تطورات مهمة وجديدة تشهدها قضية مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي الذي اختفى بعد دخولة قنصلية بلاده في اسطنبول للحصول على وثيقة رسمية للزواج من التركية خديجة جنكيز، وبعد أسابيع من التقارير الإعلامية غير المؤكدة والتسريبات والبيانات المتعارضة، اكدت التحقيقات التي تجريها السلطات التركية مقتل خاشقجي بعد دخوله القنصلية السعودية في الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول في عملية جرى التخطيط لها مسبقا وإنه تم تقطيع أوصاله بعد ذلك والتخلص منها. وتعهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بأن أنقرة لن تدع المسؤولين عن قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي يفلتون من العدالة بدءا ممن أمروا بقتله وانتهاء بمن نفذوا.

في خطاب بالعاصمة التركية، أنقرة، دعا أردوغان في وقت سابق إلى محاكمة 18 مشتبه سعوديا في اسطنبول، وقال "كل أولئك الذين لعبوا دورا في جريمة القتل" يجب أن يعاقبوا. ولم يشر أردوغان صراحة إلى الأمير محمد بن سلمان. وقال أردوغان إن جريمة القتل "خُطّط" لها قبل تنفيذها بأيام، وطالب بالكشف عن المسؤول الذي أعطى الأوامر إلى الفرقة المكونة من 15 شخصا المشتبه بهم في قتل الصحفي السعودي.

وكانت السعودية اعترفت بأن الصحفي جمال خاشقجي قد قتل في قنصليتها في إسطنبول، ولكنها لم تقل ماذا حدث لجثته. وكانت الرياض تصر في وقت سابق على أنه غادر القنصلية حيا ودون أن يتعرض لأذى. وقال مجلس الوزراء السعودي إنه سيحاسب كل ما وقف وراء قتل الصحفي "بغرض النظر عمن قد يكونون". واثارت قضية خاشقجي ايضا ردود افعال عالمية غاضبة وانتقادت كبيرة ضد السعودية، فبعد اعلان المملكة مقتل خاشقجي وتاكيدها على محاسبة كل من يقف وارء هذه الجريمة، تهكم الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، على رد المملكة العربية السعودية، ووصفه بأنه "أسوأ عملية تستر" في التاريخ. وقالت واشنطن إنها ألغت تأشيرات دخول كل الضالعين في حادث القتل. وطال الإجراء الأمريكي 21 سعوديا. وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو: "تلك العقوبات ليست الكلمة الأخيرة للولايات المتحدة بشأن هذه القضية."

الى جانب ذلك أبدى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، "استعداده لتشكيل فريق دولي للتحقيق في جريمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي". وقال فرحان حق المتحدث الرسمي باسم الأمين العام بالمقر الدائم للأمم المتحدة في نيويورك، إن "الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مستعد لتشكيل فريق دولي للتحقيق في جريمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، متى تلقى طلبا بذلك من قبل إحدى الدول الأعضاء المعنية بالموضوع في الأمم المتحدة"، وذلك وفقا لوكالة "الأناضول".

وأوضح حق أن الأمين العام تلقى بالفعل "استشارات قانونية من مستشاريه المعنيين بخصوص إمكانية قيامه بتشكيل فريق دولي" للتحقيق في مقتل خاشقجي بقنصلية بلاده بإسطنبول. وأضاف أن غوتيريش "على دراية بالتطورات الأخيرة التي أعلنت في تركيا بشأن مقتل الصحفي السعودي"، مؤكدا أن موقف الأمين العام كما هو ويتمثل في ضرورة "إطلاق تحقيقات عاجلة ومحايدة ومستقلة".

وكانت النيابة العامة التركية في مدينة إسطنبول، أعلنت، أن "جمال خاشقجي قتل خنقا فور دخوله مبنى القنصلية العامة السعودية في إسطنبول من أجل القيام بمعاملات زواج، بتاريخ 2 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، وفقا لخطة كانت معدة مسبقا". وقالت النيابة إن "جثة المقتول جمال خاشقجي، جرى التخلص منها عبر تقطيعها عقب قتله خنقا، وفقا لخطة كانت معدة مسبقا أيضا".

وأعلن النائب العام السعودي، في وقت سابق أن التحقيقات أظهرت وفاة المواطن السعودي جمال خاشقجي خلال شجار في القنصلية السعودية في إسطنبول. وأكدت النيابة العامة أن تحقيقاتها في هذه القضية مستمرة مع الموقوفين على ذمة القضية والبالغ عددهم حتى الآن 18 شخصا جميعهم من الجنسية السعودية، تمهيدا للوصول إلى كافة الحقائق وإعلانها، ومحاسبة جميع المتورطين في هذه القضية وتقديمهم للعدالة.

معلومات جديدة

وفي هذا الشأن قال النائب العام بالسعودية إن النيابة العامة تلقت معلومات من الجانب التركي تشير إلى أن المشتبه بهم في واقعة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي ”أقدموا على فعلتهم بنية مسبقة“، وهو ما يناقض بيانات رسمية سابقة بأن القتل لم يكن متعمدا. وقوبل قتل خاشقجي، وهو كاتب مقال في صحيفة واشنطن بوست ومن منتقدي الحاكم الفعلي للسعودية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، بإدانات دولية وتفاقم الأمر إلى أزمة كبيرة بالنسبة للمملكة.

وجاء إعلان النائب العام السعودي بعد أن استمعت جينا هاسبل مديرة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي.آي.إيه) لتسجيل صوتي للحادث أثناء زيارة لتركيا لتقصي الحقائق. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن هاسبل التقت بالرئيس دونالد ترامب ووزير الخارجية مايك بومبيو في البيت الأبيض. ونفى مسؤولون سعوديون في بادئ الأمر أي ضلوع في اختفاء خاشقجي ثم ألقوا باللوم في موته يوم الثاني من أكتوبر تشرين الأول داخل القنصلية السعودية باسطنبول على محاولة فاشلة لإعادته إلى المملكة.

وجاء في بيان من النائب العام بالسعودية ”وردت إلى النيابة العامة معلومات من الجانب التركي الشقيق من خلال فريق العمل المشترك بين المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية الشقيقة تشير إلى أن المشتبه بهم في تلك الحادثة قد أقدموا على فعلتهم بنية مسبقة“. وأضاف البيان الذي نقلته وكالة الأنباء السعودية ”النيابة العامة تواصل تحقيقاتها مع المتهمين في ضوء ما وردها وما أسفرت عنه تحقيقاتها للوصول إلى الحقائق إن شاء الله واستكمال مجريات العدالة“.

وعبرت تركيا وحلفاء الرياض من الدول الغربية عن شكوك عميقة بشأن التفسيرات السعودية لعملية القتل. ويعتقد مسؤولون أتراك أن خاشقجي (59 عاما) قتل داخل القنصلية على أيدي فريق من أفراد المخابرات السعودية وجرى تقطيع جثمانه. وتقول مصادر تركية إن السلطات تملك تسجيلا صوتيا يعتقد أنه يوثق عملية القتل. وكانت صحيفة يني شفق الموالية للحكومة التركية قالت، مستندة إلى التسجيل الصوتي، إن قتلة خاشقجي عذبوه بقطع أصابعه أثناء استجوابه ثم قطعوا رأسه بعد ذلك.

وقالت مصادر إن هاسبل استمعت لتسجيل صوتي لعملية قتل خاشقجي لكن لم يتضح ما سمعته. ورفض ممثلون لوكالة المخابرات المركزية والمخابرات التركية التعليق. وهذا أول مؤشر على أن أنقرة أطلعت أطرافا أخرى على دليلها الرئيسي في التحقيق. وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ”قدمنا لأولئك الذين سعوا إلى معلومات إضافية بعض المعلومات والنتائج التي سمح لنا المدعي العام بتقديمها والتي يمكن إطلاع الغير عليها من الناحية القانونية“.

ومن بين الروايات المختلفة التي قدمتها الرياض عما حدث للصحفي السعودي قال مسؤولون سعوديون إن خاشقجي إما أنه قتل في شجار داخل القنصلية أو مات مختنقا عندما قاوم عملية لحقنه بمخدر واختطافه. وقال مصدر أمني أوروبي، نقلا عن أشخاص استمعوا للتسجيل الصوتي ”حدث جدال في البداية وتبادلوا الإهانات ثم تطور الأمر. (قال السعوديون) سوف نلقنه درسا“.

ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن ترامب، أقوى حليف غربي للسعودية، قوله إن ولي العهد السعودي باعتباره الحاكم الفعلي للمملكة يتحمل المسؤولية النهائية عن العملية التي أفضت إلى مقتل خاشقجي. وسوف يعتمد تعامل الغرب مع الرياض على إلى أي مدى يعتقدون أن مسؤولية مقتل خاشقجي تقع مباشرة على ولي العهد والسلطات السعودية. واحتجزت السعودية 18 شخصا وأعفت خمسة من كبار المسؤولين الحكوميين من مناصبهم في إطار التحقيق في مقتل خاشقجي.

وقالت مصادر أمنية تركية إن بعض هؤلاء كانوا ضمن الفريق المؤلف من 15 شخصا المشتبه بهم في عملية القتل وكثير منهم ينتمون للمخابرات السعودية توجهوا إلى اسطنبول قبل ساعات من موت خاشقجي. وقالت شبكة (سي.إن.إن ترك) التلفزيونية إن الشرطة التركية تفحص عينات مياه أُخذت من بئر بالقنصلية بعد أن مُنعت في البداية من الوصول إليها. وكان العاهل السعودي الملك سلمان الذي أوكل إلى ابنه الأمير محمد إدارة الشؤون اليومية للمملكة قد أمر بإعادة هيكلة جهاز المخابرات العامة.

وذكرت وكالة الأنباء السعودية في بيان منفصل أن الأمير محمد رأس الاجتماع الأول للجنة إعادة هيكلة رئاسة الاستخبارات العامة. وتعهد ولي العهد السعودي بتقديم قتلة خاشقجي للعدالة، وذلك في أول تصريحات علنية له عن القضية. وقال مصدران مقربان من عائلة خاشقجي إن العائلة وابنه الأكبر صلاح وصلوا إلى واشنطن على رحلة قادمة من السعودية. وقال أحد المصدرين إن صلاح يحمل الجنسيتين السعودية والأمريكية وإنه كان يخضع لحظر سفر.

وزار صلاح بصحبة أفراد من العائلة قصر اليمامة بالرياض حيث تلقى العزاء من الملك سلمان وولي العهد. وأظهرت صورة للقاء نشرتها وكالة الأنباء السعودية الرسمية صلاح وهو يسدد نظرات حادة لولي العهد أثناء مصافحته. ونظم عشرات الأشخاص وقفة خارج القنصلية السعودية في اسطنبول للمطالبة ”بالعدالة الكاملة“. وحمل عدد منهم صور عليها وجه الصحفي وعبارات ”أصدقاء خاشقجي“. ولطخ أحد المشاركين في الوقفة يديه باللون الأحمر ووضع على وجهه قناعا يشبه وجه ولي العهد السعودي. بحسب رويترز.

ووصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قتل خاشقجي بأنه ”جريمة وحشية“ وطالب الرياض بمعاقبة المسؤولين عن الأمر مهما كان موقعهم. وقالت وكالة الأنباء السعودية إن الملك سلمان أجرى اتصالا هاتفيا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وأكد له تصميم الحكومة السعودية على محاسبة من تثبت إدانتهم وأن ينالوا الجزاء الرادع. وتسببت الأزمة في توتر علاقات الرياض مع الغرب، التي تتمحور حول الأمن في الشرق الأوسط وإمدادات النفط، ودفعت عشرات من المسؤولين الغربيين والمصرفيين العالميين والرؤساء التنفيذيين للشركات إلى مقاطعة مؤتمر استثمار كبير يستمر لثلاثة أيام. لكن الأمير محمد قال بنبرة تحد لمستثمرين دوليين إن الضجة المثارة بشأن مقتل خاشقجي لن تعرقل المملكة عن مسعى الإصلاح. وقال وسط تصفيق الحضور ”سوف نثبت للعالم بأن الحكومتين (السعودية والتركية) متعاونتان لمعاقبة أي مجرم وأي مذنب والعدالة في الأخير سوف تظهر“.

ترامب ومقتل خاشقجي

من جانب اخر قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن السلطات السعودية دبرت ”أسوأ تستر على الإطلاق“ فيما يتعلق بقتل الصحفي جمال خاشقجي، في الوقت الذي تعهدت فيه الولايات المتحدة بإلغاء تأشيرات دخول بعض من يعتقد أنهم مسؤولون عن الحادث. وتحدث ترامب بعد ساعات من رفض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان محاولات الرياض تحميل المسؤولية عن قتل خاشقجي لضباط مارقين وحثها على ”الكشف عن كافة المتورطين في هذه القضية من أسفل السلم إلى أعلاه“.

وقال ترامب إن قتل الصحفي وما تلاه من تستر من جانب السعودية كان ”فشلا ذريعا“. وأضاف للصحفيين ”ما كان ينبغي أبدا أن يحدث قتل أو تستر عليه، لأنه ما كان ينبغي حدوثه أبدا“. وأضاف أنه تحدث إلى ولي العهد السعودي الذي نفى أي علاقة له بمقتل خاشقجي. وفي وقت سابق قال الرئيس الأمريكي إن المسؤولين السعوديين تعاملوا مع قضية خاشقجي بطريقة سيئة. وقال للصحفيين في البيت الأبيض ”صفقة سيئة، ما كان ينبغي التفكير فيها أبدا. ارتكب شخص ما خطأ. ودبروا أسوأ عملية تستر على الإطلاق“.

ولم يعلن ترامب رأيه حول من المسؤول النهائي. لكن وزير الخارجية مايك بومبيو قال إن الولايات المتحدة حددت بعض المسؤولين السعوديين الذين تعتقد أنهم ضالعون في قتل خاشقجي وإنها ستتخذ إجراءات مناسبة منها إلغاء تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنه سيتم إلغاء تأشيرات دخول 21 سعوديا إلى الولايات المتحدة أو سيكونون غير مؤهلين للحصول على تأشيرات بسبب مقتل خاشقجي. بحسب رويترز.

وقال مسؤول في الوزارة إن الغالبية العظمى من هؤلاء يملكون تأشيرات أمريكية. وقال بومبيو ”تلك العقوبات لن تكون كلمة الولايات المتحدة الأخيرة بشأن القضية“. ولم ترد السفارة السعودية في واشنطن على طلب للتعليق بشأن الإجراءات الأمريكية. قال ترامب إنه سيعمل مع الكونجرس الأمريكي لتحديد رد الولايات المتحدة على قضية خاشقجي. وقال ”فيما يتعلق بما سنفعله في نهاية الأمر، سأتركه إلى حد بعيد للكونجرس بالاشتراك معي“ وأضاف أنه سيود الحصول على توصية من الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

سعود القحطاني

أدار وسائل التواصل الاجتماعي لحساب ولي العهد السعودي. ودبر عملية اعتقال المئات من النخبة السعودية. واحتجز رئيس وزراء لبنان. ويقول مصدران في المخابرات إنه أدار عملية القتل الوحشية التي تعرض لها الصحفي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية باسطنبول بإصدار الأوامر عبر سكايب. وسعود القحطاني، أحد كبار معاوني ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، واحد ممن تم تحميلهم المسؤولية عن قتل خاشقجي في إطار مساعي الرياض لدرء التداعيات الدولية.

