يتواصل الجدل حول عقوبة الإعدام التي تعد أقدم العقوبات التى عرفتها البشرية، فقد حظيت عقوبة الإعدام وكما تنقل بعض المصادر باهتمام بالغ من المجتمع الدولى، والمتابع للموقف الدولى من عقوبة الإعدام يجد أنه يميل، ويتجه نحو إلغاء هذه العقوبة. ويتجسد هذا الموقف فى صورة معاهدات، أو اتفاقات دولية أو إقليمية ترمى إلى إلغاء عقوبة الإعدام فى الدول الأطراف. والملاحظ أن الدول التى ألغت عقوبة الإعدام فى تزايد مستمر؛ فوفقاً لما رصدته منظمة العفو الدولية فإن 89 دولة ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم، وأن عشر دول ألغت عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم عدا الجرائم العسكرية، ويمكن اعتبار أن 30 دولة قد ألغت عقوبة الإعدام من الناحية العملية؛ إذ توجد هذه العقوبة فى تشريعاتها العقابية، وتصدر أحكام قضائية بها؛ ولكن هذه العقوبة لا تنفذ فى الواقع العملى؛ مما يرفع مجموع الدول التى ألغت عقوبة الإعدام فى القانون والواقع العملى إلى 129 دولة.

وقد ألغت أكثر من 40 دولة عقوبة الإعدام بالنسبة لجميع الجرائم منذ عام 1990. وهى تشمل دولاً فى أفريقيا، مثل السنغال والكوت ديفوار، وفى الأمريكتين مثل كندا والبراجوى، وفى آسيا ومنطقة المحيط الهادى مثل بوتان وساموا، وتركمنستان، وفى أوربا وجنوب القوقاز مثل أرمينيا والبوسنة والهرسك وقبرص واليونان وصربيا والجبل الأسود وتركيا. لكن أكثر من 60% من سكان العالم يعيشون في دول تطبق هذه العقوبة حيث أن الأربعة دول الأكثر سكانًا وهي جمهورية الصين الشعبية والهند والولايات المتحدة وإندونيسيا تطبق عقوبة الإعدام.

ويرى البعض ان تطبق عقوبة الاعدام امر ضروري، باعتبارها حق قانوني لدعم الأمن والاستقرار والعدالة الاجتماعية، خصوصا وانها تطبق ضد بعض الجرائم البشعة والمرفوضة مثل القتل أو الجرائم التي تهدد امن واستقرار المجتمع، هو ما يعارضة البعض حيث يرى ان عقوبة الاعدام منذ تطبيقها لم تؤثر علي معدل الإجرام ولم نجد شخص لديه المقدرة علي ارتكاب الجرائم وخاف من أن يحكم عليه بالاعدام، بل ان بعض الحكومات قد سعت الى تنفيذ حكم الإعدام بحق بعض الابرياء بهدف اثارة الرعب وقمع المعارضة السياسية. وفي معظم البلدان التي تطبق هذه العقوبة، نجد أن الجرائم التي تستحقها في تلك البلاد هي القتل أو التجسس أو الخيانة أو كجزء من العدالة العسكرية. في بعض البلاد، تستوجب الجرائم الجنسية مثل الاغتصاب والزنا وزنا المحارم واللواط، وكذلك الجرائم الدينية مثل الردة في البلاد الإسلامية عقوبة الإعدام. وفي كثير من الدول التي تطبق عقوبة الإعدام يعتبر الاتجار بالمخدرات جناية تستوجب الإعدام. وفي الصين، ينفذ حكم الإعدام في جرائم مثل الاتجار بالبشر وكذلك في جرائم الفساد الخطيرة. وعرفت جميع جيوش العالم، من خلال المحاكم العسكرية، عقوبة الإعدام ضد جرائم مثل الجُبُن والهروب من الخدمة أو ساحة المعركة والعصيان والتمرد.

العفو الدولية

في هذا الشأن فقد أفاد التقرير صادر عن منظمة العفو الدولية "آمنستي" أن "1634 حكما بالإعدام على الأقل" نفذت في العالم العام الماضي، بارتفاع 54% عن سنة 2014. ونفذت هذه الأحكام في 25 بلدا، ونفذ ثلاثة من هذه البلدان 89% من هذه الأحكام وهي إيران مع 977 عملية إعدام، وباكستان مع 326، والسعودية مع 158 عملية إعدام على الأقل، تليها الولايات المتحدة مع 28 إعداما. ولا تضم هذه الأرقام الصين حيث تصنف مثل هذه المعلومات ضمن أسرار الدولة. ولكن "آمنستي" قالت أن الصين لا تزال "أول جلاد في العالم" حيث قالت أن "آلاف" الأشخاص يعدمون فيها كل سنة.

