قضية المدون والناشط الحقوقي السعودي (رائف بدوي) مؤسس "الشبكة الليبرالية السعودية الحرة على الإنترنت" والتي تناقش دور الدين في المملكة والمحكوم عليه بالسجن 10 سنوات بالإضافة لـ 1000 جلدة بتهمة الإساءة للدين الإسلامي وانتقاد ما يسمى بـ "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" عبر الموقع الالكترونية وإطلاق دعوات للتحرر الديني، اصبحت من اهم قضايا الساعة خصوصا وأنها قد أثارت ردود أفعال غاضبة في مختلف الأوساط التي استنكرت مثل هكذا احكام وحشية كما يقول بعض المراقبين في الشأن السعودي.

وتتعرض المملكة العربية السعودية التي تعد من اسوأ دول العالم فيما يتعلق بملف حقوق الانسان الى انتقادات وضغوط كبيرة من قبل بعض الحكومات والمنظمات الانسانية والحقوقية العالمية، بسبب تقيدها للحريات العامة والخاصة، وممارساتها القمعية المستمرة ضد المواطنين المطالبين بقدر أكبر من الديمقراطية وحرية التعبير، في هذا البلد الذي لايزال يعاني من سيطرة رجال الدين المتشددين الساعين الى فرض نفوذهم من خلال تطبيق أنظمة وقوانين دينية متشددة تعتمد على فتاوى واجتهادات خاصة بعيدة كل البعد عن قيم واخلاق الإسلام.

تنص هذه الفتاوى على مصادرة الحريات وتكفير الاخر وإتباع أساليب العنف والقسوة ضد المخالفين او المنتقدين لهم والتي قد تصل الى فتوى القتل، حيث تعتبر هذه الامور وكما يقول بعض المراقبين من اكبر الكبائر في هذا البلد الذي يعاني من سيطرة واجرام جهاز الشرطة الدينية او ما يعرف (بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) المكلفة بمعاقبة المخالفين وتطبيق اوامر رجال الدين من أتباع الفكر الوهابي المتشدد، حيث يتعرض آلاف الأشخاص سنويًا إلى محاكمات غير عادلة واعتقالات تعسفية.

مقطع مسرب

وفي هذا الشأن فقد نشر على موقع يوتيوب مقطع مسرب لعملية جلد الناشط السعودي رائف بدوي. وأظهر التسجيل توجيه 50 جلدة للناشط المذكور في مكان عام، على أن تتبعها 50 كل يوم جمعة تنفيذا لحكم أصدرته السلطات السعودية ويقضي بجلد بدوي ألف جلدة والسجن عشر سنوات، بعد إدانته بارتكاب جرائم تتعلق بالأنترنت وبالإساءة للإسلام.

وكان الحكم على بدوي أثار استياء دوليا كبيرا، فقد احتجت منظمة العفو الدولية أمام السفارة السعودية في برلين ضد جلد المدون رائف بدوي وطالبت بوقف تنفيذ عقوبة الجلد في حقه، كما تظاهر عدد من المتضامنين مع بدوي أمام سفارتي المملكة في فرنسا وايطاليا. وقدمت المنظمة الحقوقية للسفارة ما مجموعه خمسين ألف خطاب تضامني مع المدون السعودي.

كما نظّمت منظمة العفو الدولية وقفة احتجاجية أمام السفارة السعودية في برلين ضد جلد المدون رائف بدوي. وجمعت المنظمة ما لا يقل عن خمسين ألف رسالة تضامنية مع المدون السعودي رائف بدوي، وهي رسائل تدعو السلطات السعودية لوقف تنفيذ عقوبة الجلد في حق بدوي. كما أن زوجة المدون طالبت بالإفراج عنه بعد جلده علنا تنفيذا لحكم صدر بعد إدانته بـ"إهانة الإسلام". وقالت إنصاف حيدر في مؤتمر صحافي في مونتريال "زوجي رائف بدوي مسجون لمجرد انه أعرب عن أفكار ليبرالية". ويشار الى أن إنصاف حيدر لجأت إلى كندا مع أولادها الثلاثة بعد القبض على زوجها.

مراسلون بلا حدود

من جانبها دعت مراسلون بلا حدود العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز إلى الإفراج عن الناشط رائف بدوي المعرض للجلد جراء حكم قضائي. وأبدت المنظمة تخوفها من الإضرار بصحة بدوي. وتضمنت الرسالة عريضة مفتوحة لحشد الدعم لهذه القضية.

وقالت مراسلون بلا حدود: نناشدكم رسميا باسم المبادئ الإنسانية الأساسية لإصدار عفو ملكي عن المواطن الصحافي رائف بدوي، البالغ من العمر 30 عاما والحائز على جائزة منظمة مراسلون بلا حدود لعام 2014". وأضافت المنظمة، موجهة خطابها للملك السعودي، ألا تظنون أن هذا التعذيب ينطوي على فظاعة ذات أبعاد عالمية؟ إنه عقاب دنيء وغير مشروع يستوجب تدخلكم لمنعه. إن دولتكم، المملكة العربية السعودية، تقبع في المرتبة 164 من أصل 180 بلدا في مؤشر حرية الصحافة الذي نشرته منظمة مراسلون بلا حدود. لقد حان الوقت لكي تكفوا عن ملاحقة الصحفيين ومستخدمي الإنترنت". بحسب فرانس برس.

وتابعت في نفس السياق " إننا نطالب بالعفو عن رائف بدوي والتزام بلدكم باحترام حرية الإعلام طبقا لمقتضيات المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". وذكرت المنظمة أن رائف يقبع في السجن منذ سنتين بينما غادرت زوجته إنصاف حيدر وأطفالهما الثلاثة إلى كندا، علما أن ذنبه الوحيد هو التساؤل بصوت عال عن مدى تطور المجتمع السعودي واحترام الحريات الأساسية في البلاد، مما أثار نقاشات حول الجوانب السياسية والدينية والاجتماعية.

استنكار أوروبي وأمريكا

على صعيد متصل ندد الاتحاد الأوروبي والخارجية الأمريكية ومنظمات حقوقية عربية ودولية بجلد الناشط والمدون الليبرالي السعودي، رائف بدوي، وقال بيان للاتحاد الأوروبي إن بدوي تعرض للجلد العلني في جدة "ضمن الحكم عليه بالسجن عشرة أعوام والجلد ألف جلدة" الصادر بحقه في سبتمبر/أيلول الماضي، مشددا على أن العقوبات الجسدية "غير مسموحة وهي منافية لحقوق للكرامة الإنسانية" وهي موضع اعتراض من الاتحاد الأوروبي. وطالب الاتحاد الأوروبي السلطات السعودية بوقف استكمال أي عقوبة جسدية إضافية بحق بدوي، والأخذ بعين الاعتبار إنهاء عقوبة الجلد في سياق عملية إصلاحية لزيادة حماية حقوق الإنسان، خاصة وأن المملكة من بين الدول الموقعة على اتفاقية مناهضة التعذيب، وفقا للبيان.

أما في الولايات المتحدة، فقد ردت الناطقة باسم وزارة الخارجية، جين بساكي، على سؤال حول جلد بدوي، بالتعبير عن اهتمام واشنطن بالقضية، وأضافت أن العلاقات القوية مع السعودية "لا تمنع الإعراب عن القلق حيال هذه القضية" رافضة التعليق على مطالبة هيئات حقوقية بطرد السعودية من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. عربيا، أصدر "التحالف العربي من أجل الحرية والديمقراطية" بيانا أعرب فيه عن "صدمته" حيال جلد بدوي "لا لذنب ارتكبه، - وهو مسلم موحد - سوى انه انتقد التعسف في فرض التدين على الناس" على حد تعبيره، مضيفا أن ذلك "يتناقض مع جوهر الاسلام الحر كما جاء بنص القرآن العظيم." بحسب CNN.

أما زوجة بدوي، إنصاف حيدر، فقد أعادت تغريد العديد من التعليقات المتضامنة مع زوجها عبر حسابها بموقع فيسبوك، بينها تغريدة: "بالنسبة للرعاع اللي يكبرون في خلفية الفيديو.. هذا أنتم في خلفية الصورة لقد صوركم التاريخ من قبل." وتغريدة أخرى جاء فيها: "عندما جلدوا رائف بدوي أرادوا له الإهانة فأهانوا أنفسهم أمام العالم نعم فالتاريخ لن ينسى هذا الموقف وهذا الحكم".

البربرية والقمع السعودي

من جانب اخر اعتبرت صحيفة "الجارديان" البريطانية، قضية جلد المدون السعودي رائف بدوي، عودة للحياة الهمجية البربرية، قائلة "حين يجلد السوط جسد رائف بدوي، فإن من يجلد لن يكون فقط رجل شجاع لم يرتكب أي جريمة في عرف أي قانون عقلاني، بل أيضًا آمال وأحلام وكياسة من يراقبون الجلد من بعيد من المسلمين". وأضافت الجارديان، في مقالها الافتتاحي، أن العقوبة التي يواجهها المدون السعودي رائف بدوي، تستهدف العالم كله مثلما تستهدف رائف نفسه، قائلة: "مسرحية الجلد في مكان عام ليست سوى استعراض، يرغب حكام السعودية من خلاله إيصال رسالة، وهي أنهم قادرون على عقاب من يجرؤ على الكلام أو التفكير الحر في المملكة".

وتابعت الصحيفة وبحسب ما نقلت صحيفة الوطن، أن رائف واجه عقوبة الجلد فقط لأنه مسلم، وإنه لو كان مسيحي أو ملحد لواجهته عقوبة "الردة" وحكمها الإعدام. وأشارت "الجارديان"، إلى أن الحكومة البريطانية، غضت الطرف عن هذه القضية، نظرًا للعلاقة الخاصة التي تربط المملكة السعودية ببريطانيا، وترى فيها دليلًا على نفاق الحكومة التي فرضت "رقابة" على برامج تلفزيونية. وأكدت الصحيفة البريطانية في افتتاحيتها، أن "محاكمة بدوي تأكيدًا على أن المملكة العربية السعودية، عدو حرية الرأي وحرية الفكر والصدق والشجاعة، حيث توجد هذه الخصال في العالم".

في السياق ذاته اتهم مدير البرامج في الشبكة العربية لمعلومات حقوق الانسان كريم عبد الراضي السلطات السعودية بدعم الممارسات القمعية داخل وخارج البلاد، مؤكداً ان الرياض تحاول فرض سيطرتها من خلال تكميم الافواه المعارضة لها. واوضح عبد الراضي في تصريح لقناة العالم الاخبارية ان السلطات السعودية تدعم الممارسات القمعية داخل وخارج البلاد، كما تفعل في البحرين وبعض الدول الاخرى، مشيراً الى ان اي تحرك لممارسة الحق في حرية التعبير او انشاء الجمعيات الا وتقوم باتخاذ اجراءات امنية مشددة حيال هذا الموضوع من خلال استخدام العنف.

واضاف: "السلطات السعودية تلاحق النشطاء السياسيين على شبكة الانترنت بشكل عام، وكل ما يحدث هو رغبة من الدولة البوليسية في السعودية للسيطرة على الرأي العام من خلال ملاحقة وتكميم افواه كل يخالفها الرأي، او ينادي بحقوق الانسان والحريات الاساسية داخل البلاد". واعتبر كريم عبد الراضي ان السلطات السعودية تعمل على محاصرة منظمات المجتمع المدني لأنها دولة تكره الديمقراطية وحقوق الانسان، مشيراً الى ان المحاكمات في هذا البلد لا تنطوي على اي شرط من شروط المحاكمات الدولية العادلة، حيث هنالك الاعتقالات ولمدة وسنوات طويلة دون اي محاكمة.

وذكر السلطات السعودية تحاول السيطرة على المنطقة والحفاظ على نفوذها من خلال تكميم الافواه المعارضة لها، فمنذ 2007 منذ ان كان انشاء جمعية حقوق الانسان فكرة بين سليمان الرشودي وزملائه بدأت في حصارهم وتلفيق التهم الجنائية لهم والزج بهم في السجون، وبعد ذلك عادت في الربع الاول من عام 2013 لمحاصرة كافة العاملين في مجال حقوق الانسان ومنعهم من السفر.

وحول استجواب وترهيب اشخاص لا زالوا مهددين بالاعتقال لمجرد انهم اسسوا منظمة لحقوق الانسان في السعودية قال عبد الراضي: "هي تهمة غير معترف بها دولياً فان من حق المواطنين تنظيم انفسهم في مجموعات وهذا ما نص عليه العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ومن حق الناس ان تمارس العمل العام بالطريقة التي تراها مناسبة ما دام كان بطريقة سلمية ولم يحملوا اي سلاح فمن حقهم العمل العام بحرية، ولكن دولة السعودية لم تكتفي فقط بإغلاق الجمعيات ولكنها تحاصر النشطاء على شبكة الانترنت وهي الدولة الاولى في حجب المواقع دون ذكر اسباب واضحة".

واشار الى ان ملف حقوق الانسان السعودي كل عام يتدهور من سيء الى اسوأ خاصة بعد احتجاجات الربيع العربي في 2011 حيث اصدرت قوانين خاصة بتقييد النشر على شبكة الانترنت ووضع شروط مجحفة تقيد الناشر، ثم بعد ذلك بدأت بحملة اعتقالات وحملات امنية ضد المواطنين الذين يشاركون في التظاهرات في ظل تعتيم اعلامي شديد وملاحقة كل من يحاول ان ينشر او يفضح هذه الممارسات للرأي العام الدولي او المحلي.