وقالت وسائل إعلام رسمية إن الملك سلمان عزل القحطاني وأربعة مسؤولين آخرين بسبب جريمة القتل التي ارتكبها فريق اغتيال مكون من 15 فردا. غير أن عدة مصادر على صلة بالديوان الملكي قالت إن نفوذ القحطاني في حاشية ولي العهد كان واسعا في السنوات الثلاث الأخيرة، إذ ارتفع نجمه مع تألق نجم الأمير، لدرجة سيصعب معها على المسؤولين السعوديين تصويره في صورة العقل المدبر وراء الجريمة دون إثارة تساؤلات حول دور الأمير محمد فيها.

وقال أحد هذه المصادر ”هذه الواقعة لن تطيح بمحمد بن سلمان لكنها أثرت على صورته وهو ما سيستغرق إصلاحه وقتا طويلا إن كان ممكنا أصلا إصلاحها. فالملك يحميه“. وقد قال القحطاني نفسه من قبل إنه لن يفعل شيئا أبدا دون موافقة سيده. وقال في تغريدة على تويتر في الصيف الماضي ”وتعتقد أني أقدح من رأسي دون توجيه؟ أنا موظف ومنفذ أمين لأوامر سيدي الملك وسمو سيدي ولي العهد الأمين“.

ولم يرد القحطاني على استفسارات. وقد تغيرت بياناته الشخصية على تويتر في الأيام الأخيرة من مستشار ملكي إلى رئيس الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز وهو الدور الذي كان يقوم به من قبل. وقال مسؤول سعودي إن الأمير محمد بن سلمان لم يكن على علم بالعملية التي أدت لمقتل خاشقجي ”وبالتأكيد لم يصدر أمر باختطاف أو قتل أحد“. ولم يتسن الاتصال بالمسؤولين في الرياض للحصول على تعليق آخر.

ومع تنامي الأزمة غيرت السعودية نبرتها عن مصير خاشقجي. فنفت موته في البداية ثم قالت إنه مات أثناء شجار وقع في القنصلية والآن تعزو موته لتعرضه للخنق. وقال مسؤول سعودي رفيع إن القتلة حاولوا التستر على ما حدث وإن الحقائق بدأت تتكشف الآن. ويرفض الجانب التركي هذه الرواية للأحداث ويقول إن لديه تسجيلات صوتية لما جرى من وقائع. وقد مرت المملكة بأزمات أخرى في السنة الأخيرة وخرجت منها من بينها تداعيات اختطاف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري في العام 2017. وقالت ثمانية مصادر سعودية وعربية ودبلوماسية غربية إن الحريري تعرض أيضا لإهانات لفظية وللضرب. وكان الرجل الذي قاد استجوابه هو سعود القحطاني.

وتدخلت فرنسا من أجل إطلاق سراح الحريري غير أن العواصم الغربية لم تحاسب الرياض على احتجاز رئيس حكومة وخرج الأمير محمد من تلك الأزمة أكثر جرأة على حد قول ثلاثة مصادر سعودية. أما هذه المرة فالأمر يختلف. إذ أن انتقادات بعض العواصم الغربية لمقتل خاشقجي وللتفسير السعودي تتصاعد. فقد أعلنت ألمانيا أنها ستوقف مبيعات الأسلحة بينما أصدرت بريطانيا وفرنسا وألمانيا بيانا مشتركا طالبت فيه ”بتوضيح ... عاجل لما حدث بالضبط في الثاني من أكتوبر“ تشرين الأول.

وتأرجح موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقال إنه غير راض عن التحقيق السعودي لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أنه لا يريد تعريض مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى السعودية للخطر. وقال مصدر قريب الصلة من الديوان الملكي السعودي إن الأمير محمد سمح للقحطاني بتحمل مسؤولية ما حدث وذلك درءا لتداعيات مقتل خاشقجي. وقال مسؤول سعودي رفيع ثان إنه تم احتجاز القحطاني في أعقاب عزله لكنه استمر في نشر تغريدات بعد ذلك. وقالت المصادر ذات الصلة بالديوان الملكي إنه ليس من المعتقد أنه رهن الاعتقال.