وقال سليل شيتي، السكرتير العام للمنظمة، في بيان إن "ارتفاع الإعدامات الذي لحظناه السنة الماضية مقلق للغاية. عدد الإعدامات بموجب حكم قضائي في 2015 كان الأعلى منذ 25 عاما". وأضاف إن "إيران وباكستان والسعودية أعدمت عددا كبيرا من المحكومين بالإعدام إثر محاكمات اتسمت غالبا بعدم الإنصاف الفاضح. يجب أن تتوقف هذه المجزرة". وقال جيمس لينش، المدير المساعد للشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى "أمنستي"، إنه منذ الاتفاق النووي التاريخي مع القوى العظمى في تموز/يوليو، تبذل إيران جهودا دبلوماسية حثيثة للتقارب مع الغرب، لكن "تم إهمال حقوق الإنسان بالكامل".

وفي باكستان، انتهت فترة التوقف عن تنفيذ أحكام الإعدام في 2008، بعد الهجوم الذي نفذته حركة طالبان على مدرسة في بيشاور في 2014. أما في السعودية، فإن نصف الذين تم إعدامهم منذ منتصف الثمانينات هم أجانب، وفق لينش، "إنهم بصورة عامة عاملون مهاجرون لا يتكلمون العربية وفرصهم أقل في الحصول على محاكمة عادلة". "لحسن الحظ، فإن الدول التي تنفذ أحكام الإعدام هي قلة وتزداد عزلة. الدول الأخرى تخلت عن فرض عقوبة الإعدام وفي 2015 سحبت أربع دول تماما هذه العقوبة الهمجية من قوانينها"، وفق سليل شيتي. بحسب فرانس برس.

وألغت جمهورية الكونغو وجزر فيجي ومدغشقر وسورينام عقوبة الإعدام في 2015، علما أن الدول التي تعارض عقوبة الإعدام تشكل الأغلبية حيث يبلغ عددها 102 وفق "آمنستي". لكن المنظمة تحصي 140 دولة باعتبارها معارضة للإعدام سواء قانونيا أو على أرض الواقع، أي أنها لم تنفذ أي حكم بالإعدام خلال السنوات العشر الماضية. وقالت المنظمة في تقريرها إنه "على الرغم من الارتفاع الصادم في الإعدامات في إيران وباكستان والسعودية، فإن المنحى العالمي على المدى البعيد يتجه إلى إلغاء عقوبة الإعدام"، مذكرة بأنها عندما بدأت حملتها لإلغاء عقوبة الإعدام في 1977، كانت 16 دولة فقط قد ألغت هذه العقوبة. وقالت المنظمة إن هذه الأحكام صدرت في قضايا القتل وتهريب المخدرات والخيانة الزوجية والاغتصاب والردة والخطف والتجديف بالرسول او في جرائم متصلة بالإرهاب. وقالت إن 20292 شخصا على الأقل كانوا في أروقة الموت في نهاية السنة الماضية.

السعودية

من جانب اخر اعلنت وزارة الداخلية السعودية اعدام مواطن مدان بقتل آخر بضربه حجر على رأسه، ما يرفع عدد الاعدامات المنفذة في المملكة منذ مطلع السنة الجارية الى 70. واوضحت الوزارة في بيان نشرته وكالة الانباء الرسمية ان "علاء بن بخيت بن عوض الزهراني، اقدم على قتل ياسين ابن عبدالله بن علي السميري وذلك بضربه بحجر على رأسه ما ادى لوفاته اثر خلاف بينهما". واشارت الوزارة الى تنفيذ حكم الاعدام بالزهراني في جدة.

وبذلك، يرتفع عدد الاعدامات منذ بداية 2016 الى 70، ابرزها مجموعة من 47 مدانا "بالارهاب" بينهم الشيخ الشيعي نمر النمر، اعلن اعدامهم في الثاني من كانون الثاني/يناير. اما الاعدامات الاخرى فمعظمها مرتبط بجرائم جنائية كالقتل والمخدرات. وفي 2015 نفذت السعودية 153 حكما بالاعدام على الاقل، وهذا العدد يزيد بشكل ملحوظ عن عام 2014، حيث سجل اعدام 87 شخصا. وبحسب منظمة العفو الدولية، فإن عدد احكام الاعدام المنفذة خلال 2015 هو الاعلى في السعودية منذ عقدين. وتعاقب السعودية التي تطبق الشريعة الاسلامية، بالاعدام جرائم الاغتصاب والقتل والردة والسطو المسلح وتجارة المخدرات والسحر. بحسب فرانس برس.