بدوي والمحكمة العليا

في السياق ذاته وبحسب بعض المصادر الاعلامية فقد أحال مكتب الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز قضية الناشط والمدون السعودي رائف بدوي الذي صدر حكم بجلده ألف جلدة إلى المحكمة العليا. وقالت زوجة بدوي إن القرار "أعطاه الامل في أن السلطات تريد إلغاء العقوبة المفروضة عليه". وكانت السلطات السعودية أرجأت في وقت سابق تنفيذ عقوبة الجلد على بدوي لأسباب صحية.

وأوصى طبيب بإرجاء الدفعة الثانية من الجلد لأن الجروح الناجمة عن الدفعة الاولى من الجلد لم تلتئم بدرجة تكفي لجلده مجددا. وصدرت إدانات دولية واسعة للحكم بجلد بدوي، الذي حكم عليه ايضا بالسجن عشر سنوات وغرامة. وأسس بدوي موقع "الليبراليون السعوديون"، وهو منتدى على الانترنت لتشجيع الحوار عن الشؤون الدينية والسياسية في السعودية عام 2008. وكان بدوي قد اعتقل في جدة عام 2012 ووجهت إليه تهم "إهانة الإسلام". وفي عام 2013 برئ بدوي من تهمة الردة، التي يعاقب عليها في السعودية بالإعدام.

وتتعرض الأسرة الحاكمة في السعودية لضغوط غربية بسبب جلد الناشط، رائف بدوي، مرة في الأسبوع حتى يكمل الألف جلدة التي حكمت عليه بها المحكمة، إضافة إلى سجنه لمدة عشر سنوات. ويرى محللون أن الأسرة الحاكمة تخشى من مخاطر استفزاز المحافظين في السعودية إذا لم تطبق العقوبة على بدوي. بحسب بي بي سي.

وتحاول السلطات السعودية حشد المحافظين الدينيين خلف حملتها ضد أنصار تنظيم القاعدة وتنظيم "الدولة الإسلامية" لكنها أثارت الغضب في صفوفهم بسبب ما يصفونه بأنه رد فعل ضعيف على الرسوم الكارتونية. وأدانت جماعات حقوق الانسان والولايات المتحدة والمانيا والنرويج وكندا العقوبة المفروضة على بدوي.

رائف بدوي في سطور

رائف محمد بدوي (مواليد 13 يناير 1984 في مدينة الخبر في السعودية)، هو كاتب وناشط في مجال حقوق الإنسان ومؤسس موقع "الليبراليون السعوديون" الإلكتروني سنة 2006. اشتهر بدعوته للإلغاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطالب بمحاكمة رئيسها إبراهيم الغيث في محكمة العدل الدولية وذلك في حديث خاص معه على قناة السي إن إن الأمريكية أواخر عام 2008. وهو أب لثلاثة أولاد تزوج من إنصاف حيدر في سنة 2002 في المملكة العربية السعودية. زوجته وأولاده حصلوا على اللجوء السياسي في مدينة كيبيك في كندا، في سنة 2013.

تم اعتقال بدوي سنة 2012 بتُهمة الإساءة للدين الإسلامي من خلال الإنترنت، واتُهم بعدة قضايا من بينها الردة. حُكم عليه بالسجن لمدة سبع سنوات، والجلد 600 جلدة، وإغلاق موقع الشبكة الليبرالية السعودية الحرة، وذلك في 29 يوليو 2013. على خلفية هجومه على الهيئة والمؤسسة الدينية السلفية في السعودية. وفي 7 مايو 2014 تم تعديل الحكم إلى الجلّد 1000 جلدة، والسَجن لمدة 10 سنوات، بالإضافة لغرامة مالية. وبدأ تنفيذ حُكم الجلّد ابتداء من 9 يناير 2015 أسبوعياً لمدة 20 أسبوع.

اعتبرته منظمة العفو الدولية سجين رأي "احتُجز لا لشيء سوى لممارسته لحقه في حرية التعبير عن الرأي بشكل سلمي". اصدر رجل الدين السعودي البارز عبد الرحمن البراك فتوى تعتبر رائف كافر ومرتد عن الدين الإسلامي واعتبره مروج للكفر والالحاد. حاز بدوي على العديد من الجوائز منها، جائزة الإنسانية لعام 2014 من منظمة القلم الكندية. جائزة مواطن الانترنت لعام 2014 من منظمة مراسلون بلا حدود وجائزة ايكنهيد من الجمعية العَلمانية الأسكتلندية لعام 2015.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0