يعيش العالم اليوم ثورة تقنية وتكنولوجية كبيرة جداً لذا أضحى من واجب الحكومات ان تسابق الزمن لتلحق بركب التطور في أساليب عملها اليومية وفي طرق تقديمها للخدمات المختلفة للأفراد من مواطنين وأجانب، فمن الحاسوب والشبكات والهواتف المحمولة بمختلف تطبيقاتها إلى رقمنة الحياة بكل تفاصيلها، وما تقدم من شأنه ان يقضى على الأمية الإليكترونية عند موظفي الدولة والمواطنين.

فالإدارة الإليكترونية للمرفق العام تحقق السرعة والنجاعة في تقديم الخدمات العامة وبالتالي هي توفر الوقت والجهد والأموال، كما ان التطور الرقمي الذي نلاحظه اليوم من شأنه أن يكسب الإدارة العامة ميزة إنجاز الأعمال بكفاءة ودقة متناهية وتمنع العديد من الظواهر السلبية التي كانت تخفى على الإدارات الحكومية نتيجة ان المرافق العامة كانت تعتمد على الأرشيف الورقي كذاكرة وحيدة ممثلة بالسجلات والملفات وهي بالطبع يصعب الاستعانة بها بغير المجهود البشري القابل للخطأ والنسيان أضف إلى أنه لا يمكن ان يقدم أي خدمة إلا في أوقات العمل الرسمي فحسب، وهي أوقات محدودة نسبياً، بل وهي أكثر عرضة للتلف بسبب الحرائق أو التآكل بمرور الزمن في الوقت الذي تحقق البيانات الإليكترونية ميزة إمكانية النسخ والاسترجاع في غضون أجزاء من الثانية، بل ولا تحتاج إلى أبنية كبيرة في الحجم تغص بالموظفين، كما يمكن الاستعانة بها في أي وقت دون انتظار الموظف العام ليتواجد في محل عمله لييتم إنجاز المعاملات.

فالتحول نحو الإدارة الذكية للمرفق أو المؤسسة الحكومية يمكنه ان يؤدي إلى تكامل البيانات التي تملكها كل وزارة أو دائرة حكومية على حدة وعلى سبيل المثال تحتفظ وزارة الصحة بالسجل الطبي للمواطن ووزارة التجارة تمتلك بيانات نشاطه الاقتصادي، ووزارة التربية أو التعليم تنظم بياناته الدراسية، بينما تحتفظ وزارة الداخلية ببياناته الشخصية والأسرية والجنائية أيضاً، وهنا بيت القصيد فبدون التكامل بين هذه الوزارات للاستجابة للطلبات والحاجيات اليومية للمواطن لايمكن ان تكون هنالك خدمات حقيقية يتلقاها المواطن بدون عناء، بل سيكون هنالك معاناة حقيقية يومية تتمثل بطوابير المراجعين والتعقيد الشديد بإلزام المواطن بمراجعة وزارات أخرى.

ولنعط مثالاً لما تقدم حين يرغب مواطن عراقي بالحصول على إجازة بناء وحدة سكنية وهذا حق دستوري وقانوني مكفول للجميع، سيجد نفسه يدور في دوامة من المؤسسات التي عليه أن يرجع إليها ليستحصل منها على قرار يفيد ببراءة ذمته أو استحقاقه لهذه الميزة كدوائر البلدية والضريبة والكهرباء والماء وغيرها وكل منها يحتاج إلى مصاريف ليتجاوز عقبة موافقتها وقضاء ساعات طويلة من الانتظار ولتعامل مع مختلف الأحوال والإجراءات التي تنظم عمل هذه الجهات.

ولقد عرفت الإدارة الإليكترونية بعدة تعريفات ومنها ما ورد في تعريف البنك الدولي بأن الحكومة الإليكترونية "استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من أجل زيادة كفاءة وفاعلية وشفافية ومساءلة الحكومة لما تقدمه من خدمات إلى المواطن ومجتمع الأعمال بما يحكم النظم الإجرائية ويقضي على الفساد"، والنظرة الفاحصة لهذا التعريف تقتضي تحليه إلى الآتي ((أ- الحكومة الذكية هي عبارة عن إدماج التقنيات الحديثة الخاصة بالاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بعمل الجهات الحكومية بمختلف مستوياتها وتسمياتها.

ب- إن الغاية من إدماج التقنية بالعمل الحكومي ليس تسهيل تقديم الخدمات فحسب بل أنها تسهل عمليات الرقابة على الأداء الحكومي وترفع مستوى الشفافية.

ج- إن الحكومة الذكية بما تتضمنه من تقنيات متقدمة تسهل تحديد المسؤول عن أي خلل أو خطأ أو تأخير متعمد وبالتالي تمكن الجهات الرقابية من محاسبة المقصر.

د- إن الحكومة الذكية أداة فاعلة في القضاء على الفساد الإداري والمالي وسلاح مهم في تشخيص مكامن الخلل وتشخيص الفاسدين وسد الثغرات التي يستغلونها ليحققوا النفع لذاتهم أو لغيرهم باستغلال المنصب الوظيفي.

