تبني الدستور العراقي للعام 2005 النظام الجمهوري النيابي الاتحادي الديمقراطي وبالوقت عينه تبنى نظام اللامركزية الإدارية كأسلوب لتوزيع العمل بين السلطات التنفيذية المركزية منها والمحلية، فالأفراد يعتمدون في حياتهم اليومية كثيراً على المرافق العامة بمختلف مسمياتها لإشباع حاجاتهم اليومية لهذا اتجه المصلحون إلى المناداة بضرورة تبني نظام اللامركزية باشراك السكان المحليين في تشكيل إدارة تسهر على إشباع مصالحهم المحلية المتميزة عن المصالح الوطنية.

سيسهم هذا الأسلوب في تقليل العبء عن الوزير أو الحكومة في العاصمة ليتفرغوا للمسائل المهمة والوطنية التي تتصل بالمصلحة العامة القومية، فيما تنصرف الهيئات اللامركزية بحكم قربها من السكان ومعرفتها بطبيعة ما ينقصهم من خدمات لتوفيرها بسرعة ونجاعة أكبر.

وفي العراق بعد ان قاسى الشعب سنوات الدكتاتورية الطويلة والمركزية التامة استبشر خيرا بما ورد في دستور العراق النافذ من تأكيد على اللامركزية كاسلوب لإدارة المحافظات، ومما لاشك فيه ان هذا النظام من شأنه ان يكرس الممارسة الديمقراطية للمواطنين على المستوى المحلي ويسهم في تقريب المسؤول من المواطن فيكون أكثر معرفة بطبيعة المشاكل التي تعاني منها المناطق السكنية والزراعية والصناعية والتجارية على حد سواء، وان اشتراط كون المرشح لعضوية مجالس المحافظات والأقضية من سكنة المناطق ذاتها من شأنه الإسهام في مجيء أفراد أكثر حرصاً على تحقيق المصالح العامة لكونهم يتشاركون الأفراد ذات الهموم اليومية.

وقد حرص القابضون على السلطة ولجنة كتابة الدستور العراقي على تكريس مبدأ اللامركزية الإدارية والحد من الفروقات بين هذا النظام واللامركزية السياسية أي الأقاليم أو النظام الاتحادي "الفدرالي" رغم الاختلاف بينهما من النواحي التنظيمية والتطبيقية بدليل ان المادة "115" من الدستور تنص على "كل مالم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية يكون من صلاحية الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم تكون الأولوية فيها لقانون الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم" كما نصت المادة "116" على أنه "يتكون النظام الاتحادي في جمهورية العراق من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية"، وأردفت المادة "122" القول بأن "تمنح المحافظات التي لم تنتظم في إقليم الصلاحيات الإدارية والمالية الواسعة بما يمكنها من إدارة شؤونها وفق مبدأ اللامركزية الإدارية "فاللامركزية تعد أهم صور توزيع الوظيفة الإدارية بين السلطة المركزية في العاصمة وهيئات محلية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري لتتمكن من أداء الوظائف المناطة بها على ان تبقى علاقتها بالمركز قائمة من خلال الرقابة ونقل الاختصاصات اللازمة للنهوض بالخدمات العامة، ويصنف المختصون اللامركزية إلى صورتين هما:

الأولى: اللامركزية التامة: وفيها تمارس الوظيفة الإدارية محلياً من أشخاص منتخبين من السكان المحليين، وهذا ما أخذ به قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم (21) لسنة 2008 المعدل النافذ.

الثانية: اللامركزية النسبية: وفيها تمارس الوظيفة الإدارية من أشخاص بعضهم منتخب والآخر معين من السلطة المركزية وهذه الصورة هي التي كانت سائدة في العراق في ظل قانون المحافظات الملغى رقم (159) لسنة 1969 حيث كانت المحافظ يعين بواسطة رئيس الجمهورية.

وقد صدر في العراق قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية والنواحي رقم (36) لسنة 2008 وجرى وفق أحكامه انتخاب المجالس المذكورة في الأعوام 2009 و2013 رغم المساوئ التي كان يحملها، إلا ان تعطيلا أصاب الديمقراطية المحلية يمكننا ان نرصد بعض ملامحه وفق الاتي:

ألزمت المادة (6) بإجراء انتخابات مجالس الأقضية والنواحي بعد ستة أشهر من انتخابات مجالس المحافظات إلا أنه ومنذ العام 2004 ولغاية اليوم لم تحصل أي انتخابات للمجالس المذكورة حتى تم تعطيلها جميعا العام 2019 كما سيتضح بعد قليل، وكذا الزمت المادة (46) من قانون انتخابات مجالس المحافظات آنف الذكر مجلس الوزراء بتحديد موعد الانتخابات بناءً على توصية من المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ويعلن عنه في وسائل الإعلام قبل الموعد المحدد بـ(60) يوماً، وهو ما ورد بالمادة (44) من قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية النافذ رقم (12) لسنة 2018 قبل ان يطالها التعديل.

أشار البند "ثالثاً" من المادة (46) إلى أنه "في حال تأجيل الانتخابات تستمر مجالس المحافظات والأقضية والنواحي في إدارة شؤونها لحين انتخاب مجالس جديدة" وهو ما أشار إليه البند "ثالثا" من المادة (44) من قانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية رقم (12) لسنة2018 المعدل بيد ان تعديل هذا القانون في العام 2019 بالقانون (27) جعل النص بالشكل الآتي "إنهاء عمل مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم والأقضية والنوحي التابعة لها" علما ان المشرع قد أصدر بوقت سابق قانون التعديل الأول رقم (14) لسنة 2019 وحدد يوم (1/4/2020) موعدا لانتخابات مجالس المحافظات والأقضية على ان تنتهي أعمال مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم والأقضية والنواحي في 1/3/2020، وكل ما تقدم يشكل مخالفة لما ورد بالمادة (4) من قانون المحافظات غير المنتظمة في إقليم رقم (21) لسنة 2008 التي حددت مدة الدورة الانتخابية بأربع سنوات تقويمية تبدأ بأول جلسة لمجلس المحافظة.

وما يثير الحيرة والشك والريبة ان كل التعديلات المتقدمة الغاية منها هي الالتفاف على السيادة الشعبية وتعطيل للإرادة العامة لا غير، لهذا اكتمل مسلسل التعطيل بإلغاء المشرع العراقي للمادة الرابعة في التعديل الثالث لقانون المحافظات بالقانون رقم (10) لسنة 2018 ليجعل مدة مجالس المحافظات تنتهي في سنة 2018 ولم يحصل الإنهاء إلا في نهاية العام 2019، والسؤال ما مدى مشروعية عمل مجالس المحافظات في الوقت الذي انتهت مدتها القانونية للنيابة عن الشعب منذ العام 2017، والأدهى الإصرار على تجاهل الإرادة العامة بتعطيل إجراء الانتخابات المحلية منذ العام 2019 عندما تم إنهاء مجالس المحافظات ونحن اليوم في العام 2021 ولا يوجد من يمثل الإرادة الشعبية على المستوى المحلي، وللتذكير فقط نقول ان المادة الخامسة من دستور 2005 تنص على "السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية"، فان كان الشعب مصدر السلطات فلم الإصرار على تجاهل إرادته على المستوى المحلي؟ حيث ان من مؤسسات الدولة على المستوى المحلي مجالس المحافظات والأقضية وهي منظمة بالمادة (122) من الدستور إلا أنها غير موجودة الآن ما يعني تعطيل النصوص الدستورية وتجاوزاً خطيراً على مبدأ سيادة القانون.

