط المتوازية، فان الطريقة التي تُرسم بها الخطوط المتوازية (مثل خطوط الطول) على سطح الارض والتي ستلتقي بالنهاية، ليست الطريقة الوحيدة التي يمكن ان ينحني بها كوننا.

يمكنك ان تتصور، بدلا من ذلك، ان كوننا اتخذ شكل اشبه بالنتوء المستدير torus او اسطوانة طويلة ارتبطت نهايتيها الاثنين لتكوّن شكلا يشبه حلقة الخاتم. على طول سطح النتوء، لن تلتقي الخطوط المتوازية ابدا وان الانحراف المقاس في الضوء البعيد سيكون منسجما تماما مع الكون المسطح.

الطريقة الوحيدة التي يمكن لنا بها التمييز بين كون شبيه بالنتوء وكون ثلاثي الأبعاد هي ان نجد دليلا مشاهداً لذلك الشكل الرياضي غير العادي الذي يُعرف بـ (طوبولوجي).

ماذا سيشبه ذلك؟

ذلك يعني، اننا لو ذهبنا الى مسوحات المجرات العميقة او خرائط التجميع الواسعة النطاق او حتى الاشعاع المتبقي من الانفجار الكبير، سنتمكن من تحديد اي منطقة في الفضاء تظهر في اماكن متعددة. اذا كان الكون يشبه نتوءا مستديرا وكان أقل من 92 بليون سنة ضوئية من النهاية الى النهاية، سنكون قادرين على تحديد اي مواقع ظهرت فيها نفس الخصائص في كلا المكانين.

لسوء الحظ، ان الكون لايظهر لنا بتلك الطريقة. جميع خرائط السماء بُنيت الى أعماق كبيرة، بما في ذلك الرؤية المفصلة جدا لخرائط خلفية المايكروويف الكونية. الخصائص التي نراها هي غنية جدا بالمعلومات حول طبيعة الكون، لكنها دائما تمثل مناطق متميزة من الفضاء. اذا كان الكون فعلا بطريقة ما ينحني على نفسه، فهو يمكن ان يقوم بذلك فقط على نطاق أكبر مما نتصور. وحتى لو كان الموقف كذلك، سوف لن نكون قادرين ابدا على عبور كامل الكون بذلك الطراز. السبب بسيط وهو ان الكون يتمدد وان سرعة تمدده تعني انه حتى في سرعة الضوء هناك حدود للمدى الذي سنذهب اليه. رغم اننا دائما نستطيع السفر لأطول مقدار من الزمن ونصل قريبين من سرعة الضوء لكن الاشياء التي هي حاليا أبعد من 18 بليون سنة ضوئية (حوالي 94% من الاشياء في الكون الملاحظ) ستبقى الى الأبد وراء متناول أيدينا.

لايزال، ممكنا دائما ان يكون الكون حقا منحني على نفسه كهذا، ولكن فقط على نطاق اكبر مما نستطيع تصوره. انه بالإمكان لو تمكنّا من السفر بسرعة لامتناهية سنكون قادرين على أداء هذه المهمة. ربما، لو سافرنا في خط مستقيم الى مسافة كافية، نحن حقا سنعود الى نقطة البداية تماما كما لو اُطلقت قذيفة بالضبط بنفس السرعة على الارض (وتجاهلت مقاومة الهواء)، انها قد تنتهي بضربة على الرأس من الخلف بعد 90 دقيقة.

ان سبب هذا هو الجاذبية. الجاذبية الأرضية تسحب انحناء نسيج الفضاء والذي يعني انه عندما يتحرك الشيء بخط مستقيم، فهو بالحقيقة يتبع انحناء الفضاء الذي يسافر من خلاله. لو كنت تسافر في مسار صحيح في جوار شيء واسع جدا، فهو انما يدفعك ليعيدك الى اتجاهك الاصلي.

معظم الاشياء في الكون مثل الكواكب او النجوم او المجرات يمكن لتأثيراتها الجاذبية ان تجعل الاشياء المتحركة بسرعة مقاربة لسرعة الضوء ان تنحرف قليلا.

يكفي ان نخلق صورا متعددة للشيء البعيد، بسبب حقيقة ان مسارات الضوء المتعددة توجد من المصدر الى المكان المقصود، ولكن ليس بما يكفي لتجعل الضوء يعود رجوعا. ان صنفا واحدا من الاشياء يستطيع إحداث ذلك وهو الثقوب السوداء. عندما يمر الضوء قريب جدا بجانب حدود السطح الخارجي للثقوب السوداء، فهو يمكن ان ينحرف بمقدار هائل جدا، بـ 180 درجة كاملة. كان هذا عنصرا هاما جدا قاد الى حساب شكل الصورة الاولى من تلسكوب حدود الثقوب السوداء، لأن سلوك الضوء قرب الثقوب السوداء هو خارج جدا عن تجربتنا اليومية.

تلك هي الطريقة الواقعية الوحيدة التي نعرفها –بدون افتراض شيئا تأمليا حول شكل الكون (غير الملاحظ) والتخلي عن قيود سرعة الضوء– هي اننا نستطيع السفر بخط مستقيم ونعود الى نقطتنا الاولى. الحقيقة هي ان وجود المادة والطاقة يحنيان الفضاء، وفي بعض الاماكن، الفضاء ينحني بشدة لدرجة يمكنه ان يغير مسار الشيء بشكل كبير.

مع الاختيار الصحيح، قد نصل عمليا الى أي مكان نختاره بإطلاق سفينة فضائية بمسار جيد وبمعرفة ملائمة بالثقوب السوداء عبر المجرة والكون.

وعلى نطاق كوني، لاتوجد هناك اي اشارة عدى ان الكون لانهائي ومستوي. لايوجد هناك دليل بان الخصائص في منطقة واحدة من الفضاء تظهر ايضا في اي منطقة اخرى منفصلة، ولا دليل على تكرار النموذج في البناء الواسع النطاق للكون او التوهج المتبقي من الانفجار العظيم. الطريقة الوحيدة التي نعرفها لإرجاع الشيء المتحرك هي عبر التأثير الجذبي gravitation slingshot، وليس عبر انحناء كوني.

ومع ذلك، تبقى هناك امكانية ان الكون ربما في الحقيقة يكون محدودا في المدى، لكنه اكبر مما يمكن ان توفره لنا حاليا ملاحظاتنا.عندما يتكشف الكون عبر بلايين السنين القادمة، فان الكثير والكثير منه (اكثر بحوالي 135%) سيصبح مرئيا لنا. ان الأمل الوحيد في اكتشاف كون محدود، قابل للعبور يكمن فقط "ومن المفارقة" في مستقبلنا البعيد والبعيد جدا.

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

11