فالحكومة الإليكترونية إذن مصطلح يراد منه الإشارة إلى الاستخدام الأمثل لنظم المعلومات التي توفرها أجهزة الكمبيوتر ووسائل الاتصال والتواصل والشبكات عبر الانترنيت وغيره من وسائط نقل البيانات من قبل الجهات الحكومية المختلفة، بما يعزز من فاعلية العلاقة بين المواطن والحكومة ويسهل إنجاز الأعمال والخدمات، ومن شأن ما تقدم تعزز ثقة المواطن بالحكومة وتحقق المساواة التامة بين الجميع بلا أي تمييز ولأي سبب كان، وليتحقق ما تقدم لابد من إتباع وسائل وأساليب معينة نذكر منها التي:

أ- إحداث تغيير بأساليب تقديم الخدمات الحكومية للمواطن باستبدال الطرق التقليدية إلى طرق حديثة تعتمد على الانترنيت في طلب الخدمة–إنشاء صفحات ويب متخصصة وتفاعلية- وتسلم الخدمة أيضاً يكون بأساليب مبتكرة أو إليكترونية كالتحويلات المصرفية أو الشحن البريدي أو غيرها بما يتلاءم مع طبيعة العمل أو الخدمة المطلوبة.

ب- التحول من طرق ممارسة السلطة بصيغتها التسلطية إلى الأسلوب التعاوني، فقد اعتاد القادة والرؤساء المستبدون وبعض الموظفين على الظهور بمظهر المتفضل والمتكرم على عامة الشعب أو أحد المواطنين حين ينجز معاملة من معاملاته يقدم له خدمة محددة في الوقت الذي لا يدرك ذلك الموظف أو المسؤول ان ما قام به محض واجب فحسب وانه لم يهبه شيء من ملكه الخاص بل هو ينصرف في المال العام بشكل أو أخر، ولو انتقلنا إلى الحكومة الإليكترونية من شأنها أن تظهر الموظف الإداري أو الوزير أو غيره بمظهر الوسيط بين المواطن والنص القانوني فهو بتنفذ القانون بصيغة إليكترونية تمنع من التعسف أو الانحراف أو الانتقائية والمحسوبية.

ومما تجدر الإشارة إليه أن الحكومة الذكية بما تحمله من أساليب حديثة تعد عصب الحياة في المجتمعات المدنية الحديثة وهي الهدف الذي تسعى إليه المجتمعات المدنية الناشئة لا سيما تلك التي عانت من أزمات خانقة في تقديم الخدمات بالطرق التقليدية "العراق" مثالاً في مجال الخدمات المصرفية أو الخدمات الخاصة بالسفر أو الجوانب الصحية وحتى الحصول على الوثائق الشخصية الثبوتية كجواز السفر أو هوية الأحوال المدنية أو غيرها، إذن الإدارة الإليكترونية للمرفق العام أو المؤسسة الحكومية يعني الإدارة بدون اللجوء إلى الأوراق التقليدية التي كانت السبب في التأخير والتعقيد ومن المفترض ان الإدارة الرقمية أو الذكية ستحقق العديد من الغايات ومنها:

1- انسيابية تقديم الخدمة للمواطن وتحسين جودة الخدمة ووصولها إلى المحتاجين في الوقت المناسب.

2- تقليل الاتصال المباشر بين الموظف والمواطن بما يمنع من تعرض الأخير للسلوكيات السلبية التي تصدر عن بعض الموظفين بغض النظر عن أشكالها.

3- تعد الإدارة الإليكترونية أحد أهم الوسائل القانونية للقضاء على الفساد الإداري والمالي أو على الأقل الحد منه إلى المستوى الأدنى ويزيد من الشفافية، ويشيع أجواء مناسبة للمستثمرين بتذليل العقبات الحكومية التي تعوق مبادرتهم للبدء بمشروعات حقيقية في ميادين الإسكان والطاقة وغيرها والتي بدورها ستنعكس إيجابيا على الخدمات العامة في البلد.

4- يمكن الاستفادة من الموظفين الأكفاء بعد إعادة تأهيلهم بما يتناسب وطريقة إدارة المؤسسة الحديثة، والاستغناء عن الموظفين غير المؤهلين.

5- تقليل الإجراءات الإدارية الروتينية المسببة للرتابة والبيروقراطية، والمانعة للتطور بمختلف مستوياته لاسيما على صعيد تشجيع الموظفين على الابتكار والخروج عن الرتابة المعتادة في أداء وظائفهم اليومية، ويتحقق ما تقدم بواسطة:

- الانتقال السلس من الأنشطة الإدارية المادية إلى الأنشطة الرقمية.

- الانتقال من الإدارة الحكومية الوجاهية إلى الإدارة عن بعد.

- تغير هيكل الإدارة العامة من النمط الهرمي القائم على الأوامر من الأعلى إلى الأدنى إلى التنظيم الشبكي المتناظر.