من جانب اخر اعلنت وزارة الداخلية السعودية في وقت سابق اعدام فيليبيني لادانته بقتل سوداني، وافاد بيان للوزارة نشرته وكالة الانباء الرسمية "أقدم جوسليتو ليدا سان، فلبيني الجنسية، على قتل صلاح إمام إبراهيم، سوداني الجنسية، وذلك بضربه بمطرقة على رأسه وسرقة ماله بسبب خلاف مالي بينهما". واشارت الوزارة الى ان المحكمة العامة اصدرت بحقه حكما بالاعدام، صادقت عليه محكمة الاستئناف والمحكمة العليا، واتبع بصدور امر من العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز "بانفاذ ما تقرر شرعا". وعليه، "تم تنفيذ حكم القتل قصاصاً بالجاني " في الرياض.

إيران

الى جانب ذلك قال محقق تابع للأمم المتحدة إن إيران أعدمت ما يقرب من 1000 سجين العام الماضي وهو أعلى رقم في عقدين بينما لا يزال مئات الصحفيين والنشطاء والمعارضين رهن الاحتجاز. وعبر أحمد شهيد مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في إيران عن قلقه الشديد من عمليات إعدام بسبب جرائم ارتكبها أطفال دون 18 عاما وقال إن هذا "محظور بشكل تام وواضح بموجب القانون الدولي". وأضاف شهيد في إفادة صحفية أن هناك "ارتفاعا حادا بإعدام 966 سجينا على الأقل العام الماضي- وهو أعلى معدل منذ أكثر عقدين."

وقال "نسبة كبيرة من هذه الإعدامات حدث نتيجة تهم تتعلق بالمخدرات .. إذ أنه وفقا لقانون المخدرات الحالي في إيران فإن حيازة 30 جراما من الهروين أو الكوكايين يعاقب عليها بالإعدام. لذلك هناك عدد من القوانين الوحشية." وذكر أن الفساد وبعض الأنشطة الجنسية يمكن أيضا أن يعاقب عليها بالإعدام في الجمهورية الإسلامية. وقال شهيد "عدد الأحداث الذين أعدموا ما بين عامي 2014 و 2015 - وهو 16 حدثا وفقا لما ورد من تقارير- كان أعلى من أي وقت مضى خلال الأعوام الخمسة الماضية." بحسب رويترز.

لكنه رحب بالجهود الخاصة بمعالجة بعض المشكلات المتعلقة بالأحداث في النظام القضائي من بينها إصلاحات تسمح للقضاة بتقييم القدرة العقلية للأحداث لتحديد مدى استيعابهم لأفعالهم وقت وقوع الجرائم. وقال أيضا إن المئات من الصحفيين والمدونين والنشطاء والشخصيات المعارضة "يقبعون حاليا في سجون ومنشآت احتجاز إيرانية".

باكستان

في السياق ذاته أعلنت باكستان أنها أعدمت 332 شخصا منذ رفع الحظر عن عقوبة الإعدام في العام 2014، في أول إحصاء رسمي منذ إعادة العمل بهذه العقوبة في البلاد. وكشفت الحكومة الباكستانية عن خطة عمل وطنية كبيرة ضد الإرهاب، بعد الهجوم في 16 كانون الأول/ديسمبر على مدرسة في بيشاور نفذته مجموعة من حركة طالبان وأسفر عن مقتل 150 شخصا غالبيتهم من الأطفال. وتضمنت الخطة تعليقا لوقف عقوبة الإعدام لمدة ست سنوات، وتأسيس محاكم عسكرية لمكافحة الإرهاب بناء على تعديل دستوري.

وكانت عقوبة الإعدام مخصصة في الأصل للمدانين بارتكاب أعمال إرهابية، لكنها توسعت في آذار/مارس الماضي لتشمل جميع الجرائم الأخرى التي تخضع لعقوبة الإعدام. في تقرير مكتوب إلى البرلمان، أعلن وزير الداخلية ومراقبة المخدرات أنه تم تنفيذ حكم الإعدام بحق 332 شخصا.

ويشير التقرير أيضا إلى إغلاق 172 منظمة دينية في أنحاء البلاد يشتبه في أن لها صلات مع تنظيمات متطرفة. وتم إحصاء أكثر من ألفي خطاب يحض على الكراهية، واعتقال 2195 شخصا. وأوقفت القوات التي تشن منذ العام 2013 حملة ضد التطرف الإسلامي والجريمة في كراتشي، 890 ناشطا وآلافا من المجرمين المشتبه بهم، وفقا للتقرير الذي يلفت إلى أن الهجمات تراجعت بنسبة 80 في المئة.

امريكا

من جانب اخر نفذت سلطات ولاية جورجيا حكم الإعدام في حق أكبر المسنين في سجونها، بالرغم من الأصوات المنددة بقرار مجحف أخر تطبيق العقوبة. وتلقى براندون جونز حقنة قاتلة في سجن مدينة جاكسون قبل أقل من أسبوعين على بلوغه سن الثالثة والسبعين، بحسب ما كشف ناطق باسم إدارة السجن. وبراندون جونز هو رجل أسود دانه القضاء بقتل تاجر في العام 1979، وقد أمضى 36 عاما في "ممر الموت" منتظرا تنفيذ العقوبة.

وقدم محاموه عدة طعون للقضاء في ولاية جورجيا وحتى للمحكمة العليا في واشنطن في مسعى إلى تعليق العقوبة، لكن طلبهم قوبل بالرفض. ويرى منتقدو عقوبة الإعدام أن هذا الرجل يجسد بشكل واضح "العقوبة المزدوجة" التي ينالها بعض المحكومين في الولايات المتحدة، إذ يقبعون في سجون منفردة لعشرات السنين ولا ينتظرون شيئا سوى يوم إعدامهم. وقام براندون جونز مع شريكه الملقب بفان سولومون بسرقة متجر صغير في محطة للوقود في خضم الليل وقتل صاحبه الذي كان يجري حساباته فيه حينذاك.

وظل جونز ينفي أن يكون هو من أطلق النار على التاجر. وأعدم فان سولومون بالكرسي الكهربائي سنة 1985، في حين ألغيت محاكمة جونز الأولى قبل الحكم عليه بالإعدام مجددا. وهو عرف خلال سنواته في السجن بكتاباته عن حياة المساجين والمسائل العرقية. ويقبع في "ممر الموت" حاليا 75 سجينا حكم عليهم بالإعدام في ولاية جورجيا التي علقت تنفيذ هذه العقوبات أشهرا عدة في العام 2015 بسبب الجدل حول المواد المستخدمة في الحقن القاتلة. وفي العام 2015، نفذت السلطات الأميركية عقوبة الإعدام في حق 28 شخصا، وهو أدنى عدد من الحالات في البلاد منذ العام 1991.

وظل جونز يستأنف الحكم الصادر ضده لعقود. وألغت محكمة جزئية اتحادية عقوبة الإعدام ضده في 1989 . لكن قاضيا آخر حكم عليه بالإعدام في 1997. وظل جونز يستأنف الحكم بذريعة أن هيئة الدفاع لم تنجح في تقديم الأدلة التي توضح تاريخ مرضه العقلي وتعرضه للتحرش الجنسي أثناء الطفولة.

في السياق ذاته اوقفت محكمة استئناف في ولاية تكساس الاميركية في اللحظات الاخيرة تنفيذ حكم اعدام في حق رجل كان مقررا انزال العقوبة القصوى به خلال اليوم نفسه بعد 15 عاما على قتله طفلتيه بالرصاص. وكان مقررا أن يتلقى جون باتاغليا البالغ 60 عاما حقنة قاتلة غير أن القضاة اوقفوا تنفيذ هذه العقوبة قبل ساعات قليلة من الموعد.

وقد تقدم المحكوم عليه بطعون قضائية اخيرا ضد حكم الاعدام الصادر في حقه مطالبا بالاستعانة بخدمات محام جديد ومشيرا الى انه يعاني قصورا ذهنيا. واعتبرت محكمة الاستئناف أن هذا الطلب محق وردت بالتالي حكما سابقا كان يمنع عليه إعداد دفاعه. واعتبر القضاة في قرارهم أن "باتاغليا افتقد لمحام يحضر له طعنا لابطال الحكم الصادر في حقه بسبب قصوره الذهني". بحسب فرانس برس.

وكان جون باتاغليا تصدر قبل 15 عاما عناوين الصحف في الولايات المتحدة والخارج بسبب فظاعة جريمته المزدوجة. فهذا المحاسب السابق صاحب السوابق العنيفة والمنفصل عن زوجته اطلق النار داخل منزله على طفلتيهما البالغتين 6 و9 سنوات وقد حرص على اسماع الوالدة مجريات الجريمة عن بعد من خلال مكبر الصوت في الهاتف. وقد توجه الرجل في وقت لاحق الى قاعة للاوشام لدق رسمين على ذراعه تكريما لابنتيه المتوفيتين. وتنفذ تكساس اكبر عدد من احكام الاعدام بين الولايات الاميركية ومن غير المستبعد بذل المدعي العام جهودا لتحديد موعد جديد لاعدام باتاغليا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2