وفي عملية قتل خاشقجي كان القحطاني حاضرا مثلما كان حاضرا في لحظات أساسية أخرى في إدارة الأمير محمد. غير أن حضوره هذه المرة كان عبر الإنترنت. ودخل خاشقجي، الصحفي السعودي المقيم في الولايات المتحدة وكثير الانتقاد للسعودية وقيادتها، قنصلية بلاده في اسطنبول نحو الساعة الواحدة بعد الظهر في الثاني من أكتوبر تشرين الأول للحصول على بعض الوثائق التي تتيح له الزواج.

ويقول مصدر عربي رفيع المستوى مطلع على الاستخبارات وله صلات بأفراد الديوان الملكي السعودي إنه تم توصيل القحطاني بحجرة في القنصلية السعودية عبر سكايب. وبدأ القحطاني يوجه الإهانات لخاشقجي عبر الهاتف. وتقول المصادر العربية والتركية إن خاشقجي رد على إهانات القحطاني. لكنه لم يكن ندا للفريق السعودي الذي ضم ضباطا كبارا في أجهزة الأمن والمخابرات ولبعضهم صلات مباشرة بالديوان الملكي.

وقال مصدر في المخابرات التركية إن القحطاني طلب من رجاله بعد ذلك التخلص من خاشقجي. ونقل المصدر عن القحطاني طلب منهم أن يأتوه ”برأس الكلب“. وليس من الواضح ما إذا كان القحطاني شاهد الوقائع بالكامل التي وصفها المصدر العربي الرفيع بأنها ”عملية فاشلة انحرفت عن مسارها“. وقال المصدر العربي ومصدر المخابرات التركي إن التسجيل الصوتي للمكالمة عبر سكايب موجود الآن بحوزة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

واكتسب القحطاني سمعة في الداخل بأنه المنفذ ولو بالعنف للرغبات الأميرية وبأنه شديد الوطنية. وقد وصفه بعض الصحفيين والنشطاء الليبراليين السعوديين بأنه المقابل السعودي لستيف بانون بسبب جرأة استغلاله لوسائل الإعلام الإخبارية ورسم الاستراتيجيات من وراء الستار. وبانون هو مستشار ترامب السابق للشؤون الاستراتيجية.

وتغنى القحطاني في قصائد شعرية بالأسرة الملكية تحت اسم ضاري. وسماه بعض خصومه على وسائل التواصل الاجتماعي دليم نسبة إلى شخصية في التراث الشعبي العربي لرجل علا شأنه بعد أن كان خادما وضيعا. وتوضح بياناته على تويتر أنه درس القانون وبلغ رتبة نقيب في سلاح الجو السعودي. وبعد أن بدأ مدونة لفت نظر خالد التويجري الرئيس السابق للديوان الملكي الذي عينه في أوائل الألفية الثالثة لإدارة جيش الإعلام الإلكتروني المكلف بحماية صورة المملكة وذلك وفقا لما قاله مصدر على صلة بالديوان الملكي.

والتويجري رهن الإقامة الجبرية ولم يتسن الاتصال به للتعليق. وعلا نجم القحطاني بعد اتصاله بالأمير محمد الذي كان ملازما لديوان والده أيام كان أميرا لمنطقة الرياض ثم وليا للعهد قبل أن يعتلي العرش في 2015. ولتكليفه بالتصدي لما وصف بأنه النفوذ القطري على وسائل التواصل الاجتماعي استخدم القحطاني تويتر في مهاجمة الانتقادات الموجهة للمملكة عموما وللأمير محمد بصفة خاصة. كما أدار مجموعة على تطبيق واتساب تضم رؤساء تحرير الصحف المحلية والصحفيين البارزين ليملي عليهم سياسة الديوان الملكي.

وعندما قادت الرياض مقاطعة اقتصادية لقطر في يونيو حزيران 2017 صعد القحطاني هجماته عليها. وحث السعوديين عبر الإنترنت على نشر أسماء من يبدي تعاطفا على تويتر مع قطر مستخدما وسم ”القائمة السوداء“. وقال المسؤول العربي الرفيع والمصادر السعودية ذات الصلة بالديوان الملكي إن القحطاني لعب دور ”الشرطي السيء“ لحساب الأمير محمد بن سلمان في أواخر العام الماضي عندما تم احتجاز 200 شخصية من الأمراء والوزراء وكبار رجال الأعمال في فندق الريتز كارلتون في حملة موسعة على الفساد.

وقال المسؤول العربي إن القحطاني أشرف على استجواب الموقوفين. وقالت بعض المصادر السعودية ومصادر دبلوماسية عربية إن أفضل ما يبرهن على نفوذ القحطاني ربما كان خطف رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري العام الماضي. وقال ثلاثة على الأقل من أصدقاء خاشقجي إن الصحفي السعودي تلقى في الشهور التي أعقبت انتقاله إلى واشنطن قبل عام العديد من المكالمات من الذراع الأيمن للأمير محمد يحثه فيها على العودة للسعودية.

وقال الأصدقاء إن خاشقجي أحجم عن ذلك خوفا من الانتقام منه لكتاباته في صحيفة واشنطن بوست وآرائه الصريحة. وأضافوا أن القحطاني سعى لطمأنة خاشقجي الذي كان من قبل رئيس تحرير صحيفة سعودية أنه ما زال يحظى بالاحترام وعرض عليه وظيفة مستشار في الديوان الملكي.

ونقل أحد الأصدقاء عن خاشقجي قوله إنه لم يثق بالقحطاني رغم أنه كان دمثا ومهذبا خلال هذه المكالمات. وأضاف ”قال لي جمال بعد ذلك ’يعتقد أنني سأعود حتى يمكنه أن يلقي بي السجن؟‘“ وأكد المسؤول السعودي الرفيع الثاني أن القحطاني تحدث مع خاشقجي عن عودته للوطن. ويبدو أن الكمين الذي نصب له في اسطنبول كان وسيلة أخرى لإعادته للبلاد. وأغلب أفراد الفريق المكون من 15 فردا الذي كشفت عنه السلطات التركية والسعودية يعملون لأجهزة الأمن والمخابرات والجيش والوزارات وأمن الديوان الملكي وسلاح الجو في المملكة.

وظهر أحد أفراد الفريق وهو العقيد ماهر مطرب ضابط المخابرات الذي يعمل ضمن الفريق الأمني للأمير محمد في صور مع الأمير خلال زياراته الرسمية في وقت سابق من العام الحالي للولايات المتحدة وأوروبا. وقال المسؤول العربي الرفيع والمصدر بالمخابرات التركية إن هاتف مطرب استخدم في الاتصال بالقحطاني أثناء استجواب خاشقجي.

وقال المسؤول السعودي إن اللواء أحمد عسيري نائب رئيس المخابرات العامة شكل الفريق السعودي من رجال المخابرات والأمن. وعسيري واحد من خمسة مسؤولين عزلتهم المملكة من مناصبهم يوم السبت. وتقول المصادر السعودية ذات الصلة بالديوان الملكي إن من الصعب تصور ألا يكون ولي العهد على علم بهذه العملية الدقيقة. وقال المسؤول السعودي الذي تحدث يوم السبت إن هناك أمرا سابقا ساريا يتيح لمسؤولين صلاحية التفاوض مع المعارضين للعودة للوطن دون ضرورة الحصول على موافقة، غير أن الفريق تجاوز سلطته في حالة خاشقجي. بحسب رويترز.

وقال مسؤول سعودي آخر على صلة وثيقة بالتحقيق إن القحطاني قرر أن يدبر من نفسه عملية خطف خاشقجي وإنه طلب من عسيري تشكيل فريق، غير أن الخطة انحرفت عن المسار المرسوم لها. وربما يكون آخر ما يقدمه القحطاني في خدمة سيده هو تحمل المسؤولية عن هذه الأزمة. وقد أصدر العاهل السعودي أوامر بعزل القحطاني وإعادة تشكيل المخابرات العامة من خلال لجنة برئاسة ولي العهد.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8