- المزج بين مهام الإدارة المعتمدة على الموظفين أو العنصر البشري فقط إلى الاعتماد على العنصر البشري والبرامج التفاعلية القادرة على الاستجابة للاحتياجات اليومية.

ولعل هنالك أسباب عديدة في العراق تشجع على الانتقال إلى الحكومة الإليكترونية ومنها:

1- زيادة إقبال أفراد المجتمع على استخدام الانترنيت فمن الملاحظ الزيادة المطردة على اقتناء الأجهزة الإليكترونية وتصاعد الطلب بشكل غير مسبوق على التزود بخدمة الاتصال بشبكة الانترنيت.

2- تزايد الحاجيات الفردية والتي تدفع بالأفراد أحياناً إلى الخروج عن التقليد في العمل فقد بات من المألوف ان هنالك أعمال تجري ليلاً أو خارج أوقات الدوام الرسمي للدوائر الحكومية والإدارة الإليكترونية من شأنها ان تستجيب للاحتياجات الخاصة بتلك الأعمال.

3- توفر الإمكانيات البشرية لاسيما بوجود فئة كبيرة من خريجي الكليات التي تعنى بتدريس علوم الحاسوب وهندسة التقنيات المتصلة بالبرمجيات وما سواها.

ويذكر ان العراق بدأ عملياً ببعض الخطوات التي تقود بالنهاية إلى الإدارة الإليكترونية ومنها على سبيل المثال ورد بقانون البطاقة الوطنية رقم (3) لسنة 2016 في المادة الثانية " ثانياً: يسعى هذا القانون إلى تحقيق أهدافه بالوسائل الآتية:

أ- إنشاء نظام معلومات مدنية لتنظيم قيود العراقيين، تجميع معلومات مستند شهادة الجنسية العراقية ومعلومات هوية الأحوال المدنية والمعلومات المدنية الموحدة ومعلومات بطاقة السكن أو أية معلومات مستحدثة.

ب- تخصيص رقم مدني تعريفي واحد ثابت لكل عراقي ورقم للأسرة العراقية" ثم أردفت المادة الرابعة "أولاً: إنشاء نظام معلومات مدني على الحاسوب الإليكتروني وتحدد نوع النظام وفروعه داخل جمهورية العراق وخارجها.

ثانياً: ترحيل قيود الجنسية وقيود السجلات المدنية للعراقيين وعناوين السكن إلى نظام المعلومات المدنية.

ثالثاً: ربط الأرقام التعريفية لأفراد الأسرة الواحدة وإنشاء قيود متزامنة ومترابطة في قاعدة البيانات لتدوين التوضيحات والتأشيرات التي تخص الأسرة"

كما ورد بقانون التوقيع الإليكتروني رقم (78) لسنة 2012 في المادة الثانية ما نصه "يهدف هذا القانون إلى ما يأتي: أولاً: توفير الإطار القانوني لاستعمال الوسائل الإليكترونية في إجراء المعاملات الإليكترونية. ثانياً: منح الحجية القانونية للمعاملات الإليكترونية والتوقيع الإليكتروني وتنظيم أحكامها. ثالثاً: تعزيز الثقة في صحة المعلومات الإليكترونية وسلامتها...." كذلك الأمر بالنسبة لقانون الانتخابات النافذ رقم(9) لسنة 2020 والذي تبنى الجانب الإليكتروني في أغلب التفاصيل المتعلقة بسجل الناخبين والتسجيل البايومتري الذي عرفته المادة الأولى من القانون بأنه "تسجيل بيانات الناخبين وجمعها إليكترونياً" إلى استخدام أجهزة تسريع النتائج وغيرها، كما يشار إلى إن الحكومة العراقية ومنذ العام 2011 بدأت ببعض الخطوات العملية للتأسيس لحكومة المواطن الإليكترونية وتأسست بوابة على الموقع الإليكتروني للأمانة العامة لمجلس الوزراء لمتابعة الطلبات التي يتقدم بها بعض المواطنين وإجابتها، كما أصبح حلم تحقيق الحكومة الإليكترونية يراود رؤساء الحكومات العراقية لذا حرصت الحكومات المتعاقبة على وضع فقرة في البرنامج الحكومي تخص ذلك.

ولكل ما تقدم نجد ان التحول نحو الإدارة الذكية لمؤسسات الدولة أيضا حصل بشكل جزئي من تسجيل حضور وانصراف الموظفين إلى الأرشيف الرقمي إلى التحول نحو استخدام البرامج التخصصية في مجال عمل كل دائرة لكن لا يزال ما تقدم نسبياً ومحدوداً وبحاجة فعلية لإستراتيجية وطنية متكاملة تصاغ تشريعياً بصيغة قانون يصدر عن البرلمان ليتحول إلى برامج عمل في الإدارات المركزية والمحلية وبهذا ستكون هنالك قواعد بيانات دقيقة ومتكاملة يمكن الاستعانة بها في إجراء.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2021
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق