ما تزال الحكومة الألمانية التي تترأسها المستشارة أنجيلا ميركل، تواجه العديد من التحديات والمشكلات المهمة التي ازدادت بشكل كبير بسبب أزمة اللاجئين في السنة الماضية، إذ استقبلت هذه الدولة التي اعتمدت سياسة الباب المفتوح، اعداد كبيرة الكثير من اللاجئين لم تسجله أي دولة أوروبية على الإطلاق. فأزمة اللاجئين تعد تحدي حقيقي تواجهه المستشارة ميركل التي تواجه اليوم ضغوطات وانتقادات كبيرة ليس فقط من خارج ألمانيا ولكن حتى من داخل الائتلاف الحاكم وفي حزبها المسيحي الديمقراطي نفسه ثم من قبل الحزب الشريك لحزبها المسيحي الاجتماعي، الأمر الذي دفع الحكومة الى اعتماد سياسة جديدة لمنع تدفق اللاجئين مع المطالبة بتحديد أعدادهم، هذا بالاضافة الى اتخاذ اجراءات وقوانين أخرى، أسهمت وبحسب بعض المراقبين بزيادة معاناة اللاجئين والمهاجرين، خصوصا بعد تصاعد المخاوف من دخول عناصر من تنظيم داعش إلى البلاد.

وتشير بعض التقارير الحكومة الألمانية فقدت أثر مئات الآلاف من المهاجرين الذين دخلوا إلى البلاد في عام 2015. وأفادت قناة 'إن24' التلفزيونية بأنَّ نسبة تقارب 50% من "طالبي اللجوء" قد تواروا عن الأنظار. كما أفادت صحيفة 'زاربروكر تسايتونغ' أنَّ ما قد يصل إلى 30% من المهاجرين الذين آوتهم ولايات براندنبورغ وتورينغيا وساكسوني-أنهالت في شرق ألمانيا «قد اختفوا، ببساطة». ومن ناحية أخرى، تقدِّر السلطات الألمانية أنَّ هناك مئات الآلاف من المهاجرين الذين دخلوا إلى البلاد دون تسجيل، ولا يُعرف مصيرهم. ويرى البعض ان المهاجرين قد تسببوا في ارتفاع معدلات الجريمة في ألمانيا وهو ما تسبب في تأجيج المشاعر المناهضة للمهاجرين.

وفيما يخص اخر تطورات هذا الملف قال مسؤول كبير في الحزب الديمقراطي الاشتراكي الشريك الأصغر في الحكومة الألمانية الائتلافية إن الحزب سيعلن عن نظام مقترح يعتمد على النقاط لتنظيم الهجرة. وقال توماس أوبرمان الذي يتزعم الكتلة البرلمانية للحزب إن الهدف هو الموافقة على القانون الجديد الذي ينظم عملية هجرة العمال المهرة من خارج دول الاتحاد الأوروبي قبل الانتخابات العامة المقررة في سبتمبر أيلول 2017.

وقال أوبرمان لصحيفة بيلد أم زونتاج "جوهر القانون هو نظام نقاط على غرار النظام الكندي". وأضاف أن القانون لن يغير القواعد الخاصة باللاجئين والمهاجرين المتقدمين للحصول على اللجوء في ألمانيا. وتابع أن الخطة ستقيم طلبات الهجرة استنادا إلى السن والتعليم والخبرة العملية والمهارات اللغوية والقدرة على الاندماج في المجتمع الألماني مع هدف السماح بدخول 25 ألف مهاجر في السنة الأولى.

وقال أوبرمان للصحيفة إنه سيتم إعادة تقييم الرقم المستهدف من العمال المهرة سنويا على أساس احتياجات سوق العمل الألمانية. وسيسمح للمهاجرين الذين يكسبون ما يكفي لإعالة أسرهم بجلب أزواجهم وأولادهم. لكن القانون الجديد سيحرم المهاجرين من الحصول على مساعدات أو مزايا الرعاية الاجتماعية خلال الخمس سنوات الأولى من دخولهم ألمانيا ما لم يدفعوا ما يكفي من المساهمات. ويأتي الاقتراح في وقت تعيد فيه ألمانيا تقييم سياساتها الخاصة بالهجرة بعد تدفق قرابة 900 ألف لاجئ العام الماضي معظمهم فروا من الحرب والعنف في سوريا والعراق وأفغانستان وبينما تصارع البلاد لتوفير مطالب سوق العمل في ظل ارتفاع معدلات الشيخوخة.

إعادة المهاجرين

من جانب اخر قالت صحيفة فيلت ام زونتاج الألمانية إن وزارة الداخلية الألمانية تريد منع المهاجرين من الوصول إلى ساحل أوروبا المطل على البحر المتوسط من خلال اعتراضهم في البحر وإعادتهم إلى افريقيا. وفيما سيكون تحولا كبيرا بالنسبة لبلد يطبق واحدة من أكثر السياسات سخاء في مجال اللاجئين تقول الوزارة إنه يجب على الاتحاد الأوروبي انتهاج نظام على غرار النظام الاسترالي يتم بمقتضاه إرسال المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر إلى مخيمات في دول ثالثة للنظر في طلبات لجوئهم.

ونقلت الصحيفة عن متحدثة باسم الوزارة قولها إن "استبعاد احتمال الوصول إلى الساحل الأوروبي قد يقنع المهاجرين بتجنب القيام بهذه الرحلة التي تنطوي على تهديد للحياة بالإضافة إلى أنها مكلفة في المقام الأول. "يجب أن يكون الهدف هو إزالة الأساس الذي تقوم عليه منظمات تهريب البشر وإنقاذ المهاجرين من تلك الرحلة التي تنطوي على خطر على الحياة."

ويدعو اقتراح الوزارة إلى إرسال المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر المتوسط والذين جاء معظمهم من ليبيا التي يمزقها الصراع إلى تونس أو مصر أو دول أخرى بشمال افريقيا لتقديم طلب للجوء من هناك. وإذا قُبلت طلباتهم للجوء يمكن نقل المهاجرين بسلام إلى أوروبا وقتئذ. وقالت الوزارة إنه لا توجد خطط أو مناقشات ملموسة على مستوى الاتحاد الأوروبي لهذا الاقتراح ولكن ساسة المعارضة أدانوا هذه الخطة. بحسب رويترز.

وقال بيرند ريكسنجه زعيم حزب اليسار المعارض إنها ستكون "فضيحة إنسانية وخطوة أخرى نحو إلغاء حق اللجوء." وقال إنه يجب تقديم طلبات اللجوء في ألمانيا لضمان حصول مقدمي الطلبات على مساعدة قانونية ووصف طريقة معاملة استراليا للاجئين بأنها "غير مقبولة تماما."

اليمين المتطرف

على صعيد متصل تزايد معدل الاعتداءات التي تعرض لها اللاجئون، وبالأخص منهم السوريون، في شرق ألمانيا خلال عام 2015 أكثر من ثلاثة أضعاف بالمقارنة مع عام 2014، وذلك مع تزايد الاتجاه إلى اليمين المتطرف في هذه المنطقة من البلد الذي استقبل أكبر عدد من اللاجئين خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي دفع بعض هؤلاء اللاجئين للتفكير في ترك الأراضي الألمانية. وتعرض أحدهم للرشق بعبوة بيرة في قطار، وأفاق آخر ليلا ليجد ثلاثة رجال يهددونه بعصي خشبية، بينما تعرضت امرأة في الشارع لنزع حجابها على يد رجل. بعد سنة من وصولهم، يفكر بعض اللاجئين بمغادرة ألمانيا بسبب مشاعر العداء والكراهية التي تواجههم.

ويقول فارس قصاص الذي حصل على اللجوء في ألمانيا أنه يفكر الآن بالانضمام الى أهله في تركيا، "الوضع مخيف هنا. رشقني الرجل بالعبوة بينما كان باب القطار يغلق. لم أستطع فعل شيء". ويقول محمد الخضري "أتعرض للكثير من الضغوط ما سبب لي مشكلة في المعدة". ومنذ أن رأى سيارة تتوقف بالقرب منه ونزل منها رجال مستعدون للعراك، لم يعد محمد الذي يعمل مساعد طبيب أسنان يجرؤ على الخروج بعد السادسة مساء. ويتواجد فارس ومحمد في مقاطعة ساكس في شرق ألمانيا حيث تصاعدت نسبة أعمال العنف العدائية التي يرتكبها اليمين المتطرف ثلاث مرات السنة الماضية، لترتفع إلى 784 حادثا مقابل 235 في 2014.

ولدى زيارتها المنطقة خلال العيد الوطني في الثالث من تشرين الأول/أكتوبر، استقبلت المستشارة أنغيلا ميركل بالتنديد والسباب بسبب سياسة الانفتاح التي انتهجتها إزاء المهاجرين، وباتت حكومتها قلقة من تنامي العنصرية التي باتت تستحوذ على المجتمع وتهدد السلم الاجتماعي في شرق ألمانيا. ويقول الخضري الذي يسعى جاهدا للانتقال إلى غرب ألمانيا "لا تصلح مناطق الشرق لعيش اللاجئين. يصعب هنا العثور على مسكن ولا يوجد عمل ولا تواصل مع السكان".

ويقول رجل في الخمسين من عمره لدى سؤاله عن موقفه من اللاجئين في ساكس، "عليهم أن يرحلوا". ويقول إنريكو شفارتز الذي يدير جمعية لمساعدة اللاجئين "لطالما عانينا من العنصرية والتطرف اليميني الكامنين في المجتمع الألماني، ولكنهما باتا ظاهرين اليوم". وانقسم المجتمع الألماني بعد وصول نحو 890 ألف لاجئ ومهاجر إلى البلاد السنة الماضية، وازدادت المخاوف إزاء هؤلاء القادمين الجدد في مقاطعات الشرق التي تعاني من البطالة ويغادرها شبابها. وتقول الكاهنة إردموت غوستكي من قرية هيدينو في ساكس التي شهدت تظاهرات عنيفة ضد الهجرة في 2015، إن وصول اللاجئين أحدث تغييرا في حياة السكان.

وتضيف "ما يريدون قوله هو دعونا وشأننا، نحن بالكاد قادرون على تدبر أمرنا منذ توحيد ألمانيا، وها نحن نواجه الآن تحديات جديدة‘"، مشيرة إلى ضرورة الأخذ في الاعتبار أن "البعض لم يتعلموا بعد كيف تعمل الديموقراطية حقا" في مناطق الشرق التي كانت تشكل ألمانيا الشرقية سابقا وكانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي. ويلقي الناشط في مساعدة اللاجئين مارك لالوند اللوم كذلك على الإنترنت بقوله "قبل انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، ربما كان الناس عنصريين لكنهم كانوا يحتفظون بذلك لأنفسهم. اليوم يكفي أن يكون لديهم جهاز كمبيوتر وأن يذهبوا إلى فيسبوك ليعرفوا أنهم ليسوا وحدهم". فرانس برس.

ويتوجه لالوند كل أسبوع إلى قرية كلوسنيتز الصغيرة التي لم يكن أحد ليسمع بها لولا مهاجمة حشد غاضب فيها في شباط/فبراير حافلة تقل لاجئين. وتقول سعدية عزيزي، طالبة لجوء أفغانية، "كانوا يصرخون ويقولون عبارات مثل -سنقتلكم-. كانوا سكارى، خفنا كثيرا". وبالإضافة إلى الخوف، يعاني نحو عشرين لاجئا لا يزالون في كلوسنيتز من العزلة والسأم رغم تعاطف بعض السكان، مثل زملاء لؤي خاتون (15 عاما) الذين يساعدونه في إتمام واجباته المدرسية. ويقول لؤي قبل أن يصافح زوجين مسنين، "لا يوجد نازيون هنا". ويعبر مارك لالوند عن الأسف لأن تطغى أعمال العنف على الجهود المبذولة لمساعدة اللاجئين على الاندماج. ويضيف "عندما أسمع عن هجوم جديد، يشكل ذلك حافزا لي لأنه يعني أن أمامنا المزيد من العمل. لا يمكن أن نستكين".

