تسع سنوات من عمر الثورة البحرينية، والنظام البحريني يواصل ممارسة سياسته التعسفية وأساليبه القمعية بكم الأفواه وإسكات صوت الحق... والمعارضة البحرينية مستمرة في حراكها السلمي والمطالبة بالتحول الديمقراطي والملكية الدستورية، قابلتها سلطات آل خليفة بممارسة أبشع أنواع القمع ضد المحتجين، وللأسف فالإعلام المأجور يعمل على التستر عن الجرائم التي يرتكبها حكام البحرين بحق المتظاهرين العزل والسلميين.

فمنذ قمعت الجماهير البحرينية في دوّار اللؤلؤة عام 2011، تتواتر الأنباء الشحيحة عن الانتفاضة الشعبية البحرينية، دون أي تركيز إعلامي، بل بتجاهل مقصود، لأن جزيرة البحرين تقع في خاصرة السعودية، وهي كانت دائما أشبه ببؤرة ثورية قابلة للانتشار في محيطها الخليجي، ولا سيما السعودية التي تتأجج نار الغضب فيها تحت الرماد الذي بدأ بالتوهج وتطاير الشرر.

ورغم القمع الوحشي في دوار اللؤلوة، الذي مارسته قوّات درع الجزيرة، لم تخمد نيران الانتفاضة الشعبية البحرينية، وهي بنظر أي منصف تبدو الأوضح، والأكثر جذباً شعبياً، والأبعد عن العنف، فهي سلمية رغم التنكيل اليومي، والسجون، ومحاولات تشويه توجهاتها، رغم وضوح وعدالة مطالبها، وشعاراتها، وأصالة وطنيتها، وبعدها عن المؤثرات الخارجية.

انتفاضة شعب البحرين لا سند لها، ولا دعم، ولا رعاة، ولا تشملها مبادئ حقوق الشعوب في التحرر من الاستبداد، وديمقراطية صناديق الاقتراع، والمساواة بين المواطنين... فقط: لأنها تقع قرب آبار النفط، وقواعد الاحتلال الأمريكي، وتهدد في حال انتصار شعبها هذه المصالح التي لا تقبل التسامح، فلا إنسانية، ولا إجماع دولي، ولا رأي عام، ولا لجان حقوق إنسان... إنّ الشعب البحرينيّ يعاني إعداما معنويا، متمثّلًا باستبدال الشعب الأصليّ بشعبٍ مستوردٍ عبر سحب الجنسيّة وتجنيس آخرين.

فالحراك في البحرين يعتبر من أقدم الظواهر السياسية في الخليج، وما يجري في البحرين من حراك شعبي متواصل منذ أكثر من ثمان سنوات، يدلل بوضوح على المخزون النضالي الذي يختزنه شعب البحرين، الذي صقلته تجربة نضالية سلمية، تهدف إلى بناء دولة يتساوى فيها جميع مواطنيها في الحقوق والواجبات ويتمتعون بالكرامة، دولة ديمقراطية تقوم على ما تفرزه وتقره صناديق الاقتراع. لكن الحكومة البحرينية تعاملت مع هذا الحراك السلمي بسياسة القبضة الحديدية والعقاب الجماعي، رغم مشروعية مطالب هذا الحراك، واستقدمت في تعاطيها مع هذه المطالب بمنظومة من الأكاذيب والتلفيقات والتبريرات والحجج الواهية التي لا تستند إلى أي مقوم منطقي أو أخلاقي أو عقلاني، متهمة المعارضة بأنها تخدم أجندة خارجية، محوّلة المطالب المحقة إلى مسألة مذهبية، لتقوم بحملة من الاعتقالات العشوائية والمطاردات والملاحقات للناشطين السياسيين، مستخدمة القوة المفرطة، وعندما عجزت عن مواجهة غضبة الشعب استقدمت قوة عسكرية سعودية لقمع انتفاضة وثورة الشعب البحريني.

فبعد تفجر ثورة 14 فبراير/شباط عام 2011 في البحرين، شعر النظام السعودي بخطورتها على أمنه الخاص، وقال يومها نايف بن عبد العزيز (الرجل الأقوى آنذاك): إن أمن البحرين من أمن الرياض... وبهذا حدد طبيعة مستوى التعامل مع مطالب شعب البحرين، التي كانت تصرّ على السلمية والمطالبة بالحقوق بشكل حضاري، لكنّ النظام البحرينيّ أغلق أذنيه، في بلاد تحكم عائلياً، حيث تمتلك العائلة الوطن ملكية خاصة، وتحتكر الممتلكات والثروات وتنهبها وتتقاسمها بين أسرة آل خليفة.

ولعل ما يقوم به حمد ليس جديداً، فقد عزز آل خليفة بعد أن استقروا في البحرين مطلع القرن الـ18 سياسة الانقسام واستولوا على الأراضي من أصحابها الأصليين، ولا تزال إلى اليوم مناصب حكومية رفيعة المستوى تُمنح بشكل غير متناسب لأفراد أسرة آل خليفة وغيرهم من الموالين لهم، ولا يزال آل خليفة يحافظون على التقاليد التي تتسم بالتمييز عندما كانت البحرين محمية بريطانية والتي يأتي على رأسها الاعتماد في عمليات التجنيد على الغرباء، حيث يعتمدون في عمليات الدفاع على المرتزقة الأجانب، في حين يُحرم البحرينيون من حقهم في الدفاع عن بلادهم.

لقد جاهدت عائلة بني خليفة لفرض فرز مدني على أساس طائفي ومذهبي بين السكان البحرينيين الذي أصبح لب وصلب الحكم الاستبدادي لبني خليفة، وبالرغم من وجود أغلبية سكانية لفئة طائفية معينة والتي استطاعت الحصول على 65 في المائة من مقاعد البرلمان، والفوز بأغلبية الأصوات، إلا أن هؤلاء مازالوا يواجهون اضطهاداً صارخاً وحرماناً كبيراً وواسعاً في الامتيازات العامة والحقوق المشروعة، فمن غير المسموح لهم العمل في قطاعي الشرطة والجيش، ومفاصل الحكم الأساسية، وذلك بسبب عدم انتمائهم لطائفة العائلة الحاكمة نفسها.

ويؤكد المراقبون أن ولي عهد البحرين والملك حمد والده، لا يشكلان أي تأثير في المؤسسة الحاكمة في البحرين، بحيث لا تجد مناصاً من اتباع السياسة السعودية بكل تفاصيلها ''حذو النعل بالنعل''. فالعلاقة الوثيقة بين العائلتين الحاكمتين في السعودية والبحرين مكرسة بشكل كبير لخدمة المصلحة السعودية بشكل أساسي، فسياسة القمع والاضطهاد التي يمارسها بنو خليفة لا تختلف كثيراً عما يمارسه بنو سعود من ظلم وبطش بحق مواطنيهم، فالطبيعة السائدة للحكم واحدة، وتالياً تبعية الحكم البحريني لنظام بني سعود لا حدود له. وتحكم العلاقة السعودية البحرينية عوامل تاريخية واجتماعية، إضافة إلى التكوين الديمغرافي الممتد للمنطقة الشرقية من الأراضي السعودية، الذي أقلق سلطات بني سعود وجعلها تُنشئ شبكة أمنية واسعة بالتنسيق مع بني خليفة لمساعدتهم في تعزيز حكم القبضة الحديدية على البحرينيين.

في البحرين أعراض تُنتهك ومدن وقرى وأحياء تُستباح وبيوت تُدمر عن بكرة أبيها ورجال ونساء وأطفال يُقتلون بمختلف أنواع الأسلحة المحرمة وجثث يُمثل بها وشبان يُزجون بالمعتقلات ويتعرضون لشتى صنوف التعذيب الوحشي، ذنبهم الوحيد أنهم طالبوا بإصلاحات سياسية وقضائية، ولكن ذنبهم الأكبر أنهم خرجوا بشيبهم وشبابهم بنسائهم وأطفالهم وهتفوا بالحرية والكرامة والعدالة الإنسانية. وكانت جريمتهم التي لا تغتفر أنهم قالوا لا للظلم والديكتاتورية، لا للعنصرية والشوفينية.

وفي هذا السياق قال نائب رئيس جمعية الوفاق البحرينية الشيخ حسين الديهي أن السلطات شنت عشرات المداهمات وزجت بآلاف المواطنين البحرينيين في السجون من نشطاء وقيادات سياسية وأكاديميين وكوادر تعليمية وطبية ونساء وأطفال. وأضاف الشيخ الديهي خلال تجمع خطابي بمناسبة الذكرى التاسعة للثورة البحرينية أن البلد أصبحت الأولى من حيث عدد السجناء السياسيين قياسا بعدد سكانها بحسب مراكز الدراسات. وأشار الشيخ الديهي الى أن النظام الخليفي عمد إلى إلغاء السلطة الخامسة من خلال تدمير وتشطير وإلغاء مؤسسات المجتمع المدني وتحويل قيادتها للسجون.

فأين دعاة الدفاع عن حقوق الإنسان؟ وأين دعاة حماية الديمقراطية؟ وأين دعاة الدفاع عن الحرية والكرامة؟‏ لماذا يملأ المجتمع الدولي الفضاء صراخاً وعويلاً إذا قتل مواطن في بلاد أخرى، ولا يحرك ساكناً أو ينبس ببنت شفة تجاه القتل والاعتقال على يد نظام القبيلة الحاكم في البحرين وبمساعدة نظام آل سعود الحاكم في الجزيرة العربية، والذي كان قد أرسل قواته العسكرية المدججة بالسلاح الفتاك إلى البحرين بعد حصوله على الضوء الأخضر من المجتمع الدولي، وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية، التي تدعي أنها تعمل على نشر الديمقراطية في المنطقة، كما أنها تدعي بأنها تبذل قصارى جهدها لحماية حقوق الإنسان في دول المنطقة من خلال تشجيعها ودعمها للحراك الشعبي الذي تشهده دول المنطقة؟‏

فلماذا مثلاً لم يسعَ مجلس الأمن الدولي إلى مناقشة ما يجري في البحرين؟ لماذا لا تبادر الدول التي تدعي الحرص على حماية حقوق الإنسان من القمع السلطوي في بلدانها إلى طرح القضية في مجلس الأمن فتتخذ ما يلزم من إجراءات كما فعلت في ليبيا مثلا أو اليمن أو سوريا؟ فهل يختلف شعب البحرين عن شعوب الدول الأخرى؟

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا سكتت المنظمات الدولية، ولماذا جاء ردّ بعضها باهتاً وماسخاً، ولماذا لم تعرض قضية الشعب البحريني وقمعه أمام مجلس الأمن الدولي؟ ولماذا لم ترسل الجامعة العربية لجنة مراقبين إليها؟

فالأمر يشير بوضوح إلى تسييس رسالة المنظمات الإنسانية والدولية التي تهيمن على قراراتها دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية بما يخدم مصالحها ومصالح شركائها، وبالتالي نشاهد أن العلاقات السياسية بين حكام الخليج الذين يملكون النفط والغاز وبعض القوى الكبرى تحول دون اتخاذ إجراءات دولية ضد انتهاك هذه الأنظمة لحقوق الإنسان.‏ كما أننا نكاد لا نقع في العديد من وسائل الإعلام والفضائيات، التي أخذت على عاتقها رعاية ما يسمى بالربيع العربي، على خبر أو تحليل أو معلومة مهمة لما يجري في البحرين، وكأنه غير موجود، في حين تسلط الأضواء الكاشفة على ما يحصل في بعض البلدان العربية الأخرى، بل تعقد الندوات وجلسات الحوار، وتدفع الأموال، وتجري المطالبات بالتدخل الدولي والأجنبي.‏ فقط حراك شعب البحرين، أو انتفاضته، لم تحظ بعناية الفضائيات (العربية)، وفضائيات الديمقراطيات الغربية، المعنية بحقوق الإنسان، والحريات، وحق التظاهر، وصناديق الاقتراع!

في البحرين ثورة شعبية سلمية مطلبية محقة، تحاول جهات عدة التغطية على مجرياتها ووقائعها وأحداثها. في البحرين ثورة شعبية سلمية، لم تعد مجدية محاولات قمعها أو التغطية عليها وحرفها عن مسارها ومصيرها، أو التخفيف من وقع تأثيرها المتزايد على محيطها الخليجي، فالشعب البحريني بكل شرائحه، سيثبت أنه أقوى من كل هذه الأساليب، ومن كل محاولاتهم البائسة، وسيتمكن من رسم مستقبله وتحقيق حلمه في الحرية والديمقراطية والعدالة، طال أمد ثورته أم قصر، ومهما اشتد بطش النظام وداعميه.

وما يحدث في البحرين من فوضى ورفض لاستبداد حكم آل خليفة ما هو إلا حركة للحقوق المدنية والحريات ومطالب شعب أراد الانتقال من نظام ''امتيازات'' نحو نظام يتيح للجميع التمتع بحقوق متساوية. وفي هذا الإطار، أوضح نائب رئيس جمعية الوفاق البحرينية الشيخ حسين الديهي، أنّ السلطات حولت البحرين لدولة فقيرة، غير قادرة على تغطية أعباء ومتطلبات المواطنين، هذا ويهددها شبح الإفلاس، حيث يتجاوز اليوم الدين العام 120 بالمائة وينخر جسد الدولة الفساد المالي والإداري...

خلاصة الكلام: إن الأصل في انتفاضة وثورة الشعب في البحرين مسألة سياسية، ولا يمكن أن تحل إلا بحل سياسي سلمي، وديمقراطي، وأن المواطنين في البحرين هم في الأصل مواطنون بحرانيون عرب أولا وقبل كل شيء، لا يغير من ذلك انتماؤهم لهذا المذهب أو ذاك.

* باحث وكاتب صحفي من المغرب

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

12