بالعادة تنظم الوثيقة الدستورية النظام الديمقراطي في البلد وتحدد آليات تشكيل وحل وتنظيم عمل المجلس النيابي، ويعد الحل واحداً من التطبيقات المهمة للديمقراطية الشعبية أو المباشرة أو الميالة إلى المباشرة، ويعني ان تتضمن الوثيقة الدستورية أو القواعد القانونية المكملة لها التنظيم اللازم لمنح عدد معين من أفراد الشعب وبالتحديد الشعب السياسي ممن يملكون الحق في الانتخاب بان يقترحوا حل المجلس النيابي لأسباب معينة ووفق شروط منظمة، ويلي بالعادة هذا الحل الدعوة لتنظيم انتخابات برلمانية لضمان تشكيل المجلس من جديد.

حيث دأبت الدساتير التي تتضمن مجلسين نيابيين ان تنظم الحل الشعبي للمجلس الأدنى اما المجلس التمثيلي الأخر الذي قد يسمى أحياناً بالمجلس الأعلى أو مجلس الشيوخ أو المقاطعات فالغالب يحل ولكن بطريق أصعب ووفق إجراءات أشد ولا يمنح الشعب السياسي مثل هذه السلطة في الحل، إذن الحل إجراء ينظمه الدستور ميدانه المجلس التمثيلي وهدفه قد يكون ضمان حسن سير العمل التشريعي والرقابي في الدولة فالعادة ان الانتخابات تنتج فوز حزب او ائتلاف حزبي معين وقد يفشل هؤلاء في تكوين الحكومة او على الأقل بتشكيل حكومة قوية ومتماسكة فلا يكون من مهرب سوى الركون إلى الشعب لإعادة الانتخاب وتكوين أغلبية قادرة على دعم الحكومة وتحقيق شيء على أرض الواقع.

إضافة إلى ما تقدم قد تكون المعارضة في البرلمان قوية ومؤثرة ومن شأن نشاطها عرقلة البرامج الحكومية وبالتالي أيضاً لابد من الحل لمنع تراكم الخلافات ووقوع الأخطاء الحكومية إذ ينبغي ان تتجه البوصلة إلى الجهات التي تملك اتخاذ قرار الحل ومنها أحياناً الشعب، ويشار إلى ان الدستور العراقي النافذ للعام 2005 أشار في المادة الأولى إلى ان العراق دولة واحدة نظام الحكم فيها جمهوري نيابي برلماني، ما يحتم علينا التساؤل عن طبيعة العلاقة في نظام الحكم النيابي بين الشعب ونوابه في البرلمان؟ فهل تنفصم عرى العلاقة بمجرد انتهاء الانتخابات ام يملك الشعب مساءلة النواب وإنزال العقاب بساحتهم إن فشلوا في تمثيل الإرادة العامة؟

ولما كان الدستور هو الوثيقة الرسمية التي تنظم الدولة من حيث بيان شكلها أهي دولة موحدة ام اتحادية؟، وتبين نظام الحكم فيها أهو جمهوري ام ملكي أم له صبغة معينة؟، وتحدد سلطاتها العامة كالتشريعية والتنفيذية والقضائية من حيث تشكيلها وتنظيم اختصاصاتها وعلاقتها بعضها بالبعض الأخر وعلاقتها بالمواطن، كان لابد من التساؤل عن الطبيعة القانونية لتلك القواعد فقد ذهب رأي فقهي إلى افتقاد هذه القواعد للصفة القانونية لعدم وجود الجزاء المادي الكفيل باحترامها وتطبيقها على أرض الواقع، بل انها تفتقد إلى السلطة المختصة بتوقيع الجزاء، فلا يمكن ان نتصور السلطة التشريعية أو التنفيذية تعاقب نفسها ان خرقت النص الدستوري، وأصحاب هذا الرأي يميلون إلى إضفاء الطابع السياسي على القواعد الدستورية وانها مصدر لإحداث التوازن بين القابضين على السلطة.

