نجح العلماء اخيرا في الحصول على صورة مباشرة (Image) للثقب الأسود لأول مرة. مجرة (M87) هي ثقب أسود عملاق على بعد 55 مليون سنة ضوئية بما يعني هو أكبر من كامل نظامنا الشمسي. قبل عشرين سنة، بدت الثقوب السوداء كخيال علمي أكثر من كونها حقيقة علمية. الآن لدينا سبب معقول للاعتقاد ان هناك ثقب اسود في مركز كل مجرة، بما في ذلك مجرتنا (مجرة التبانة). لذا فان الثقوب السوداء ليست فقط حقيقية، وانما هي امر شائع. السؤال الآن هو هل الثقوب السوداء تبتلع النظرية الكونية للانفجار العظيم Big Bang؟

الفلكي (Edwin Hubble)، مع ان اسمه بارز في الكوزمولوجي (علم الكون) لكنه لم يخترع فكرة تمدّد الكون. الفضل في تلك الفكرة تعود في الأصل الى امريكي آخر هو (Vesto Slipher ) الذي اقترح عام 1912 ان التحول الاحمر (red shift) (1) المُلاحظ في طيف الضوء القادم من المجرات البعيدة هو ناتج عن حركتها البعيدة عن المراقب. طبقا له، ان الضوء القادم من المجرات البعيدة كان يمتد الى النهاية الحمراء للطيف لأن مصدره يتحرك بعيدا عنا. هو قارن التحول الاحمر في الضوء مع (تأثير دوبلر) Doppler effect (2) المُلاحظ في الموجات الصوتية، حيث مصدر الصوت يتحرك بعيدا عن المستمع (لنقل صافرة انذار الشرطي) منتجاً نغمة أعمق مما لو كان مستقرا. طوّر هابل فكرة سلبر عبر ترتيب وتحليل الضوء من عدة مجرات. هو عرض نتائجه في شكل بياني نُشر عام 1929، والذي كشف نموذجا: كلما كانت المجرة اكثر بعدا، كلما كان التحول الاحمر في ضوئها أشد، ولذلك تكون سرعتها بعيدا عنا أكبر. تلك العلاقة بين المسافة والسرعة تُعرف (بقانون هابل). ولكن مع ان النموذج العام تأكد في جميع الملاحظات، لكن نفس النسبة بين المسافة والسرعة والتي تُسمى ( ثابت هابل)، اتضح من الصعب تحديدها، وان ذلك الفشل قاد النظرية الكونية الى طريق مسدود.

ان فكرة تمدد المجرات البعيدة عنا قاد الى استنتاجات محددة في علم الكون.

اولاً، اذا كانت جميع المجرات تتمدد الآن، فنحن نستطيع نظريا إعادة الساعة الى الوراء لنجد نقطة بدء مشتركة.

ثانيا، اذا كنا نلاحظ المجرات تتمدد في جميع الاتجاهات بعيدا عنا، عندئذ فان نقطة البدء المشتركة هذه يجب ان تكون حيثما نحن فيه الآن. غير ان الاستنتاج الثاني هو غير مقبول لأنه يتعامل مع الارض كمكان خاص جدا – مركز الكون. ولكن كيف نستطيع تجنب هذه الانتقائية؟.

الجواب كان إعادة تفسير التمدد ليس كحركة فيزيائية في فضاء نيوتني ثابت، وانما كتوسع بالفضاء ذاته في كون اينشتايني متغير. الفرق هو ان علم الكون كما يفهمه نيوتن هو لا محدود في جميع اتجاهات الفضاء: بُعد الزمن ايضا غير محدود، في كل من العودة للماضي والتقدم نحو المستقبل. الصاروخ النيوتني الذي يُطلق للفضاء ويحتفظ بخط مستقيم سوف يسافر الى الابد. بالمقابل، الكون طبقا لاينشتاين هو محدود، ويتشكل بالمادة التي يحتويها. المادة تحني الزمكان، وان التوسع بالمادة يدفع الزمكان للتمدد معها. ونظراً لإنحناء الزمكان، فان الصاروخ الاينشتايني المنطلق نحو الفضاء سوف يعود بالنهاية الى نقطة البداية. (هابل) وأتباع نظرية الانفجار العظيم من الكوسمولوجيين استنتجوا انه بدلا من ان تكون المجرات ذاتها تتحرك بعيدا عنا، فان الفضاء بين المجرات هو الذي يتمدد. التمدد يسبب تحولا أحمر لأن الضوء له سرعة ثابتة ولهذا فان الضوء الذي نلاحظه يكون قد امتد ليملأ الفضاء المتزايد. ونظراً لأن التوسع يحدث في كل مكان، فان نفس التحول الاحمر ونفس التمدد الظاهر سوف تتم ملاحظتهما، لا يهم أين تحصل الملاحظة في الكون. بكلمة اخرى، لم يكن كوكب الارض في مركز الكون أكثر من أي مكان آخر.

