يؤدي الركون إلى التجريم والعقاب بشكل تقليدي وكما هو متبع في العراق وسائر دول العالم إلى تراكم الدعاوى الجزائية أمام القضاء واكتظاظ السجون والمعتقلات بالسجناء والموقوفين، فتظهر بين الحين والآخر أزمات إنسانية لاسيما في ظل تفشي جائحة كورونا، فتتزايد الحاجة إلى بدائل للعدالة التقليدية.

وفي العراق تحديداً وبسبب غياب الإستراتيجية التشريعية الواضحة وقيام البرلمان في السنوات الأخيرة بانتهاج أسلوب اللغو التشريعي والتوسع غير المدروس في القوانين ذات الطابع الجزائي أضحت المحاكم غارقة في كم كبير من الدعاوى، ونتج عن ذلك بطء سير الإجراءات لذا ذهب المصلحون إلى البحث عن بدائل للعدالة الجنائية التي كانت في ما مضى تركز على إنزال أشد العقوبات بالجاني ثم تحولت نحو التأهيل والإصلاح وإعادة الجاني للمجتمع فرداً صالحاً بعد أن يخضع لبرامج تربوية واجتماعية تمكنه من تجاوز أسباب الإجرام وأخيراً اتجهت الأنظار إلى بدائل العقوبة الجنائية فظهرت العقوبات الاجتماعية أو الخدمة الاجتماعية وما شاكل.

وفي الألفية الجديدة اتجهت الأنظار نحو العدالة التصالحية بوصفها أحد السبل المؤدية إلى تحقيق العدالة المنشودة بجبر الضرر الذي لحق بالمجني عليه وإصلاح الجاني ويشار إلى تبني الأمم المتحدة لهذا الموضوع في الكثير من أنشطتها الترويجية منها ما ورد في مؤتمر الأمم المتحدة المتعلق بمنع الجريمة 1995 "مؤتمر الأمم المتحدة لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين في فيينا 17 نيسان 2001" وصدر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة إعلان المبادئ الأساسية لاستخدام برامج "العدالة التصالحية" بموجب قرار المجلس "12/2002 في 24/تموز/2002" وهكذا توالت المحاولات الهادفة إلى تكريس هذا النهج لاسيما العام 2005 في مؤتمر الأمم المتحدة الحادي عشر، وقد تسابقت الدول في سبعينيات القرن الماضي لإقرار تطبيقات محددة للعدالة التصالحية لاسيما الوساطة الجنائية في كندا والولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا وغيرها.

يقصد بالعدالة التصالحية تحميل الجاني مسؤولة الضرر الذي أحدثته الجريمة ويمنح على اثر ذلك الفرصة لجبر الضرر بطريقة بناءة ومستحدثة بإزالة مظاهر الضرر وإظهار الندم ولا يتم ما تقدم إلا بإشراك المجتمع لتترسخ الوسائل الرضائية في حل المشكلات الاجتماعية ويصار في الغالب إلى إشراك أفراد الأسر وذوي النفوذ الاجتماعي بما من شأنه إعادة الحالة إلى ما كانت عليه وتحقق التوفيق والتراضي بين الطرفين.

فالعدالة التصالحية تعد بديلا عن الدعوى العمومية وتعرفها لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالتدابير غير الإحتجازية بأنها "العملية التي يشارك فيها الضحية والجاني وعند الاقتضاء أي من أفراد المجتمع المدني الآخرين لتسوية نتائج الجريمة بشكل غير تقليدي" ومن الوسائل التي شجعت تلك اللجنة عليها (الوساطة، والمفاوضة، والمصالحة)، إذن العدالة التصالحية طريق غير قضائي لمعالجة أثار الجريمة الجنائية قوامها التراضي بين الأطراف المعنية، بتحمل الجاني عبء تعويض المجني عليه بما يسهم في عودة الانسجام الاجتماعي.

وتعود جذور العدالة التصالحية إلى الشريعة الإسلامية التي وضعت أسس متينة لها صالحة لتطبيق في كل زمان ومكان بما من شأنه أن يحقق أمن المجتمع ويمنع الجريمة من أن تستشري فتسلب الأمن والسكينة من النفوس إذ أسس القرآن العظيم والسنة المباركة لوسائل عديدة من شأنها أن تعيد الوئام الاجتماعي وترفع تفشي الجريمة يقول تعالى "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا" ومن الوسائل التصالحية التي وردت في القرآن:

1- الحوار: يقول تعالى "وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ"

2- الصلح: يقول تعالى "وَالصُّلْحُ خَيْرٌ"

3- التحكيم: يقول تعالى "فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا"

4- التأكيد على القسط والعدل: يقول تعالى "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"

ويشار إلى إن للعدالة التصالحية أهداف من شأنها أن تحقق الصالح العام ومنها:

1- تعزيز الأمن والسلم المجتمعي: بالقضاء على أسباب التخاصم والخلاف.

2- جبر الأضرار الشخصية: وإعادة الاعتبار للمجني عليه أو ذويه.

3- إصلاح الجناة: بغير طريق العقوبات الجزائية التقليدية التي لربما تكون سبباً لفساد الفرد باختلاطه بعتاة المجرمين والمنحرفين والمتطرفين.

4- إشراك المجتمع: بمختلف فعالياته في حل المنازعات والخصومات وإنهاء حالة عدم الاستقرار، أضف لذلك منح بعض مكونات المجتمع المدني الفرصة للتوسط وحل المشكلات ما يمنحها القوة والفاعلية ويسهم في تحقيق الدولة المدنية.

5- التخفيف من الآثار الضارة للجريمة على المجتمع، ولعل من يتساءل عن أسباب الركون إلى العدالة التصالحية فنقول:

السبب الأول: تعذر تحقيق العدالة الجنائية بصورة ناجزة: حيث تقوم العدالة الجنائية على أساس شرعي مقتضاه حق الدولة في العقاب لتحقيق وظائف العقوبة من ردع وإصلاح، فبعد أن كانت سمة العقوبة في العصور الماضية القسوة المفرطة اتجهت الدراسات نحو التأكيد على أهمية العقوبة كرادع وكوسيلة لتحقيق الأمن المجتمعي.

السبب الثاني: العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة: فالحبس قصير المدة مثلاً تنتج عنه أثار كارثية أحياناً لا أقلها اقتطاع المحكوم عليه من أسرته وافتقادهم المعيل، أضف لذلك رجحان احتمالية عدم ارتداع هذا الشخص إن كان مجرم عائد إلا إذا كان مجرما مبتدئا، كما إن قصر مدة المحكومية تقف حائلاً دون تنفيذ البرنامج الإصلاحي المنشود.

السبب الثالث: شيوع العقوبات البديلة: حيث اتجهت التشريعات المعاصرة إلى خيار العقوبات البديلة كالعمل في الخدمة الاجتماعية أو السوار الإليكتروني للتخلص من سلبيات السجون ومنها إرهاق ميزانية الدولة بالإنفاق على المؤسسات الإصلاحية ومخاطر اختلاط المحكوم عليه من أجل جريمة بسيطة بعتاة المجرمين، أضف لذلك ما ينجم عن وضع الشخص في السجن من إساءة لسمعته واعتباره الاجتماعي، واعتياده دخول السجن مستقبلا، وما يرافقه من سوء حالته النفسية وما يمكن ان يواجه من سوء معاملة أو ما شاكل.

السبب الرابع: بطء إجراءات الدعوى العامة: إذ أن سير الدعوى الجزائية أمام الجهات القضائية المختصة ترافقه مشاكل جمة تتمثل في الإغراق في الشكليات والمدد التي تفوت على المجني عليه أحياناً اقتضاء حقه، بل وتمنح الجاني بالغالب الفرصة للإفلات من العقاب ولو مؤقتاً مستثمراً الثغرات الإجرائية كالإفراج بكفالة أو بدونها أو تكرار طلب تأجيل الفصل في الدعوى لتعلقها بدعوى أخرى أو لإستكمال جمع الأدلة والإثباتات، لحين صدور الحكم النهائي ما يسهم في خلق حالة من اليأس في نفس المجني عليه فيلجئ إلى وسائل غير قضائية مكره ولربما يضيع حقه بذلك.

وقد تضمن قانون أصول المحاكمات العراقي رقم (23) لسنة 1979 المعدل بعض الصور والتطبيقات التي تعد جزءً متمماً باتجاه تمكين العدالة التصالحية أي يمكن للجناة من استثمارها للتوصل إلى حل بعيد عن سوح المحاكم ومنها:

1- التنازل عن الشكوى: حيث ورد في المادة (9) من القانون أن "يحق لمن قدم الشكوى أن يتنازل عنها" والتنازل تصرف يصدر عن المجني عليه بمقتضاه يعبر عن إرادته في وقف إجراءات الدعوى الجزائية بحق الجاني، وهو ممكن في أي مرحلة من مراحل الدعوى بشرط قبل أن يصدر حكم نهائي ويؤدي إلى انقضاء الحق بإقامة الدعوى عن هذه الجريمة.

2- الصلح: ورد التنظيم القانوني للصلح في القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 في المادة (698) بأن الصلح هو "الصلح عقد يرفع النزاع ويقطع الخصومة بالتراضي" وفي نطاق القانون الجنائي فالصلح قد يكيف على أنه عقد بين الجاني والمجني عليه تنتهي بموجبه ملاحقة الجاني جزائياً أمام المحاكم، وقد يكيف بأنه إجراء ينهي الدعوى الجنائية لرغبة الخصوم بحل النزاع خارج ساحة القضاء، بل يرى بعض الفقه إن الصلح بحد ذاته عقوبة مالية تفرض على الجاني وقد أشارت بعض القوانين العراقية الجزائية طبعا لإمكانية الصلح حيث ورد في قانون الكمارك العراقي رقم (23) لسنة 1984 في المادة (242) بأن "للمدير العام أو من يخوله ان يعقد تسوية صلحية في الجرائم الكمركية قبل إقامة الدعوى أو خلال النظر فيها أو بعد صدور الحكم وقبل اكتسابه درجة البتات وذلك بالاستعاضة كلياً أو جزئياً عن العقوبات الكمركية المنصوص عليها في هذا القانون بغرامة نقدية لا تزيد على ضعف التعويض المدني وتدفع إضافة إلى مبلغ الرسوم والضرائب المترتبة على البضائع موضوع الجريمة" وأهم ما يترتب على الصلح هو انقضاء الدعوى الجزائية حيث ورد في قانون أصول المحاكمات في المادة (194) بأنه "يقبل الصلح بقرار من قاضي التحقيق أو المحكمة إذا طلبه المجنى عليه أو من يقوم مقامه...".

3- الوساطة الجزائية: وهي تعني التحول من العدالة العقابية إلى التصالحية أو الرضائية القائمة على التفاوض بين أطراف الخصومة فهي السعي لدى أطراف الخصومة لتسوية النزاع والوصول إلى اتفاق يقبل به الأطراف وبالغالب يتم الأمر بتدخل وسيط وقد قبل المشرع العراقي في قانون أصول المحاكمات الجزائية ضمنا بالوساطة حين أشار إلى بعض أنواع الدعاوى ذات الطبيعة الخاصة المنصوص عليها في المادة الثالثة ومنها جرائم زنا الزوجية والقذف والسب...الخ. وعلى سبيل المثال ورد في قانون الإجراءات الجنائية التونسي رقم (23) لسنة 1968 المعدل في المادة (335/مكرر) ما نصه "يهدف الصلح بالوساطة في المادة الجزائية إلى ضمان جبر الأضرار الحاصلة للمتضرر من الأفعال المنسوبة إلى المشتكى به مع إذكاء الشعور لديه بالمسؤولية والحفاظ على إدماجه في الحياة الاجتماعية"، ونأمل من المشرع العراقي ان يحذو حذو المشرع التونسي بتبني آلية الوساطة الجزائية وان يكلف جهاز الادعاء العام في العراق بعرض الوساطة على الجاني والمجني عليه فان قبلاها تتوقف إجراءات الدعوى الجزائية مؤقتاً لحين تحقق رضا المجنى عليه والتأكد من ارتداع الجاني.

4- الأمر الجزائي: فان وجدت المحكمة إن المخالفة المنسوبة للمتهم لا تستوجب عقوبة شديدة فتركن إلى آلية الأمر الجزائي إذ ورد في قانون أصول المحاكمات الجزائية بالمادة 205 ما نصه "إذا وجدت المحكمة من تدقيق أوراق الدعوى إن المخالفة لا يوجب القانون الحكم فيها بالحبس أو إن طلبا بالتعويض أو برد المال لم يقدم فيها وان الفعل ثابت على المتهم فتصدر أمرا جزائيا بالغرامة وبالعقوبات الفرعية دون تحديد جلسة لمحاكمة المتهم"، والتوسع بالأمر الجزائي أيضاً يعد منهجاً إيجابياً من شأنه تحقيق العدالة التصالحية أو الحث عليها وتجنب العقوبات السالبة للحرية وما تحمله من سلبيات لا سيما وأن الأمر يعتمد على قبول المجني عليه وعدم تقديمه لطلبات التعويض ويكتفي بالمساعي الحميدة التي تبذلها جهات لعلها مجتمعية للتوصل إلى تسوية ودية للنزاع.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2021
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق