ينقسم المجتمع بصورة عامة الى طبقتين، الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة، الاولى يمثلها الحاكم والحكومة، والثانية يمثلها عامة الشعب بشرائحه المختلفة، وقد سعى العلماء والمختصون في السياسة والاجتماع والفلسفة، الى تنظيم العلاقة بين الطرفين، بما يضمن حق المحكوم مقابل تنازله عن نسبة معينة من الحريات، او عن جزء من حريته، بما يتيح للحاكم ادارة شؤون المجتمع وفق ضوابط حدّدها ما يسمى بـ(العقد الاجتماعي) كما أطلق عليه بعض العلماء والفلاسفة المعنيين بهذا الأمر.

إذاً هذه العلاقة تم تنظيمها بين الحاكم والمحكوم منذ أقدم الأزمان، لما تثيره من حالات تنازع فيما لو تم تركها على الغارب، من دون تنظيم وتبويب، ولهذا السبب ظهرت الحاجة للدستور، وهو الوثيقة التي ينبغي أن يتفق عليها أفراد الشعب الذين يحق لهم التصويت على الدستور من حين العمر، فموافقة الشعب على الدستور أمر لا يجوز التغاضي عنه، أو استبداله بخطوة اخرى بديلة، بل أعلن المختصون المدنيون بما لا يقل النقاش، أن موافقة الشعب على الدستور أمر لا مناص منه ولا بديل له، وذهب آخرون أن كل دستور لا يحصل على موافقة الشعب، هو وثيقة مشكوك بشرعيتها، وغير قابلة للتطبيق.

ومن الحقوق المهمة التي تم تخصيصها للشعب على السلطان او الحاكم، حق الشعب في المشاركة بالسلطة وادارتها، عبر القنوات المتَّفق عليها، وفي هذه الحالة لا يجوز لحاكم او حكومة أن تمنع الشعب عن المشاركة بصنع القرار، وأهم هذه المشاركات تأتي عن طريق حرية الرأي، فلا مساس بحرية رأي المواطن عندما يريد أن يتصدى لظاهرة حكومية تهدف للمساس بحقوقه، وله الحق في ذلك عبر وسائل عديدة.

الاستماع الى رأي الشعب

منها الاعلان عن الرأي والتصريح به بحرية ومن دون أية مضايقات، عبر وسائل الاعلام بأنواعها كافة، فلا يجوز للسلطان وأجهزته الأمنية، ملاحقة او منع مواطن بسبب اعلانه عن رأيه حول الاداء الحكومي، بل على الطرف الحكومي سماع رأي الشعب في اية قضية كانت، وليس هناك طريق آخر سوى انصياع الحاكم لمطالبات الشعب المشروعة، وفي حالة حدوث النقيض، أي اذا رفضت الحكومة تلبية حقوق الشعب، له حق التظاهر في هذه الحالة.

ولا يجوز منعه، بل تكون الحكومة واجهزتها الكافة، مسؤولية عن حماية المتظاهرين من أية مخاطر قد تطولهم، بل على الحكومة تلبية الحاجات الماسة للمتظاهرين اثناء التظاهر، ومنها تلبية حاجة الطعام والماء، (كما حدث ذلك في تظاهرة العراقيين في ساحة التحرير بتاريخ الجمعة 31 من تموز 2015، في ما سمّي بتظاهرة الكهرباء، حيث قام افراد من الشرطة بتوزيع الماء على المتظاهرين، تعبيرا عن حس مدني وطني عال).

إذاً النقطة المهمة الاولى التي ينبغي مراعاة الحاكم لها، هي حق مشاركة الشعب في صنع القرار، وحرية الرأي، والتظاهر، وكفالة الحاكم لكل ما يتعلق بحريات الفرد المشروعة، والمنصوص عليها في الدستور.

وهناك حق آخر يقع على عاتق الحاكم وحكومته إزاء المواطن، وهو حق التعلّم، (فالجاهل رعية العالِم) كما يقول الامام السجاد (ع) في صحيفة الحقوق، وعندما يتعرض الشعب للتجهيل المتعمد، تكون حالات التقصير الحكومي مضاعفة في هذه الحالة، لذا من أهم واجبات السلطة والسلطان، توفير العلم وحيثياته كافة لعموم الشعب، وهذا حق من حقوقه التي تنازل بموجبه عن جانب من حرياته للحاكم.

وعندما يحدث خللا في تنفيذ هذا الحق من لدن الحاكم وحكومته، فسوف يخضعان الى التساؤل عن هذا التقصير، عبر الوسائل الديمقراطية المتاحة لتنبيه السلطة عن هذا التقصير، ومن ضمنها كما سلف القول، حرية الرأي والإفصاح عن الاخطاء الحكومية عبر وسائل الاعلام المتاحة، ثم هناك حق التظاهر السلمي المحمي من لدن أجهزة السلطة، كما ينص على ذلك الدستور الموضوع والمكتوب من الشعب نفسه عبر ممثليه.

حق التعليم والزواج

إذاً هناك حق تعليم المواطن، وهو حق يقع على عاتق الحكومة، ولا يُقبل أي تقصير في هذا الجانب، علما أننا لاحظنا في التاريخ القديم والمنظور والحديث، بل حتى في التاريخ الراهن، هناك أنظمة سياسية وحكومات مستبدة لا تقوم بواجب تعليم الشعب، ويذهب بعضها الى اكثر من ذلك، عندما يعمد الى اسلوب تجهيل الشعب!.

ومن حقوق المواطن على الحاكم وحكومته، حق التزويج، مع أننا نلاحظ ان حكوماتنا الاسلامية او معظمها، تناسى هذا الحق وأهمله تماما، علما أنه من اهم الحقوق التي تقع عاتقها، كما نقرأ ذلك في الموعظة التي وردت في كتاب (من تحف العقول)، إذ يقول الامام زين العابدين علي بن الحسين (ع) في صحيفة الحقوق: (حقوق رعيتك ثلاثة، أوجبها عليك حق رعيتك بالسلطان، ثم حق رعيتك بالعلم، فالجاهل رعية العالِم، وحق رعيتك من الازواج).

وفي الخلاصة، يتوافر هذا النص من الصحيفة السجادية، على حقوق واضحة الحدود والمعالم للشعب، ينبغي أن تلتزم بها السلطة، وأن تسعى لتحقيقها، فهناك حق للمواطن في صنع القرار، وفي السلطة، وهناك طرق ووسائل لتسهيل تنفيذ هذه المشاركة للشعب عموما، وهذه من مهمات الحكومة، بالاضافة الى منظمات المجتمع المدني، والقوى الضاغطة الاخرى، فضلا عن دور وسائل الاعلام كافة.

كذلك يوجد حق التعليم، وهي مهمة حكومية لا يجوز التنصّل عنها، مهما كانت التبريرات والذرائع، وأي خلل حكومي في هذا المجال، لابد أن يضع الحاكم وحكومته موضع التساؤل، وربما المقاضاة أيضا، كما يحدث في الدول المدنية المتطورة، فالمجتمع المتعلم يعني بناء الدولة المدنية المستقرة والراسخة.

وأخيرا حق التزويج، المهمَل على نحو تام، من حكوماتنا، وكأنها غير معنية بهذا الحق، لا من بعيد ولا من قريب، علما من حق الشباب الحصول على مساعدات عينية ونقدية ومعنوية، لإنشاء أسس سليمة للأسرة الناجحة، علما أن هذا البند يصب في صالح الحكومة والدولة والمجتمع، لأن الاسرة هي الخلية الصغرى لبناء المجتمع، وإذا صحَّتْ الخلية، صحَّ جسد المجتمع كلهُ.

انقر لاضافة تعليق
محمد علي
كربلاء المقدسة - العراق
الى الاستاذ العزيز، علي حسين عبيد مع التحية؛ اعتقد ان معظم - او جميع- الانظمة السياسية في بلادنا تشجع على العلم والتعليم، بغض النظر عن توجهها السياسي او مستواها الاقتصادي، لان العلم، بحد ذاته مفردة ايجابية ومطلب انساني صارخ، نعم يحصل الاشكال والتقاطع مع الطموحات العلمية للشعب، في المراحل العليا، مثل الاختصاصات العلمية والاكاديمية او تفضيل هذا على ذاك في هذه الكلية او تلك او الحرمان من البعثات وغير ذلك. بيد ان المشكلة لدينا في تكريس الغفلة مقابل الوعي، والتسطيح مقابل التعمّق، ولا اعتقد ثمة حكومة او دولة تتسبب في تجهيل الناس وزيادة حجم الامية بشكل مباشر، نعم؛ هنالك ظروف وأجواء ربما تساعد على ايجادها بعض الانظمة، كان كان الحال عند نظام شاه ايران او انظمة بعيدة عن آفاق التطور والتقدم.
شكراً على المقال الجميل.2015-08-02

مواضيع ذات صلة

2