ما تزال اخبار كورونا في صدارة كل شيء حول العالم، اخر الاحصائيات الصحية، تزايد في الإصابات والوفيات، دول أغلقت المدن وعزلتها تماما عن بعضها البعض لما يزيد عن شهر كامل، لا يحق للمواطن الخروج للأسواق الا بتصريح حكومي او تبرير لعمل ملح، حرية التجارة لم تعد كذلك، وحرية تنقل الافراد بين الدول تتبع الأسلوب ذاته، فدول الاتحاد الأوربي التي تمثل الاندماج الأكثر وضوحا في العالم لم تحجر نفسها عن الدول الأخرى بل حجرت مواطنيها في مدنهم.

لم يعد صوت الحرية مسموعا، والقرار واحد يتخذ من الجهات العليا استجابة لحالة الطوارئ المعلنة عالميا، من كان في قلبه فكرة معينة ويريد تحشيد الناس في تظاهرة احتجاجية علنية فقد فاته الزمن ولا يمكنه الخروج استجابة لقرار الجائحة المخيفة، واذا ما أراد الخروج بغض النظر عن الظروف فقد يؤثر على اقرانه المواطنين الاخرين، اذ كيف له ان يضمن عدم اصابته بالفيروس ومن ثم نشره في بلدته ام مدينته.

لا يحق للمواطن إخفاء المعلومات بحجة حرية الرأي والتعبير، وحريته في التكتم على معلوماته الخاصة باعتبارها جزء من الخصوصية، لان خصوصيته تعني حياة الاخرين، ومن ثم من واجبه الأخلاقي التصريح علانية للجهات الصحية الرسمية بما يمر به من اعراض صحية، ووجهته التي كان مسافرا اليها، وهل دخل في دولة او منطقة موبوءة من اجل اخضاعه لإجراءات الحجر الصحي.

ما قبل كورونا

قبل ان تحل جائحة كورونا كانت هناك أفكار متطرفة تقول بضرورة السماح بالحرية المطلقة لكل شخص ان يعبر عن اية فكرة تدور في رأسه، يرفض أصحاب الحرية المطلقة مبدأ ان حريتك تقف عند حدود حرية الاخرين، ويعتبرونه حيلة لتقييد الحرية المطلقة للأشخاص، يقولون ان الانسان يحق له ان يفعل ما يشاء وبما يراه مناسبا بنظرية ترتكز الى أصول قديمة له جذور في الأفكار السفسطائية التي ترى ان الانسان مركز الكون، وهو الأصل في كل شيء.

في التطبيقات نجد ان مبدأ الحرية المطلقة غير قابل للتنفيذ حتى في عصر ما قبل كورونا، لأننا قد نصطدم بالإجراءات التقليدية لدى الدول من المعاملات الرسمية وضرورة الخضوع للنظام الإداري التقليدي في الدولة، مرورا بالإجراءات الاقتصادية وضرورة الخضوع الى قانون معين يحدد سلوك الافراد، وتحديد نطاق اختياراتهم، ثم الى القانون العام الذي يحدد العلاقة بين المواطنين وهذا ما يجري اليوم في ظل الدولة القومية الحديثة في الدول الغربية، بل ان الدول المتقدمة هي تلك التي تسود فيها ثقافة القانون، وهذه القوانين مجرد وجودها محدد للحرية ولا يسمح باطلاقها.

الحرية المطلقة تعبر عن الحالة البدائية للإنسان، وتشبه حياة البدو الذين يرعون الماشية في الصحارى الواسعة، بدون ان يحدهم قانون او حقوق للاخرين، والحرية المطلقة يمكن ان تنشأ في ظل الدول الفوضوية التي لا يوجد فيها قانون او سلطة واحدة تحدد العقد الاجتماعي بين الناس والسلطة، ولذلك تسود ثقافة البقاء للاقوى.

ولم يحدد انصار الحرية المطلقة كيف يمكن حماية الاخرين اذا ما امتلك شخص ما قوة هائلة تسحق الاخرين، اذا ما أراد فعل ذلك باعتباره جزءا من حريته، واذا ما ارادت شركة احتكارية ان تمنع منتجاتها عن المجتمع من اجل زيادة أسعارها، فاذا لم تجبرها سلطة ما على بيع المنتجات في الأسواق بغية تخفيض السعر، فان الاجراء الاحتكاري الذي تقوم فيه يمثل تعديا على حياة الاخرين، اما اذا قررنا تخفيض السعر عنونة عبر سلطة اكبر منها، فاننا نكون قد حفظنا حياة الناس وحققنا العدالة، من هنا يمكن القول ان الحرية مصونة في اطار تحقيق العدالة وضمان حقوق الناس، ولا مجال للحرية الا في حدود تحقيق العدالة وحفظ حياة المواطنين.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12