بينما يميل الرأي الراجح إلى وجود هذا الجزاء الذي يظهر من خلال صور عدة أهمها رد الفعل الاجتماعي الذي يبدأ من المواطنين إزاء السلطات العامة حين تنتهك الدستور، وحل المؤسسة التشريعية لعله أحد صور الجزاء المرسل أو غير المنظم صراحة لضمان تطبيق القواعد الدستورية واحترامها، فليس بالضرورة ان يكون الجزاء مادياً ومنظماً بشكل متكامل للقول بقانونية القاعدة الدستورية، بل من الممكن ان يأخذ صورة الجزاء المعنوي أو غير المنظم بشكل دقيق يتمثل برد فعل الشعب المالك الحقيقي للسلطة والذي خول ممارستها إلى ممثلين عنه فإن فشلوا في الحفاظ على الأمانة استرجعها صاحبها الأصلي، بمعنى ان أصحاب هذا الاتجاه يميلون إلى:

1- ان الادعاء بأن الجزاء الذي تفرضه السلطة العامة هو المحدد لطبيعة القاعدة القانونية والمميز لها عن قواعد الأخلاق قول ولاشك خطير يسوغ للسلطة التعسف ويبرر الاستبداد والانحراف بالسلطة من قبل الحكام، ويهدد الحقوق والحريات الفردية.

2- الجزاء مجرد أثر يترتب على مخالفة القاعدة القانونية التي يفترض ان تدخل حيز النفاذ بمجرد صدورها فهو ليس داخلاً في ماهيتها ولا ركنا من أركانها، كما ان الرأي المتقدم يخلط بين صفة الالزام التي تتمتع بها القواعد القانونية وعنصر الجزاء فالأخير لازم للردع ومنع المخالفات التي قد تقع على أرض الواقع بمعنى ان الجزاء لازم لضمان التنفيذ وليس هو السبيل الوحيد، فالقاعدة القانونية توضع لتطبق وفي حال مخالفتها يوقع الجزاء ويمكن ان يتم اسقاط الجزاء أو الوسيلة الموصلة إليه دون ان يؤثر ما تقدم على قانونية القاعدة القانونية أو على نفاذها فحين يتنازل المواطن عن دعواه ضد غريمه فهو يسقط وسيلة الالزام أو يتم الاتفاق بين الخصوم على الصلح أو التحكيم فهم يسقطون الالزام لكن لا أحد يشك ببقاء القواعد القانونية نافذة وملزمة في الحالات الأخرى والمستقبلية.

3- تضمنت العديد من الوثائق الدستورية أنواعاً من الجزاءات التي من شأنها ان تحمي النصوص وتمنع حالة الانتهاك المقصود من قبل السلطات العامة ومن هذه الجزاءات الرقابة على دستورية القوانين بواسطة المحكمة الدستورية أو الاتحادية العليا التي تعلن في حكمها أحياناً ان النص يخالف الدستور وتقرر الغاؤه، كما تنص الدساتير بالعادة على الرقابة المتبادلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لمنع التعسف باستخدام السلطة فان خالفت الحكومة قام البرلمان بمساءلتها وحجب الثقة عنها وان حصل العكس أقرت العديد من الدساتير للسلطة التنفيذية باختصاص حل المجلس النيابي.

4- ورغم كل ما تقدم من صور لتنظيم الحماية القانونية للنصوص الدستورية تبقى رقابة الشعب هي الأنجع والأفضل والأقدر على صيانة الدستور وتقرير الجزاء الفاعل إزاء من ينتهك قواعده بعدم التجديد له بالانتخاب ان كان منتخباً أو بتحرك الرأي العام بكل الصور الممكنة السلمية كالتظاهر السلمي والاعتصام والاضراب وهو ما بات يعرف بمقاومة الطغيان.

وهنالك رأي وسط يفضل ان يمنح القاعدة الدستورية منزلة وسطاً بين الطبيعة القانونية الصرفة والسياسية بوصفه أداة للتوازن بين بين السلطة والحرية وبموجب قواعده القانونية يتم التمييز بين الحكام والمحكومين بمعنى أهمية ايجاد التوازن بين ضرورات الحكم والحرية الفردية، وما الدستور إلا صياغة قانونية لفكرة سياسية استطاعت الانتصار على الأفكار الأخرى والوصول إلى سدة الحكم وفرض فلسفتها واتجاهاتها على البقية إذ يحرص القابض على السلطة على صياغة أفكاره واراءه في صلب الوثيقة ويعبر عنها بالايدلوجية التي تظهر من القراءة المتأنية لأي نص من نصوص الوثيقة الدستورية ولتكتمل الصورة التي رسمها أصحاب هذا الاتجاه أقروا بأهمية الجزاء لضمان فاعلية النص الدستوري ولتأكيد انتصار الأفكار السياسية للحكام ووجدوا ان ذلك يتطلب الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي عند هؤلاء ليتمكنوا من فرض إرادتهم وأفكارهم في مواجهة المقاومة المحتملة من القوى الأخرى في المجتمع.