ومن بعد صدور القانون (27) لسنة 2019 قانون التعديل الثاني لقانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية رقم (12) لسنة 2018، والذي نتج عنه الآتي:

إنهاء عمل مجالس المحافظات غير المنتظمة في إقليم ومجالس الأقضية والنوحي التابعة لها، استمرار المحافظ ونائباه ورؤساء الوحدات الإدارية بممارسة المهام والصلاحيات المنصوص عليها في قانون المحافظات رقم (21) لسنة 2008 استثناءً من المادة (30) من القانون المذكور والتي تحيل كل منهم إلى تصريف الأعمال عند انتهاء مدة الدورة الانتخابية للمجالس والبالغة (4) سنوات تقويمية، وأضاف القانون أعلاه ان يقوم أعضاء مجلس النواب وكلاً قدر تعلق الأمر بالمحافظة التي يمثلها بممارسة الإشراف والرقابة على أعمال المحافظ ونائبيه في كل محافظة وتقديم التوصيات اللازمة بشأنها لمجلس النواب.

مما تقدم نتساءل:

ان كان المحافظ سيستمر في منصبه لممارسة الاختصاصات المعقودة له فمن سيمارس اختصاصات مجلس المحافظة؟ ومن سيراقب المحافظ على المستوى المحلي خشية انحرافه بالسلطة؟ ثم ان إنهاء دور مجالس المحافظات يعني ارتباط المحافظ بقرارات مجلس الوزراء وتنفيذها بحكم المادة (31 البند ثالثاً) التي ألزمت المحافظ بتنفيذ السياسة العامة الموضوعة من قبل الحكومة الاتحادية، ما يقربنا من النظام المركزي الكامل ويعطل جملة من نصوص الدستور المنظمة للنظام اللامركزي؟

ان أعضاء مجلس النواب سيقومون برقابة المحافظ ونائبيه فمن سيراقب القائم مقامين ومدراء النواحي؟ ثم ان أعضاء مجلس النواب سيرفعون التقارير بشأنهم إلى مجلس النواب ثم ماذا؟ بعبارة ثانية ما الفائدة من هذه التقارير حيث يتوجب على مجلس النواب ان يمضي بإجراءات توجيه الأسئلة بموجب المادة (27) من قانون مجلس النواب رقم (13) لسنة 2018 أو إجراء التحقيق مع المحافظ استناداً للبند (سادساً) من المادة أعلاه بما ان المجلس لا يملك استجوابه إلا بطلب من رئيس الوزراء وبالتالي لا يملك إقالته مالم يرد الطلب المتقدم فتكون بهذا رقابة المجلس جوفاء ولا فائدة ترجى منها، ثم من سيراقب القائم مقام أو مدير الناحية حيث لا يوجد نص صريح يمنح مجلس النواب إقالة هؤلاء أو رقابتهم على الأقل؟.

استكمالاً لما تقدم برزت العديد من الأسئلة فحاول مجلس الدولة العراقي الإجابة عن بعضها في قراره المرقم (12/2020 في 4/2/2020) الذي صدر بعد إنهاء مجالس المحافظات مباشرة وكالآتي:

حيث ناقش المجلس تقديم استقالة المحافظ ورأى المجلس إنها تقدم لرئيس الوزراء اما اختيار بديل عنه فمن اختصاص مجلس الوزراء ولا ندري من أين جاء هذا الحكم الشاذ نعم نحن أمام حالة استثنائية مؤقته بيد ان الصواب ان الاستقالة تقدم إلى مجلس الوزراء وليس رئيس الوزراء كما ان اختيار المحافظ الجديد من وجهة نظري ينبغي ان تسند لمجلس النواب بوصفه مجلس منتخب يمثل الإرادة الشعبية أولا ثم ان المحافظ بموجب المادة (24) بمنصب وكيل وزير ووكلاء الوزراء درجة خاصة لا يسوغ تعيينهم من مجلس الوزراء بل بموجب المادة (61/ خامسا من الدستور هي صلاحية معقودة لمجلس النواب فقط)، ثم ماذا لو توفي المحافظ أو أصيب بعاهة مستديمة أو مرض يعجزه عن ممارسة عمله فمن يعلن خلو منصب المحافظ؟ ومن يعين بديل عنه؟ كل ما تقدم أسئلة بحاجة إلى أجوبة مستعجلة وإلا فنحن ماضون نحو الحكم المركزي من جديد.

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

13