العودة الى الأصل

ان نظرية تمدد الكون بالفعل تعني انه لو قمنا بإعادة الساعة الى الوراء فان الزمكان ذاته يتقلص الى مصدر مكثف. كل شيء ينشأ من تلك البيضة الاولى: المكان، الزمان، المادة، الطاقة التي برز منها كوننا الحالي، كلها لاتزال تتمدد.

كوسمولوجيا الانفجار العظيم هو مضاد للبديهة لدى البعض لأنه يفترض نقطة بداية للكون. كنا منذ وقت طويل اعتدنا على فكرة ان النجوم تتشكل من الغاز والغبار بسبب الجاذبية، ثم تشتعل كردود فعل نووية، وبالنهاية تحترق تاركة الغاز والغبار اللذان سيُعاد تحويلهما الى نجوم اخرى. الشيء ذاته ربما يصح على المجرات، هي ايضا تتشكل من غاز وغبار ومن ثم تنطعج نحو الداخل حتى تنفجر في النهاية. هذه العملية لا نهاية لها، وهي عكس كوزمولوجيا الانفجار العظيم، لا تتطلب نقطة بداية. تلك الرؤية كانت الاساس في كوزمولوجيا الحالة الثابتة(3)، كما اقترح ( Fritz Zwicky) وآخرون منذ الثلاثينات. تحدّى Zwicky الافتراض بان التحول الاحمر ناتج عن المسافة التي قطعها الضوء، ولهذا فان نظريته اطلق عليها "الضوء المتعب" tired light. هذا اوضح بنجاح لماذا المجرات الاكثر بعدا تمتلك اعظم تحولا احمرا – الضوء المنطلق منها قطع أعظم مسافة. غير ان زويكي لم يصل الى اطار رياضي مقنع لنظريته، لذا فان نظريته خسرت المنافسة امام الانفجار العظيم.

توفي ادون هابل عام 1953. علم الفلك قطع خطوات كبيرة منذ ذلك الوقت – بعضها الى القمر. نجوم الـ (Quasars) و (Pulsars) جرى اكتشافها(4). الاقمار الصناعية تم وضعها في مدار حول الارض، بما فيها تلسكوب هابل الفضائي، وحصل الفلكيون من البعثات الاستكشافية المرسلة الى الفضاء على صور تفصيلية عن كواكب اخرى مع اقمارها. المركبة الفضائية فويجر التي بدأت في السبعينات خرجت من النظام الشمسي، وهي الآن تسافر في فضاء ما بين النجوم. خرائط المجرات كشفت عن تراكيب واسعة النطاق تستلزم عدد هائل من المجرات، على سبيل المثال، الحائط الكبير الذي تم اكتشافه عام 1989.

احدى الاكتشافات الهامة جدا لدى الكوزمولوجيين حدثت عام 1964. هذا كان على شكل صفير راديوي ضعيف المستوى لوحظ في جميع الاتجاهات في الكون: وجود الاشعاع الكهرومغناطيسي الكوني ((CMBR (5) تنبأت به نظرية الانفجار العظيم، ولهذا فان اكتشافه جرى التعامل معه كتأكيد للنظرية. قيل انه شفق للانفجار الكوني الاول، عندما سبق انفجار الضوء قذف المادة، وبالتالي وجود الاشعاع المنتظم في جميع انحاء الكون.

غير ان الشكوك اللاحقة بدأت تتسلل منبثقة من ذلك الغموض. هذه الشكوك عُرفت بـ "مشكلة الافق"the Horizon Problem. الخوف هو انه مع تمدد الكون، فان اجزاء من الفضاء التي كانت متعاكسة تماما ستتجاوز فورا النقطة التي يمكن بها تبادل المعلومات بسرعة الضوء، ولذلك كانت قُطعت كليا من بعضها البعض. ولكن اذا كانت مختلف اجزاء الكون منعزلة جدا، كيف سيأتي الاشعاع الكهرومغناطيسي الكوني متشابها في كل الاتجاهات؟ لغرض التشبيه تصوّر حياة تنشأ في كوكب آخر مقطوع تماما من الارض. فما هو احتمال ان تكون الحياة المتشكلة هناك مشابهة لتلك الموجودة على الارض؟ لا احتمال لذلك ابدا.

هناك حل بديل مرتكز على استنتاجات القمر الصناعي لبعثة ناسا الفضائية COBE في السبعينات – بمعنى ان الاشعاع الكهرومغناطيسي الكوني ليس موحدا ابدا. نتائج بعثة COBE جرى تنقيحها في خارطة توضح التغيرات في الاشعاع الكهرومغناطيسي الكوني عبر السماء. من المدهش ان الخارطة الجديدة جرى التعامل معها كدليل لتفضيل نظرية الانفجار العظيم، تماما مثلما كان الانتظام الاصلي في الاشعاع الكهرومغناطيسي الكوني. يبدو ان نظرية الانفجار العظيم لن تخسر. ولكن مشكلة اخرى حدثت بشكل غير متوقع. التحول الاحمر للمجرات البعيدة يبدو الان يبين انها ليست مجرد تبتعد وانما تسرع بعيدة عنا. ونظرا لأن نظرية الانفجار العظيم غير قادرة على توضيح هذا، لذا فان الاقتراح الآن هو ان هناك كمية هائلة من "طاقة معتمة"غير مكتشفة، تتصرف كقوة طاردة تدفع المجرات عن بعضها. وبما ان الانفجار العظيم يتطلب المزيد من الاجراس والصافرات ليجعل الرياضيات صحيحة، فان اعادة تفكير كوني ربما هي الآن مناسبة.

الكسوف بالمادة المعتمة

تطور دراماتيكي في علم الفلك كان ادراك ان ما لا يُرى هو أغزر بكثير مما نستطيع رؤيته. فمثلا، نحن لا نستطيع عادة ان نرى الثقب الاسود لأن جاذبيته قوية جدا لدرجة لا ضوء يستطيع الهروب منه. علينا ان نستدل على وجوده من خلال تأثيره على الأجسام المجاورة، والتي هي النجوم.

لعدة سنوات كان يُظن ان الثقوب السوداء مجرد احتمال خيالي. لكن الدراسات وجدت دليلا على وجود الثقوب السوداء في مركز كل مجرة، بما فيها مجرتنا. الثقوب السوداء كان يُظن في الاصل انها حالة ثابتة، لكن العمل النظري لستيفن هاوكنك بيّن انها تسرّب الاشعاع، وبالنهاية تتبخر. اكبر الثقوب السوداء سميت "العملاق" Supermassive، وهي هائلة، ثقوب 87M، مثلا، هي بقطر 40 بليون كيلومتر ولذلك هي اكبر من النظام الشمسي. انها تمتلك كتلة بمقدار ستة بلايين ونصف مرة اكبر من الشمس.

مثلما حصل مع الثقوب السوداء، جرى افتراض وجود المادة المظلمة قبل وقت طويل من القبول بها. في عام 1933، كان (زويكي) يدرس مجموعة كوما المجرية. هو اعتبر ان افضل توضيح لما لاحظ هو ان هناك المزيد من وجود "المادة المظلمة" قياسا بالمادة المرئية. هو قصد بهذه المادة تلك التي لا تكشف عن وجودها الاّ من خلال تأثيرات الجاذبية.

دخلت الفكرة في سبات لمدة 40 عاما. لاحقا في عام 1973 وجد العالمان Jeremiah Ostriker و James Peebles ان محاكاة كومبيوترهما لتكوّن المجرة يُنتج شكل ذراع حلزوني شائع بين المجرات فقط اذا احتوت على كمية كبيرة من المادة المظلمة. ونفس الشيء، عندما درس كل من Vera Rubin و Kent Ford سرعة دوران المجرات، هما استنتجا ان الدوران لا يمكن توضيحه بدون كميات كبيرة من المادة المظلمة. الفلكيون يعتقدون الآن ان المادة المظلمة في الكون هي اكثر بكثير من المادة العادية. ماهية هذه المادة بالضبط لاتزال عرضة للنقاش.

الاكتشافات الاخيرة المتعلقة بالثقوب السوداء وبالمادة المعتمة يمكن القول انها ترقى الى تغيير الاساس الذي ترتكز عليه حجج نظرية الانفجار العظيم: هناك المزيد من المادة في الكون قياسا بما اُعتقد سابقا، وذلك يعني هناك المزيد من الجاذبية ايضا. هذه الاكتشافات يجب ان تغيّر تصوّرنا لرحلة الضوء عندما يسافر من مجرة اخرى الى مجرتنا. اولاً، يُسحب الضوء مرتداً بفعل جاذبية المجرة التي يرحل منها، ثم يسافر عبر تدخلات مجالات الجاذبية، اخيرا، يُسحب الى الداخل بفعل جاذبية مجرة التبانة. لذا فان الجاذبية بجميع اشكالها ربما هي التي تسبّب التحول الأحمر، وليس الحركة، وهي الحالة التي لا نحتاج بها للافتراض ان الكون يتمدد. ربما قفز (سلبر) الى الاستنتاج الخاطئ عام 1912، وكان على (هابل) ان ينظر قبل ان يقفز خلفه.

من الملفت اننا ربما في نقطة التحول من انموذج علمي scientific paradigm الى انموذج آخر. تماما مثلما سمح علم الفلك البطليموسي بالثورة الكوبرنيكونية، كذلك نظرية الانفجار العظيم ربما على وشك ان تفسح الطريق لنظرية كونية مرتكزة على الجاذبية والمادة المظلمة. انها ستكون ثورة بنفس الأهمية. نظرية الانفجار العظيم اعطتنا كونا له نقطة بداية وتاريخ منفرد، بينما الكون الجديد ينطوي على العودة الى اللانهائية – كون ليس له بداية ولا نهاية، يُعيد استخدام المادة والطاقة في دورة أبدية فيها تندمج المجرات والتراكيب المجرية، ثم تستمر، تنفجر او تتبخر وتتشتت، فقط لتندمج مرة اخرى في مكان آخر.

الانفجار العظيم جسّد مستوى للكون لأنه اكتسب مظهر الحقيقة المؤسسة. لكن العلم يستمر بالتقدم الى الأمام، مكتشفا حقائق جديدة، يعيد مراجعة نظرياته في ضوء تلك الاكتشافات. مثل فيلم تيتانك، الذي يتحدث عن غرق السفينة، أطلق عليه اسم "لا تغرق"، كذلك الانفجار العظيم ربما أصاب جبل الجليد المعتم العملاق. لكننا لازلنا ننتظر تطورات اخرى ذات أهمية.

..........................................
المصادر
(1) Return To Infinity, Philosophy Now April/May2020
(2) Wikipedia The Free encyclopaedia
(3) SPACE.com
الهوامش
(1) التحول الاحمر هو التغيير في طول موجة الضوء. زيادة طول الموجة يعني انها تصبح اكثر احمرارا، الفلكيون يستعملون التغير الاحمر لقياس المسافة الى المجرات البعيدة جدا. كلما كان الجسم بعيدا كلما كان لونه اكثر حمرة. امثلة على التحول الاحمر هو اشعة غاما التي تُفهم كاشعة اكس راي، او الضوء المرئي الذي يُفهم كموجات راديو. المضاد للتحول الاحمر هو التحول الازرق وفيه طول الموجة يقل مع تزايد الطاقة.
(2) تأثير دوبلر هو عبارة عن الزيادة او النقصان في تردد الصوت او الضوء او الموجات الاخرى عندما يتحرك المصدر او المراقب اما باتجاه او بعيدا عن بعضهما.
(3) في اواسط القرن العشرين، كانت هناك نظريتان متنافستان عن اصل الكون. نظرية الحالة الثابتة The state theory التي ترى ان المادة تُخلق باستمرار لأنه مع تمدد الكون تبقى الكثافة الكلية للكون كما هي والكون يبقى موجودا الى الأبد. اما نظرية الانفجار العظيم ترى ان الكون المتسع يجب ان يكون شديد الكثافة في الماضي، ولذلك في البداية الاولى يجب ان يكون الكون نقطة من الكثافة اللّامتناهية. الفلكيان Penzias و Wilson افترضا ان نظرية الانفجار العظيم اذا كانت صحيحة، فان الكون سيكون مملوءا بالاشعاع المتبقي منذ حدوث الخلق.
(4) Quasar هو جسم سماوي مندمج شبيه بالنجوم له قوة اكبر من مجرتنا بالكامل. يُعتقد انه أقدم وأبعد شيء مكتشف حتى الان، هذه الاجسام تبعد بلايين السنوات الضوئية عن الارض وتتحرك بعيدا عنا بسرعة تبلغ حوالي 80% من سرعة الضوء. لهذا السبب، تُعتبر كاسار هامة جدا للفلكيين في فهم الكون المبكر. القليل يُفهم الآن حول طبيعة الكاسار، احدى النظريات ترى انها نتاج لثقوب سوداء عملاقة تحطم كميات هائلة من المادة، مسببة الطرد اللاحق للاشعاع على طول القطبين الشمالي والجنوبي. العديد من الفلكيين يعتقدون ان الكاسار تمثل المرحلة الاولى من تطور المجرات بما فيها مجرتنا.
(5) الاشعاع الكهرومغناطيسي الكوني هو اشعاع يملأ الكون ويمكن تحسسه في كل اتجاه. موجات المايكرو هي غير مرئية بالعين المجردة لذا لا يمكن رؤيتها بدون وسيلة. الاشعاع الكهرومغناطيسي كونه نشأ بعد وقت قصير من خروج الكون الى الوجود اثناء الانفجار العظيم، فهو يمثل أول اشعاع يمكن اكتشافه. الفلكيون ربطوا الاشعاع برؤية ضوء الشمس مخترقا السماء الملبدة بالغيوم.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4