وبالعودة إلى حل البرلمان بوصفه الجزاء الشعبي الحقيقي ازاء ممثلي الشعب حين يفشلون في تلبية متطلبات الإرادة العامة وتطلعاتها لذا يمكننا تكييف الحل وفق الآتي:

أولاً: الحل كجزاء تفرضه السلطات العامة: فحين تقع السلطة التشريعية بحومة مخالفة النصوص الدستورية ممكن للسلطة التنفيذية التحرك المضاد لوقف ذلك بحل البرلمان ومنع المجلس التمثيلي من الأخلال بوظائفه، والغالب رغم ان الحل في هذه الحالة يوصف بالرئاسي أو التنفيذي إلا أنه بالعادة يأتي نتيجة التحرك الشعبي أو لتفادي ذلك، حيث يصف الدستور العراقي للعام 2005 رئيس الجمهورية بأنه "ولما كان هو حامي الدستور والساهر على مصالح الشعب فلابد له من التحرك لنصرة الشعب وتجسيد الإرادة العامة بطلب حل مجلس النواب، ونجد أهمية تعديل المادة (64) من دستور العراق الناف ومنح رئاسة الدولة سلطة حل البرلمان لمنع الوقوع في حومة الفراغ الدستوري حين يكون البرلمان غير قادر على القيام بواجباته الدستورية إزاء المواطن والوطن.

وفي بعض الأنظمة الدستورية تتحرك الوزارة لطلب حل المجلس النيابي إما بنفسها ان امتلكت مثل هذه السلطة أو أنها تطلب ذلك من رئيس الدولة كما في الدستور الكويتي للعام 1961 إذ تكون الحكومة مؤتمنة على الإرادة العامة وتطلب حل البرلمان ان حاد عن وظائفه المنطقية.

ثانياً: الحل الشعبي غير المباشر: فقد يتم حل البرلمان بواسطة الشعب ولكن بشكل غير مباشر فعلى سبيل المثال لو ان الشعب تحرك تجاه المجلس النيابي وطالب بحله فذهب الممثلون إلى انهاء حياة المجلس باقتراح حله والتصويت على ذلك وهو ما أشار اليه الدستور العراقي للعام 2005 بالمادة (64) التي تنص على "يحل مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه بناءً على طلب من ثلث أعضائه أو طلب من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية" وهذا عين ما حصل في العام 2021 حين ذهب النواب العراقيين إلى التصويت على حل مجلس النواب اعتباراً من يوم 7/تشرين الأول، لإتاحة الفرصة لانتخابات مبكرة وبالفعل تمت الانتخابات يوم 10 تشرين الأول، فكان هذا التصويت بوحي وضغط مباشر وغير مباشر من الشعب العراقي.

ثالثاً: الحل الشعبي الممتزج بتدخل السلطة التنفيذية إذ أشارت بعض التجارب الدستورية إلى إمكانية تدخل السلطة التنفيذية باقتراح الحل وعرض الامر على الاستفتاء الشعبي كما هو الحال في الدستور المصري للعام 2014 غذ تنص المادة (137) على أنه "لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب إلا عند الضرورة وبقرار مسبب وبعد استفتاء الشعب..." وكذا الدستور اليمني للعام 1991 المعدل 2001 في المادة مئة وواحد التي تضمنت النص على أنه "لايجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس النواب إلا عند الضرورة وبعد استفتاء الشعب"، ورغم عدم وجود نص دستوري في العراق يسمح بالحل بعد إجراء الاستفتاء الشعبي إلا أننا ندعو وبحق إلى تضمين الدستور العراقي مثل هذا النص ليطرح موضوع البرلمان على الشعب وفي حال موافقة أغلبية المصوتين على الحل يجرى انتخاب جديد خلال مدة معينة لا تزيد على ستين يوماً وبذا نعيد للشعب سلطته التي تعطلت بسبب الاعتبارات السياسية في العراق.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق