مع تزايد وتيرة محاولات الوصول إلى أوروبا بشكل غير شرعي عن طريق البحر المتوسط، تزايدت حوادث غرق المهاجرين التي وصلت بحسب بعض التقارير الى أرقام مخيفة حولت هذا البحر إلى مقبرة كبيرة، حيث يرى بعض المراقبين ان استمرار الصراعات والأزمات الاقتصادية في العديد من الدول، ستدفع المزيد من الأشخاص الى اختيار طريق الهجرة وركوب قوارب الموت، التي تديرها عصابات متخصصة بتهريب البشر تجني من خلالها أموالا طائلة مقابل تسهيل عبور المهاجرين. وتشكل ليبيا اليوم وبسبب حالة الفوضى التي تعيشها منذ سقوط نظام الزعيم الليبي معمر القذافي، الوجهة الأولى لطالبي اللجوء السري نحو أوروبا التي سعت هي الأخرى، الى تشديد قوانينها وإجراءاتها الرقابية من اجل الحد من تفاقم أعداد المهاجرين غير الشرعيين، وغالبا ما تنتهي رحلة الهجرة الشاقة بالموت في عرض البحر، حيث يتطلب الوصول إلى إيطاليا انطلاقا من ليبيا قطع مسافة 300 كيلومتر على متن قوارب متهالكة لا تقوى على مواجهة هيجان البحر.

وفي هذا الشأن قالت المنظمة الدولية للهجرة إن ما لا يقل عن 365 مهاجرا غرقوا في الأيام القليلة الماضية بالبحر المتوسط في ستة حوادث ليصبح عدد من لاقوا حتفهم في نوفمبر تشرين الثاني أكبر ست مرات منه في نفس الشهر قبل عام. وقال ليونارد دويل المتحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة في تصريحات صحفية في جنيف "هذه فاجعة حقيقية على مرأى من الجميع... نرى مشاهد مأساوية لزوارق مطاطية تغرق تحت مياه البحر المتوسط في الشتاء." وأضاف أن معظم الغرقى مواطنون من غرب أفريقيا غادروا ليبيا متجهين إلى إيطاليا.

مقبرة كبيرة

من جانب اخر قالت منظمات إغاثة إن عدد الغرقى الذين لقوا حتفهم في البحر المتوسط قارب العدد المسجل في العام الماضي بأكلمه حيث غرق أكثر من 3740 مهاجرا ولاجئا في طريقهم إلى أوروبا رغم أن أشهر الشتاء المحفوفة بالمخاطر لم تبدأ بعد. وذكرت المنظمات أن المهربين يرسلون الآن الآلاف على متن قوارب مطاطية متداعية من ليبيا إلى إيطاليا في رحلات جماعية ربما ليقلصوا مخاطر الإمساك بهم لكن هذا يصعب أيضا مهام فرق الإغاثة.

وذكرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إن 3740 شخصا على الأقل لقوا حتفهم حتى الآن وهو ما يقارب العدد المسجل على مدار العام 2015 والبالغ 3771 شخصا عندما خاض أكثر من مليون شخص -أي ما يماثل ثلاثة أمثال عدد المسافرين حاليا- الرحلات البحرية. وقال وليام سبندلر المتحدث باسم المفوضية في إفادة صحفية "هذا أسوأ ما شهدناه على الإطلاق حتى الآن في البحر المتوسط" مضيفا "يمكن القول إن معدل الوفيات زاد إلى ثلاثة أمثاله."

وقال خفر السواحل الإيطالي إن حوالي 2200 مهاجر نقلوا إلى بر الأمان في وسط البحر المتوسط في 21 مهمة إنقاذ كما انتشلت 16 جثة. وذكرت المنظمة الدولية للهجرة أنه يجري نقل 17 جثة على الأقل إلى إيطاليا بعد حوادث غرق مماثلة في مطلع الأسبوع. وقال جو ميلمان المتحدث باسم المنظمة "قال لنا شهود إنه قد يكون هناك آخرون كثيرون. ربما وقعت حوادث غرق أخرى لقوارب في مطلع الأسبوع ونحن في طور جمع المعلومات عن ذلك." بحسب رويترز.

وتحول الطريق من ليبيا إلى إيطاليا عبر وسط البحر المتوسط إلى المسار الرئيسي للاجئين منذ الاتفاقية التي أبرمها الاتحاد الأوروبي في مارس آذار مع تركيا لإغلاق المسارات البحرية المؤدية إلى اليونان. وقال سبندلر إن حالة وفاة واحدة تسجل مقابل كل 47 مهاجرا أو لاجئا يحاولون القيام بالرحلة بين ليبيا وإيطاليا. وأضاف "التهريب بات تجارة كبيرة وينظم على مستوى ضخم. باتوا الآن يرسلون عددا من القوارب في نفس الوقت وهذا يصعب الأمر على طواقم الإغاثة لأنه ينبغي لهم إنقاذ عدة آلاف على متن مئات القوارب." وتابع قوله "لكن عندما يكون هناك هذا العدد الهائل من الناس في البحر على متن قوارب صالحة بالكاد للإبحار فمن الواضح أن المخاطر تزداد."

غرق 240 مهاجر

الى جانب ذلك قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة إن 240 مهاجرا على الأقل غرقوا قبالة السواحل الليبية في الثماني والأربعين ساعة فقط فيما قد يكون نتيجة غير مقصودة للجهود الأوروبية لوقف مهربي البشر وتدريب خفر السواحل الليبي. وقال ليونارد دويل كبير المتحدثين باسم المنظمة إن خمس سفن إنقاذ بالتنسيق مع خفر السواحل الإيطالي كانوا على مقربة من المهاجرين لكن على الرغم من محاولات إنقاذهم مات أغلبهم. وقال "قاربان مطاطيان. هذا ما كانا في الحقيقة .. قاربان مطاطيان كانا مكتظين بالمهاجرين عليهما أكثر من 300 شخص كما نعتقد ... استسلما للأمواج قبالة ليبيا في أحوال جوية سيئة للغاية."

وقال فيليبو جراندي المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إنه شعر "بحزن عميق بوقوع مأساة أخرى" وبأن العديد من الأرواح كان من الممكن إنقاذها إذا تطوعت دول أوروبية لاستقبال المزيد من اللاجئين بدلا من تركهم يخوضون رحلة القوارب الخطيرة. وأضاف في بيان "البحر المتوسط امتداد بحري قاتل للاجئين والمهاجرين لكنهم لا يزالون لا يرون أي خيار آخر سوى المخاطرة بأرواحهم لعبوره."

وقال فلافيو دي جياكومو المتحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة إن شهر أكتوبر تشرين الأول الماضي شهد صعودا في تدفق المهاجرين إلى إيطاليا حيث وصل 27388 وهو عدد أكبر من مجموع الذين وصلوا إلى إيطاليا خلال الشهر ذاته في العامين الماضيين مما جعل إجمالي عددهم هذا العام يتجاوز 158 ألف شخص. وأضاف أن المهربين الذين ينظمون رحلات الهجرة قالوا للمهاجرين إن تدريب الأوروبيين لخفر سواحل ليبيين يعني أن مهمات الإنقاذ ستنتقل قريبا إلى ليبيا وأن أي مهاجرين سيتم إنقاذهم قبالة السواحل الليبية سيتم إعادتهم إلى شواطئ ليبيا ولن يتم نقلهم إلى إيطاليا. بحسب رويترز.

وأوضح المتحدث أن ذلك ربما يكون السبب وراء الموجة الحالية من تدفق المهاجرين عبر القوارب على الرغم من سوء الأحوال الجوية. وقال ناجون من أحد القاربين إن مجموعة من المهاجرين تضم 20 امرأة وستة أطفال يعتقد أنهم من غرب أفريقيا بدأوا رحلتهم على متن قارب مطاطي من ليبيا حوالي الساعة الثالثة صباحا يوم الأربعاء لكن القارب غرق بعد بضع ساعات. ومع مرور الوقت وصل منقذون لكن بعد غرق معظم من كانوا على متن القارب. وتم انتشال 12 جثة من بينهم ثلاث لأطفال في حين نجا 27. وورد تقرير عن نجاة امرأتين في كارثة منفصلة وقعت تقريبا في الوقت ذاته لكن قاربهما كان يحمل نحو 130 شخصا.

إجراءات صارمة

في السياق ذاته قالت منظمة (سي ووتش) الإنسانية أن أفراد طاقم قارب سريع يحمل شعار "خفر السواحل الليبي" هاجموا قاربا يحمل قرابة 150 مهاجرا وضربوهم بالهراوات مما تسبب في سقوط عدد منهم في المياه وغرق أربعة على الأقل. وقال خفر السواحل الإيطالي إن عمال إنقاذ انتشلوا جثث ثلاثة آخرين من قارب مطاطي آخر وأنقذوا ما يصل إلى 3300 شخص من 24 قاربا في يوم واحد.

وقالت المنظمة ومقرها ألمانيا وهي واحدة من عدة منظمات غير حكومية تسير سفنا قبالة سواحل ليبيا إن الزورق السريع هاجم قارب المهاجرين قبل توجه زورق تابع للمنظمة لمساعدتهم. وقالت سي ووتش في بيان "التدخل العنيف من خفر السواحل الليبي تسبب في حالة ذعر جماعي على متن القارب المطاطي... دُمر أحد صمامات القارب المطاطي مما تسبب في سقوط غالبية المئة وخمسين شخصا إلى المياه." وقال روبن نوجباور المتحدث باسم سي ووتش إن طاقم المنظمة لا يزال ينفذ عمليات إنقاذ وانتشل بالفعل أربع جثث. بحسب رويترز.