مساعدة الشرطة

في السياق ذاته عبَر مواطنون ألمان عن إشادتهم باللاجئين السوريين الذين ساعدوا الشرطة في القبض على مواطنهم المشتبه في تخطيطه لتنفيذ اعتداء إرهابي، وذلك في حملة انضمت إليها المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، حيث عبرت على لسان المتحدثة باسمها عن تقديرها للسوريين الذين أبلغوا الشرطة عن مكان وجود المشتبه به.

وأشاد المواطنون الألمان بثلاثة سوريين ساعدوا الشرطة في القبض على مواطنهم المشتبه بتخطيطه لتنفيذ اعتداء في حين اكتظت مواقع التواصل الاجتماعي بالانتقادات لمناهضي الهجرة. وقالت جوليا فريك على تويتر "السوريون يسلمون إرهابيا مشبوها. أنا احتفل بذلك، ماذا عنك يا بيغيدا وشركائها" في إشارة إلى حملة معاداة الإسلام والهجرة في مدينة دريزدين الشرقية. فيما انتقدت مستخدمة أخرى لتويتر حزب "البديل لألمانيا" اليميني الشعبوي الذي يشن حملة عنيفة ضد طالبي اللجوء.

وقالت فلوريان فلايد "سوري يسلم الشرطة مشتبها بضلوعه بالإرهاب مقيدا - هذه هي الحماية المدنية التي ترغب بيغيدا وحزب البديل لألمانيا في الحديث عنها مطولا". وقال مستخدم آخر ممازحا إن "الأجانب يسرقون عمل الشرطة"، في سخرية من عبارة يستخدمها سياسيون مناهضون للهجرة. بينما قال مستخدم آخر "بيغيدا وشركاؤها يخسرون بصفر، ولاجئ يحرز هدفا". بحسب فرانس برس.

وعقب انتشار أنباء بأن الشرطة تلاحق لاجئا سوريا للاشتباه بتجميعه متفجرات في شقته في بلدة شيمنتز (شرق)، انتشرت مخاوف بأن يؤثر ذلك سلبا على طالبي اللجوء. وقادت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل حملة الإشادة بالسوريين حيث أعربت المتحدثة باسمها أولرايك ديمر عن تقديرها للسوريين الذين أبلغوا الشرطة عن مكان وجود المشتبه به. كما وصف نائب الشرطة الفدرالية سيبستيان فيدلر ذلك بأنه "مؤشر إيجابي للغاية يظهر أن على الشخص أن لا يصنف جميع اللاجئين على أنهم مشتبه بهم". فيما انتقد آخرون الشرطة لعدم إشارتها الفورية إلى مساهمة المبلغين السوريين في أول تغريدة أعلنت فيها عن اعتقال المشتبه به. حيث غرد أحد المواطنين "سوريون يسلمون سوريا إلى الشرطة. وشرطة ساكسوني تشيد بجهودها على تويتر". من ناحية أخرى أعرب عدد من اللاجئين السوريين عن ارتياحهم لإمساك سوريين آخرين بالمشتبه به. وقال جهاد درويش (47 عاما) الذي يعيش بجوار السوريين الذين تمكنوا من تسليم البكر "السوريون ليسوا جميعا" مثل المشتبه به. وأشاد بالرجل الذي تغلب على المشتبه به وقيده وقال "إنه بطل".

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0