لا تخلو نشرة إخبارية او صحيفة من قصص التباكي على الأطفال والنساء الذين تنهشم القنابل الذكية والغبية، والتي تبحث الانسان باعتباره هدفا للتخريب بين ثنايا التخطيط الاستراتيجي لاستعادة النفوذ والغباء السياسي من قبل بعض أطراف الصراع في الشرق الأوسط، فلغة الدم والدمار أصبحت أساس التفاهم "المفقود" اصلاً. ولا نختلف هنا على ادانة ما يتعرض له المدنيون في جميع انحاء العالم وبدون استثناء لكن طريقة الإدانة وازدواجية التعامل مرفوضة تماما وتعد اتجارا بحقوق الانسان يحاول من خلالها كبار ساسة العالم استغلال عواطف الجماهير لتحشيدها ضد اعدائهم.

عندما يسمع غير العارف خطابات القادة السياسيين يعتقد انهم ملائكة منزلون من سماوات الرحمة، فكلامهم تسوده أجواء الحزن على ما ذهب اليه العالم من انحدار في القيم، ويحاولون تضليل الراي العام العالمي بأنهم بعيدون عن صياغة الحياة وفق قيم الصراع والحرب الدائمة، ومن سخرية القدر ان دول العالم "المتقدمة" هي الأولى في صناعة وتجارة الأسلحة الفتاكة، وهي الأولى ايضا في مجال الدفاع عن حقوق الانسان بمنظماتها ومؤسساتها الدعائية التي تروج لهكذا أفكار.

لا يختلف الاتجار بملفات حقوق الانسان عن الاتجار بالإنسان نفسه، فكلاهما يستخدم طرقا ملتوية للإيقاع بفريسته، مع اختلاف الوسائل والأدوات، فتجار الأعضاء البشرية يوهمون ضحاياهم بالنعيم في الدول الأخرى، ويعدونهم بتخليصهم من الحالة المزرية في بلادهم لينقضوا عليهم في منتصف الطريق ويتركوهم يواجهون مصيرهم في متاهات الحياة، اما الاتجار بملفات حقوق الانسان فهي عملية فكرية وسياسية اكثر من كونها استهدافا جسديا، والمواطن في الشرق الأوسط يعيش في ظل ظروف صعبة تجعله يبحث عن مخرج للنجاة وهذا توفره الماكنات الإعلامية الضخمة، لتخلق جوا إنسانيا وهميا تصطاد فيه جمهورها وتجعلهم يصدقون الادعاءات التي يسوقها ساسة الغرب والشرق معاً.

الكاتب والروائي المصري "أياد حرفوش" كتب مقالا في موقع قناة الميادين تحت عنوان "من إدارة التوحش الى إدارة التعاطف"، تحدث فيه عن أربعة مرتكزات اساسية تستخدم في صناعة الوعي الجماهيري وإدارة الاتجار بحقوق الانسان التي يسميها "إدارة التعاطف" من خلال استغلال الصفات التي تتسم بها الجماهير العريضة وهي كالاتي:

1- غياب المتابعة الدقيقة للأحداث وعدم الإلمام بالواقع، فالقاعدة الجماهيرية قلما تتابع أزمة سياسية بتفاصيلها لتكون صورة محددة عن أطراف الصراع فيها. ولهذا يمكن تمرير رسائل مع هذا وضد ذاك من دون أن تمر بمصفاة الإلمام الكامل بالأحداث المتتالية. وبالواقع الحقيقي الذي جرت فيه (مثال: الجماهير العربية التي لا تعرف أن الجيش العربي السوري هو جيش تجنيد إجباري وبالتالي يمثل جميع قطاعات وطوائف المجتمع يسهل إقناعها بأن الجيش له صبغة طائفية).

2- غياب الدراية التاريخية، فاليوم هو وليد للأمس وأب للغد، وعدم الإلمام بالجذور التاريخية لأي صراع يسهل على الآلة الإعلامية تمرير رسائل تناقض حقائق التاريخ. (فمثلاً تجسيم العداء بين السعودية وبين الزيود في اليمن لن يمر على من يعرف تاريخ حرب اليمن في الستينات ودور السعودية الداعم لاستمرار الإمامة الزيدية فيها).

3- الاعتماد على الوجبات الثقافية الجاهزة، فأنت أمام جماهير تقرأ تغريدة ولا تقرأ مقالاً، تشارك صورة على فيسبوك ولا تشارك تحليلاً، تروج لهاشتاغ ولا تروج لفيلم تسجيلي كاشف.. ثقافة الوجبات الجاهزة تلك كانت عماداً رئيسياً في صنع الأزمة. فبينما نملك عقولاً تنتج وجبات فكرية ثقيلة يملك الخصم موازنات ضخمة وخبرات إعلامية تنتج صوتاً وصورة أكثر تأثيراً.

4- غياب القضية المحورية والأدلجة، فمن يملك قضية محورية تصنع له قضيته انحيازات واضحة، وتجعل مهمة الإعلام في تغيير انحيازاته وحرف بوصلته صعبة (من جعل الصراع العربي-الإسرائيلي قضية عمره لن يقبل سياسة الاستبدال الجارية حالياً بتصدير صراع سني - شيعي، عربي-تركي، أو عربي - فارسي كبديل عنه).

الدول الكبرى تغلق أبوابها بوجه اللاجئين وتبكي عليهم على شاشات التلفزيون، يشعلون الحرب في سوريا والعراق واليمن وفلسطين والبحرين... الخ. ويبكون على أطفالهم ويقدمون أنفسهم كمنقذين عالميين رافعين الشعارات الى عنان السماء حيث تحلق طائراتهم وتتقصف أينما تشاء على الأطفال والنساء.

لا يمكن الثقة بوسائل الدعاية الغربية ولا حتى العربية منها وخاصة تلك التي تركز على القضايا الإنسانية، فغياب المعايير هو السمة الغالبة للتعامل مع هذه الموضوعات، والطفل السوري تقوم الدنيا ولا تقعد من اجله فيما تصم الاذان والاعين وعدسات الكامرات امام آلاف الأطفال الذين يقتلون في اليمن وإسرائيل، فهل تخضع حقوق الانسان الى التجزئة ام انها أصبحت تجارة مربحة وبالتالي كان الطفل السوري اكثر ربحا من نظيره اليمني والفلسطيني كون الأول يقتل بقذائف الحكومة السورية المعادية للغرب ودول الخليج فيما يقل الاخرون بطائرات اف16 الامريكية والسعودية.

نتحدث هنا ولا ننحاز للدول الحليفة لسوريا والعراق ولا حتى الى اعدائهما فكلا الطرفين مشتركون في جرائم نخجل ان ننتمي للجنس الإنساني بسببها، ومن يريد بناء قاعدة ثابتة لحقوق الانسان لا بد ان تكون وفق معايير محددة، وغير قابلة للتأويل لخدمة مصالح هذه الجهة او ذاك الحلف، وحتى ان استطاعت بعض الدول ان تسوق نفسها على انها الراعي الرسمي لحقوق الانسان كذبا وزورا فحروب الشرق الأوسط كشف الكثير من هذا التزوير، ونتمنى سَن قوانين تجرم الاتجار بحقوق الانسان تكون شبيهة بقوانين الاتجار بالبشر.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1