وأنقذت سفينة (سي ووتش 2) 120 آخرين وفقد أربعة آخرون الوعي ويتلقون العلاج. وقال خفر السواحل الإيطالي إن تسع عمليات إنقاذ جارية تشارك فيها (سي ووتش). وقال متحدث باسم القوات البحرية الليبية في طرابلس إنه لم يسمع بالواقعة. وقال خفر السواحل الإيطالي ومتحدث باسم عملية الاتحاد الأوروبي لمكافحة التهريب (صوفيا) إنه لم ترد أي معلومات بشأن الهجوم. وفي أغسطس آب قالت منظمة أطباء بلا حدود التي لها سفن قبالة سواحل ليبيا إنها تعرضت لهجوم وإن رجالا مسلحين على زورق تابع للبحرية الليبية اعتلوا سطح أحد سفنها. وقالت البحرية الليبية إنها أطلقت "طلقات تحذيرية" لأنها ظنت أن الزورق متورط في عملية لتهريب البشر.

حادثة وتحقيقات

على صعيد متصل قال مدير وكالة الشرطة الأوروبية إنه "سينظر مجددا" في أكبر حادث غرق لسفينة مهاجرين في البحر المتوسط هذا العام بعد أن كشف تحقيق لرويترز وبرنامج (بي.بي.سي. نيوزنايت) عن وجود ثغرة في رد فعل جهات إنفاذ القانون للحادث. وقال روب وينرايت مدير الشرطة الأوروبية (يوروبول) إن الوكالة ستعيد النظر في الواقعة في ظل "غياب أي أجوبة واضحة". وذكر وينرايت أن تحقيق رويترز في الحادثة التي وقعت في التاسع من أبريل نيسان وغرق فيها ما يقدر بنحو 500 شخص أثار تساؤلات "غير مريحة". وخلص التحقيق إلى أنه لم تحاسب أي هيئة رسمية سواء كانت وطنية أم دولية أي شخص فيما يتعلق بالغرقى ولم تفتح تحقيقا في الواقعة.

ولم ينج سوى 37 شخصا عندما انقلبت سفينة صيد مصرية بعد أن حمل طاقمها من المهربين عددا كبيرا من المهاجرين من قارب أصغر. وقال الناجون الذين وصلوا اليونان في نهاية المطاف يوم 16 أبريل نيسان إن المهربين لاذوا بالفرار وتركوا أكثر من مئة شخص كانوا لا يزالون على قيد الحياة في البحر. وأضاف الناجون أن المهربين استخدموا القوة لمنع الناجين على متن القارب الصغير من إنقاذ الآخرين. ومن بين القتلى ما يقدر بنحو 190 صوماليا و150 إثيوبيا و80 مصريا ونحو 85 شخصا من السودان وسوريا ودول أخرى.

وفي مقابلات مع رويترز و(بي.بي.سي نيوزنايت) قال وينرايت إن وكالته كان ينبغي أن تحقق في الواقعة وإن التحقيقات الإعلامية "ربما كشفت ثغرة في الاستجابة الجماعية لأوروبا" لمثل هذه الحالات. ولم تحقق إيطاليا التي كانت السفينة متجهة إليها في الواقعة وكذلك اليونان حيث وصل الناجون. وقضى البلدان بأنه لم ترتكب جريمة في نطاق اختصاصهما القضائي.

وكذلك لم تفتح أي تحقيقات من أي هيئة تابعة للأمم المتحدة أو من وكالة الحدود التابعة للاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي أو حتى قوة عمل الاتحاد الأوروبي البحرية في البحر المتوسط. وقالت كل هذه الجهات إن التحقيق في الواقعة ليس ضمن اختصاصها. واستطاعت تحديد هوية مالكي السفينة المنكوبة وزعماء العصابة المسؤولين عن الرحلة كما تعرفت على "سماسرة مهربي البشر" الذين جمعوا المهاجرين في القاهرة والإسكندرية وأخذوا أموالهم.

وكشف التحقيق أيضا أنه تحت ضغط من مهربين كذب بعض الناجين في البداية بشأن رحلتهم وقالوا إنهم تحركوا من طبرق في ليبيا وليس من الإسكندرية في مصر نقطة الانطلاق الحقيقية. وفي مصر قال خالد النشار مساعد وزير العدل للشؤون البرلمانية والإعلامية إنه لا يستطيع تأكيد ما هي التحقيقات التي أجريت بشأن واقعة أبريل نيسان. لكنه قال إن مصر أقرت قوانين جديدة لمكافحة الهجرة غير المشروعة وإنها عازمة على التصدي للمهربين. وقال إنه لا يستبعد اتخاذ مزيد من الإجراءات بشأن واقعة الغرق في أبريل نيسان مضيفا "لو ثبت حدوث مثل تلك الجرائم فمصر بالتأكيد لن تتوانى عن إجراء التحقيقات اللازمة للكشف عنها وضبط مرتكبيها وتقديمهم للعدالة." ويعتقد بعض المحامين المصريين أن تحركات المهربين ربما ترقى إلى جريمة قتل. وقال المحامي صبري طلبة الذي وكلته أسر بعض المتوفين لتمثيلها "وضع 500 شخص على هذا الزورق جريمة قتل ولا يمكن وصفها بغير ذلك."

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0